الحرب والسلم وتبييض الأموال

مشاركة
* د. شهاب مكاحله 11:17 م، 12 أكتوبر 2021

في محاضرة لي في أحد المراكز الاستراتيجية في الولايات المتحدة قبل أيام، تحدثت عبر السكايب عن واقع الشرق الأوسط منذ نحو مائة عام وعقب احتلال إسرائيل لفلسطين والجولان وعدة قرى من لبنان وسيناء وماذا تغير في العقلية السياسية العربية.

بدأت المحاضرة بعبارة أن بعض الدول تريد القوة والنفوذ لاكتساب المزيد من الهيمنة على حساب الآخر حتى وإن تطلب الأمر تدمير دول وحضارات وآوابد أثرية تحكي ماضي شعوب المنطقة المجيد بل والعالم. فمن يحكم العالم اليوم هم الأثرياء من مبيضي الأموال سلماً وحرباً.

نحن اليوم نعيش في عالم يفعل فيه أصحاب المصالح الآنية ما يريدون على حساب المصالح المستقبلية للشعوب. فالشعوب تريد السلام لأنها تعلم أن السلام يعني الرخاء والازدهار والاستقرار بينما التوتر والصراعات تعني المزيد من الدمار والتشرذم والتشرد والتهجير والتدمير وسلب الشعوب ارادتها وتدمير تراثها وحضارتها التي تفاخر بها الأمم. وليس أدل على ذلك مما حصل في العراق وسوريا على أيدي الإرهاب والتطرف اللذين دمرا الحجر قبل البشر.

من مصلحة مصنعي السلاح وتجاره إشعال الحروب لأن صناعتهم وتجارتهم تزدهر أكثر وأكثر كلما طال أمد الحروب بل إن الحروب أصبحت إحدى وسائل غسل الأموال وتبييضها. لذلك فالسلام مكلف جداً لتلك الفئة من التجار والصناعيين، تجار الدماء، الذين يغتنون ويزدادون غنى على جماجم الدول الفقيرة والنامية. الحروب لا تولد سوى الكراهية والسلام لا يولد سوى المحبة.

في الشهر القادم، ستكون لي مشاركة في مؤتمر عن الأمن العالمي بعنوان: «ساحات المعارك في المستقبل: الحروب في القرن الحادي والعشرين»، وهي تتعلق أكثر بالتنافس ما بين الولايات المتحدة والصين على رقعة الشطرنج الباسيفيكية. كل من الدولتين تسعى إلى ازاحة الأخرى عن طريقها لأن ميدان التنافس ومعركة كسر العظم للانتقال إلى النظام العالمي الجديد بدأت ترتسم ملامحها مع تدهور العلاقات بين الدول الغربية أنفسها ودخول الشك فيما بينها.

يبدو أن الصين تسعى إلى تحقيق ما عجزت عنه دول قبلها من خلال اعتماد مبدأ «الأفعال لا الأقوال» وما حصل قبل أيام من تعطل بعض وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً بسبب عطل في الراوترات إلا دليل على أن العالم ما عاد يعتمد على قدرات دولة بحد ذاتها، بل أصبحت هناك قدرات تكنولوجية لدول أخرى يمكنها أن تشكل البديل في حال وقوع خلل مثلما حصل قبل أيام.

لذلك فمعركة التأثير والتغيير ما عادت حكراً على أحد. الصين حريصة على تحديث اقتصادها. ولأسباب دفاعية، أرادت الصين التأكد من عدم غزوها واستعمارها مثلما حصل قبل قرن من الزمان. ومن ناحية أخرى، يريد الحزب الشيوعي استعادة مكانته كقوة عظمى. كما أدى صعود الصين على مدى العقدين الماضيين إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي العالمي ابتداء من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر ٢٠٠١ ما مكن بيجينغ من تحويل اقتصادها بسرعة إلى «مصنع العالم» بتكاليف منخفضة.

لذلك نرى اليوم أنه لا يمكن ان يعيش العالم حالة سلام أبداً ولو ليوم واحد لأن تجارة السلاح وتضارب المصالح ومعركة غسل الأموال وتبييضها ستبقى هي العنوان الأبرز في القادم من السنوات حتى تتبلور فكرة النظام العالمي الجديد بلا قطبية أحادية أو ثنائية..

 

*  إعلامي وسياسي أردني

اقرأ ايضا: تأثير الحرب والعنف والكراهية على نمو الأطفال

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيـــــــــاة"