هل سيشهد العالم ملفاً باسم.. القضية الأردنية

مشاركة
* فؤاد البطاينة 08:54 ص، 24 أكتوبر 2021

لا يختلف مثقفان عاقلان على أن دولة الأردن وبخلاف كل الأقطار العربية ولدت مُستعمرة وديعة من رحم المشروع الصهيوني لخدمته والعودة لحضن وعد بلفور الذي اعتبر شرق الأردن امتداداً جغرافياً وسكانياً لفلسطين. ولم يتمكن الأردنيون على الإنقلاب على هذا الواقع بل اعتقدوا بأنها دولتهم سايكوسبيكية ودائمة لهم وبأنها ستسعى لمقاومة الغزو الصهيوني لفلسطين، إلى أن وقع الفأس بالرأس قبل أن ينتبهوا إلى تجريدهم الممنهج من كل ما كان يربطهم ببعضهم من روابط اجتماعية ومكانية وزمانية قبل قيام الدولة، وحرمانهم من تشكيل هوية أردنية وطنية سياسية مرتبطة بالأرض والدولة ومن ثم تجريدهم من مواطنتهم وحقوقهم السياسية والاعتبارية وتصفية الدولة. ليصبح من الصعب إعادة بناء شخصيتهم الوطنية وفرض أنفسهم كشعب لهذا الوطن.

نكذب إن ادعينا بوجود شيوخ فينا أو قامات وطنية أو نخب ناجحة ونحن نواكب تفاصيل المرحلة الاستهدافية الوجودية العميقة التي يمر بها الأردن ويستباح فيها وطننا وكراماتنا الوطنية على مذبح تتويج احتلال فلسطين وإعادة الوديعة الأردنية دون مقدرتنا على فعل شيء. وكل هذا لم يهبط علينا فجأة بل كنا نتجاهل التاريخ حين اعتبرنا القضية الفلسطينية لشعب أخر هو الشعب الفلسطيني، وبأنّا لسنا هو ولا هو نحن. ولا القضية تشملنا

لننتبه جيدا ولا نكابر بالحقيقة. القضية التي اعتدنا واعتاد العالم على تسميتها بالقضية الفلسطينية هي في الواقع قضية كل أردني بالتمام والكمال، ولم يُرسم للأردنيين ولأرضهم مصير غير مصير الفلسطينيين وأرضهم.

وإذا راق لنا الهروب من هذه الحقيقة أو إنكارها، وجب علينا أخذ خيار من اثنين، فإما أن نعتبرها قضية فلسطينية أردنية ونتصرف وفق هذا المفهوم , وإما أن نفتح الأن ملفاً أمام العالم باسم ,,القضية الأردنية،، كبلد يُستعمر ويُنهب ويُحتل ويجرد شعبه من مواطنيته وحريته ويخضع لكل ضغوطات الإستعباد أو الهجرة..

لا يُعقل ألا نستجيب للفعل بردة فعل، فالمرحلة التي نعيشها كأردنيين هي بالنسبة للنظام مرحلة تصفيةِ وتسليم الدولة بصورة ما. وبالمقابل لا يُمكن أن تكون لنا إلّا مرحلة إنقاذ وطن. نحن نغرق في بحر صفقة القرن التي عمادها السياسي هو الأردن.

نترقب مواجهة مخطط من رحم الصفقة يجري فيه توحيد القبضة السياسية ولعسكرية على أراضي وعد بلفور في الضفتين معاً بصيغة ما، واستنساخ نموذج سلطة أوسلو في عمان. وجاءت اتفاقية الدفاع المشترك مع أمريكا في هذا السياق تحمل في تفصيلاتها وطبيعتها ما يُهيء بانسياب كل عينات فصائل ومؤسسات جيش وأمن كيان الاحتلال الصهيوني وطواقم استعمار الأرض الأردنية اقتصاديا وسياسياً وثقافياً إلى حجرنا بقناع أمريكي. وستتحول كل القواعد العسكرية على أرض الأردن لمقرات صهيونية عاتية تُشرف على غزو الأردن وعلى بناء النفوذ والمستوطنات من خلال شراء الأرضي وإقامة المشروعات الاستثمارية بمساعدة لوجستية ورأس مال خليجيين.

وقصة الوطن البديل التي أثيرت مُجددا هي في السياق، جاءت للتضليل ولشراء الوقت والتعمية. وعلى كل أردني وفلسطيني أن يدرك بعقله وبحسه أن لا دولة فلسطينية أو أردنية، ولا كيان سياسي فلسطيني أو أردني في الإستراتيجية الصهيون أمريكية وفي صفقة القرن. وبالتالي لا وطن بديل في هذه الاستراتيجية . “فإسرائيل” تبحث عن حل تاريخي آمن ومُستقر لاحتلالها ولمشروعها الصهيوني. وتعلم أن مثل هذا الوطن البديل “المجاور” على مساحة وعد بلفور حلاً مجنوناً ولا يقبله أو يتعايش معه الأردنيون والفلسطينيون، ولن يصنع استقرارا وأمنا لها وللمنطقة، وبأن فيه مقتلها. فهي تدرك بأنه يشكل خطراً وجوديا متنامياً عليها وعلى احتلالها ومشروعها.

