تحرر أسرى سجن جلبوع: السيناريوهات والدلالات

مشاركة
* هاني المصري 12:11 ص، 09 سبتمبر 2021

ما حصل في سجن جلبوع من تحرر ستة أسرى فلسطينيين ليس سحرًا، ولا عملًا غيبيًا، ولا فيلمًا هوليووديًا، وإنما عمل عبقري بطولي إنساني، يعود إلى الأمل والعزيمة والإيمان والوعي والبطولة، والقدرة على التخطيط والتنظيم والتنفيذ، ويدل مرة أخرى على أن الكف يمكن أن تقاوم المخرز، وأن الأسير أقوى من آسره عندما تكون قضيته عادلة، وإيمانه عميقًا منغرسًا في أعماق الأرض والتاريخ والثقافة، وإرادته فولاذية، وثقته بالنصر لا تتزعزع مهما اشتدت التحديات والظلمات والمؤامرات.

أكثر ما يقلق سلطات الاحتلال ليس نجاح الأبطال في التحرر من السجن، الذي يسمى "الخزنة الحديدية" في دلالة على استحالة الفرار منه، وإنما في أنهم قد لا ينشدون النجاة بأنفسهم، بل يفكرون في تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية لإلحاق أكبر الخسائر بعدوهم الذي حرمهم وحرم شعبهم من العيش بحرية واستقلال، وهذه الطامة الكبرى لإسرائيل.

 

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: اعتقال المحررين بلا قتال

يقوم هذا السيناريو على نجاح قوات الاحتلال في اعتقال المحررين من دون معركة، بتعاون من أطراف فلسطينية وعربية وخارجية، وبذلك تنتهي العملية، ولكنها لن تموت، وستبقى خالدة كمثال على أن الإنسان الفلسطيني قادر على النصر وصنع المستحيل، وعمل ما لا يصدق. فأثر ما قام به أبطال وأحرار جلبوع لن ينسى لا عند العدو، ولا عند الفلسطينيين وأحرار العالم كله، ويثبت مرة أخرى أن إسرائيل، مثلما هُزِمت سابقًا، يمكن أن تهزم الآن وفي المستقبل.

هناك مبالغة من خلال اعتبار أي انتصار فلسطيني، مثل سيف القدس، أو قتل الجندي من مسافة صفر، أو حرية الأسرى، يمثل نهاية الاحتلال وانهيار إسرائيل وكيانها الاستعماري، مثلما يسارع البعض للترويج. وهذا يؤدي إلى إضعاف القدرة على فهم المغزى والاستفادة منها، ويرفع التوقعات إلى السماء، ويسمح بالتقديرات المتفائلة الخيالية التي تؤدي إما إلى التهور والمغامرة، أو إلى التواكل بدلًا من التوكل، وفي الحالتين نظرًا لتقدير أن النصر الحاسم قريب، وهذا يقود إلى خيبات كبيرة بحجم التوقعات الكبيرة، فكل شيء يجب أن يرى بحجمه من دون زيادة ولا نقصان، وما حدث في جلبوع كبير، وكبير جدًا، وليس بحاجة إلى تضخيم ولا إلى تبخيس من خلال تضخيمه أو الترويج بأن ما جرى مؤآمرة وكأن ليس من حق الفلسطينيين أن يفرحوا ولا بمقدورهم أن ينتصروا .

السيناريو الثاني: اعتقال أو اغتيال المحررين خلال مواجهة معهم

يقوم هذا السيناريو على اعتقال المحررين خلال معركة معهم بعد تنفيذهم لعملية بهدف إيقاع أكبر الخسائر في صفوف الاحتلال، أو بهدف اعتقال إسرائيليين والتفاوض على عملية تبادل أسرى، ومثل هذا السيناريو محتمل، لأن نوع الأحرار وتاريخهم يدل على أنهم قد لا يفكرون فقط بالنجاة بأنفسهم.

