نزيف سياسي وجماهيري للسلطة

مشاركة
* أحمد أبو زهري 08:06 م، 12 يوليو 2021

ينظر كبار الساسة في الإدارة الأمريكية والإدارات الأوروبية المختلفة بقلق لما يحدث في الأراضي الفلسطينية، ويشاركهم في ذلك كل من حكومة الاحتلال وبعض الأنظمة العربية؛ نتيجة تراجع دور وفاعلية السلطة الفلسطينية، وتعاظم قوة وحضور حركة حماس في الشارع الفلسطيني، خصوصًا بعد معركة (سيف القدس) الأخيرة التي نجحت فيها الحركة في حشد تأييد شعبي وعربي وإسلامي لصالح هذه المعركة.

الأمر الذي فرض اتخاذ خطوات مختلفة للالتفاف على نتائج هذه المعركة لمنع حماس من تحقيق أي "نصر سياسي"، ومن ثم وجدنا اشتراطات إسرائيلية، ومماطلة عربية، وتنكر فلسطيني، ومحاولات التفاف على النتائج، لأن المعلم الأول والموجه العالمي (الإدارة الأمريكية) ما زالت تؤمن بأن بقاء السلطة وتعزيز دورها مصلحة أمريكية-إسرائيلية؛ لارتباطها "العضوي والوظيفي" بالمشروع الأمريكي، فهي امتداد (للمركبات الموجودة) في المنطقة العربية والتي تمثل صمام أمان ضامنًا لعدم حدوث أي نهضة أو يقظة عربية في مواجهة الوصاية والاستعمار.

لكن وعلى الرغم من كل محاولات الإنعاش للسلطة الفلسطينية فإنها تتراجع يومًا بعد يوم، لأن هذا "الجسد بدأ يتعفن" من الداخل، ولم تفلح كل المضادات الحيوية الأمريكية والعربية في دفعه للشفاء التام، فالأعراض الجانبية بدأت في الظهور نتيجة اعتماد هذه السلطة على طريقة مختلفة في الحياة كانت تنتهج (سياسة المسكنات) بدلًا من المعالجة الدائمة، ما أدى لانهيارات متتالية، ومفاجئة، في البرامج والمؤسسات، والشخوص، وصولًا لحدوث نزيف حاد في رصيدها الشعبي، حتى أصبحت شاحبة ولا تقوى على فعل حقيقي يرضي الجمهور أو يحقق قدرًا من الإصلاح الوطني.

وقد تعرضت هذه السلطة لما يشبه (جلطة دماغية) حادة بعد تورطها في تصفية المعارض السياسي نزار بنات، الأمر الذي جلب غضبًا وسخطًا عامًّا عليها لم تستطِع تطويقه، أو تحمل تبعاته، وارتداداته التي تخطت حدود الجغرافية الفلسطينية، حتى وصلت لحدود غير مألوفة، وغير متوقعة للسلطة بعد مطالبات ذوي المغدور وجماهير شعبنا ومراكز حقوقية بتدويل القضية، الأمر الذي أثار اهتمام عدد من الجهات الدولية، والتي كان لها مواقف تدين الفعل، وبعضها أرسل مبعوثين إلى الأراضي الفلسطينية للحصول على إيضاحات من قيادة السلطة.

 

وهذا بدوره أثار غضب كل من الإدارة الامريكية والأوروبيين وبعض الأنظمة التي ترى أن السلطة لا تحتمل تبعات مثل هذا الحدث، إذ لم تكن هناك حاجة أو ضرورة لتصفيته في هذا التوقيت الذي تحتضر فيه السلطة، وتمر في أسوأ حالاتها، لذلك تعرضت قيادة السلطة لانتقادات حادة، وتم مطالبتها بالتوقف عن قمع الاحتجاجات على مقتله، لأن ذلك يثير غضب الجماهير ويزيد من حجم السخط العام ضدها، ويهدد وجودها، في ظل فقدانها الاحتضان الشعبي، ووجود خصوم سياسيين في الساحة الفلسطينية لديهم الحضور والقوة ويمكنهم التأثير على الجماهير.

لذلك تمت مطالبة السلطة باتخاذ خطوات عاجلة لإنهاء هذا الملف على أن يشمل ذلك امتصاص الغضب الجماهيري عبر الإعلان عن تسليم القتلة للجهات المختصة للتحقيق معهم، وإجراء تغيير حقيقي في مؤسسات السلطة والحكومة كي يظهر وكأنه حرص من السلطة على إجراء إصلاحات سياسية جديدة، وفتح قنوات اتصال مجددًا مع كل المكونات الفلسطينية لإحياء مسار المصالحة لكسب مزيد من الوقت والحصول على نوع من الرضا الفلسطيني، إضافة إلى ضرورة ترميم البيت الفتحاوي الداخلي لتعزيز قوة وحضور السلطة وحركة فتح.

لكن الشعب الفلسطيني يدرك تمامًا أن هذه السلطة أصبحت خصمًا له ومهددًا لمصالحه، وكل محاولاتها مكشوفة ولن تغطي عورتها السياسية والوطنية، ومن ثم عليها التجهز "لدفع الثمن" على هذه الجريمة والجرائم الأخرى، فعجلة التاريخ لن تعود للوراء، والواقع يقول إن شعبنا هو من يرسم طريقه، ولن يقبل الوصاية والإملاء من أحد، وسيحدد مساره جيدًا بعيدًا عن فريق التسوية الذي يقامر بالمصالح الوطنية.

 

 إعلامي وكاتب فلسطيني

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"