فما تخطط له الصهيونية على المدى القريب هو وضع يدها على الأردن والضفة الغربية معاً، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، كمنطقة نفوذ خالصة. يتبعها استراتيجية تصفية ملفات القضية الفلسطينية وفصلا صهيونيا جديداً في الأردن للسيطرة المباشرة عليه بذرائع، ثم احتلاله وهذا ستحكمه الأحداث الميدانية. لا نتكلم خيالاً وإنما عن مخطط سيدعمه العالم وحكام العرب وأموالهم. وهذا ينقلنا لمقال ال Foreign Policy. المنطوي على الوطن البديل زيفاً وخدعة.

فصاحب المقال ليس كاتباً ولا سياسياً، هو من أعلام ثراء الفساد والتطبيع ومأجورً صهيوني كتُب له المقال ونُشر باسمه بتوصية. إلّا أن محاولات استهداف الهوية السياسية الوطنية الفلسطينية كلها مناطة بدور النظام الأردني وأدت سيناريوهاتها الماضية خدمات كبيرة للاحتلال لكنها فشلت في النيل من الهوية الفلسطينية. والمقال جاء في سياق ذات الهدف لكنه يحمل بعض المستجدات الخطيرة من أهمها إحكام الطوق على المقاومة، والغزو الصهيوني المادي المباشر للأردن من خلال إدماج المستوطنات الصهيونية في التركيبة الأردنية الفلسطينية المزمعة. وهذ يُبشر بنشر الوجود الصهيوني في الأردن ويُمهد لمستوطنات شقيقة لها وبتدخل معلن قادم لكيان الإحتلال في القرار الأردني، وكما من الجديد الإيهام بأن هذا المخطط يمثل مطلباً عربياً يطرح على “اسرائيل” لتقبله.

 نحن لسنا معنيين بدور مداسات أرجل الصهيونية وعبيد الصهيوني ودوابه. وليعلم الصهاينة ومن والاهم بأن شعبنا العربي في فلسطين والأردن لا يُقَدمون الخبز والإزدهار ولا الحياة الدنيا على تحرير وطنهم ومقدساتهم. وأنه لا أمريكا ولا قوة على الأرض قادرة على تزوير التاريخ وهضم حقوق شعب واحتلال وطنه، وأن الكيان السياسي الفلسطيني وهويته الوطنية راسخاً بعمر التاريخ وبنصه، و لا يزول إلّا بزوال الأرض وقيام الساعة، إنما الزوال للطارئين واحتلالاتهم. ولن يكون سلام أو استقرار لا في المنطقة ولا في العالم قبل أن يظفر الشعب الفلسطيني بوطنه فلسطين تحت سيادته الكاملة.

وسيقاوم كل أردني أو فلسطيني ويُفشل كل مشروع مشبوه يُستشف منه الانتقاص من الهوية الفلسطينية أو تذويب الهوية الأردنية، ولا ضم أو اتحاد إلَا بإرادة شعبية وبين دولتين حرتين بكامل سيادتيها على أرضيهما، ولن نسمح أو نستكين لصنع سلطة اوسلو أردنية في عمان. وإن بالوناتكم لا تعني سوى دعوة الأردنيين والفلسطينيين للإسراع ببعث مشروع المقاومة التحريرية التي لن تحتمل أية ممنوعات أو محذورات وعلى اتساع المعمورة.

طبيعة المرحلة هي التي تحدد المطلوب من النخب والطلائع الوطنية الأردنية والفلسطينية التي ترى نفسها في الوطن وتحقق ذاتها وذات شعبها في حريته. نحن اليوم كأردنيين نفتقد لحرية الوطن والمواطن ولحرية النظام نفسه. وانخراطنا في الحديث عن الإصلاح أو انشغالنا في مسرحيات الأحزاب والنواب والفساد هو من وسائلهم لشراء الوقت وتمرير المرحلة بأمن وسلام، بينما لا شيء يرقى لمواجهة عمليات غسل الإحتلال، وكذا الطلائع السياسية والمقاومة في فلسطين يُستدرجون لردات أفعال وحوارات عبثية مع سلطة أوسلو وعرابي الإحتلال بينما لا شيء يرقى لتعزيز مشروع المقاومة التحريرية والذي وحده القادر على حشد خمسة عشر مليون فلسطيني خلفها وأمامها، وهذا ما يحتاج لمقال.

** كاتب أردني

المصدر: "رأي اليوم"

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"