وإذا حدث هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى هبات وموجات انتفاضية عارمة، وإلى مواجهة عسكرية بين المقاومة وقوات الاحتلال.

سيكون هناك ردة فعل فلسطينية على اعتقالهم أو استشهادهم، ويجب توقع ذلك والاستعداد له، ولكن ومن المستبعد أن يؤدي ذلك إلى انتفاضة شاملة لأن العامل الذاتي غير ناضج رغم نضج العامل الموضوعي، كما يظهر من خلال استمرار وتعمق الانقسام والتوهان، ووصول الإستراتيجيات إلى طريق مسدود بغض النظر عن اختلاف الأسباب بين أصحابها من دون تبني إستراتيجية موحدة، فالانتفاضة الشاملة بحاجة إلى رؤية، وأمل يوفره طرح برنامج قابل للتحقيق، وإلى قيادة (فالقيادة المتنفذة ضد اندلاع انتفاضة)، وإمكانيات وظرف مناسب.

يسارع بعض المثقفين والسياسيين والمحللين إلى التوقع عند كل مواجهة أو تطور كبير، فإما يسقطون التمنيات على الواقع، أو بدافع الإثارة والحصول على أكبر عدد من المعجبين، أو نتيجة إيمانهم بالمعجزات والتدخلات الربانية، لدرجة أن بعضهم توقع منذ ثلاثين عامًا - نتيجة حسابات نسبها إلى الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وأحسب أن القرآن بريء منها - بأن إسرائيل ستزول في العام 2022، وكلما اقترب الموعد بات يتحدث أن هذا الاحتمال ليس 100%، وإنما 99% أو 98%، وأحيانًا قال 96%، وأن ما قصده عدم زوال إسرائيل بالضرورة، وإنما عدم علوها "علوًا كبيرًا".

ستزول إسرائيل إذا توفرت أسباب زوالها والنصر عليها، وهذا يمكن جدًا أن يحدث، لأنها جسم غريب استعماري عنصري زرع في المنطقة لاستمرار استعبادها واستغلالها وتجزئتها حتى لا تقوم لها قائمة، ولأنها عامل لعدم الاستقرار والسلام والأمن في المنطقة والعالم، فهذه المنطقة ستنهض عندما تتوفر عوامل وأسباب نهوضها، وتلفظ هذا الجسم، ليس انتصارًا لمواعيد قدرية وتدخلات ربانية، وإنما لحسابات إنسانية.

نعم، كل شيء يحدث بمشيئة الله، ولكن على أساس "اعقل وتوكل"، و"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

كما من المستبعد أن تؤدي أي مواجهة عسكرية قادمة على خلفية اغتيال أو اعتقال أحرار جلبوع إلى حرب طويلة حاسمة، لأن مختلف الأطراف والإقليم والعالم لا تريدها على الأقل حتى الآن، كونها مكلفة وغير مضمونة النتائج، وتداعياتها وخيمة على المنطقة والعالم، إضافة إلى أن استمرار الوضع الراهن لا يشكل خطرًا وجوديًا ويمكن التعايش معه.

السيناريو الثالث: نجاح الأسرى المحررين في الوصول إلى قطاع غزة أو سوريا أو لبنان، وبهذا تكتب قصة نجاح كبيرة مكتملة.

قد تتفرع عن السيناريوهات الثلاثة سيناريوهات فرعية، مثل اعتقال بعض المحررين، وحدوث عمليات كر وفر، والاختباء لفترة طويلة، إضافة إلى وجود سيناريوهات قليلة الاحتمال كثيرة التأثير، سواء الإيجابية أو السلبية "المعجزة أو اللعنة"، ولا بد من الاستعداد لكل السيناريوهات.

هذا اجتهادي في الموضوع، وكل اجتهاد يحتمل الصواب أو الخطأ، أو قدر من الصواب والخطأ.

 

*  مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية_مسارات

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"