نزار بنات وهيثم عمرو مثالان على سياسة القتل داخل سجون الأجهزة الأمنية

"نيويورك تايمز" تستعرض بعض مظاهر الحكم الاستبدادي في عهد الرئيس الفلسطيني

مشاركة
صورة من جنازة المعارض الناشط نزار بنات صورة من جنازة المعارض الناشط نزار بنات
واشنطن-دار الحياة 09:43 ص، 08 يوليو 2021

كتب الصحفيان في جريدة النيويورك تايمز الامريكية، ايزابيل كيرشنر، وادم راسغون، مقالة مطولة عن بعض مظاهر ما وصفته بالحكم الاستبدادي في عهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتي كان اخرها مقتل الناشط الحقوقي والسياسي نزار بنات على يد قوات الأمن الفلسطيني في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية الشهر الماضي.

واستعرض الكاتبان في مقالتهما تداعيات مقتل الناشط بنات، وما خلفته العملية من غضب واحتجاجات وسط الشوارع الفلسطينية، وتداعياتها على المستوى الدولي.

واستحضر التقرير العديد من المظاهر والحالات التي كانت شاهدة على تبني أجهزة الامن الفلسطينية لسياسة التعذيب والاعتقال التعسفي وتقييد الحريات في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية داخل الضفة الغربية.

واستعان التقرير بحادثة قتل الممرض في وزارة الصحة الفلسطينية "هيثم عبد الله عمرو" (33) عاماً في سجن جهاز المخابرات العامة الفلسطينية في مدينة الخليل عام 2009، وتبرئة القضاء العسكري الفلسطيني لخمسة متهمين كانت قد ادانتهم محكمة عسكرية فلسطينية، بالرغم من نتيجة تقرير الطب الشرعي التي اشارت الى أن سبب الوفاة كان التعذيب المباشر حتى الموت.

ونشرت الصحيفة التقرير المطول، في نسختها الورقية، وموقعها الالكتروني، على النحو التالي:

"وفاة أحد منتقدي السلطة الفلسطينية يلقي بالضوءعلى الاستبداد الذي تمارسه السلطة"

الاحتجاجات ضد الحكم الاستبدادي المتزايد للرئيس محمود عباس والقيود التي يفرضها على الحرية تُقمع بقوة.

بقلم إيزابيل كيرشنر وآدم راسغون

رام الله، الضفة الغربية - احتشد مئات الفلسطينيين في ساحة دوار المنارة بوسط رام الله في أحد الليالي في أواخر شهر يونيو للاحتجاج على وحشية السلطة الفلسطينية بعد وفاة أحد الناشطين المناهضين لفساد السلطة في أحد مراكز الاحتجاز. تم القاء القبض على الناشط نزار بنات في أحد موجات الاعتقالات، وقالت عائلته إن ضباط الأمن الفلسطينيين ضربوه حتى الموت.

كان الاحتجاج سلميًا حتى لحظة وصول مجموعة من الأشخاص الموالين للحكومة والتابعين لحركة فتح الحاكمة.

مراسلو صحيفة نيويورك تايمز شاهدوا هؤلاء الأشخاص وهم يهاجمون المتظاهرين، بما في ذلك الشابات والشبان، ويرمونهم بالحجارة ويضربونهم بالهراوات وعوارض الأعلام وبقبضاتهم وينتزعون الهواتف المحمولة من الأشخاص المشتبه في توثيقهم للأحداث.

الاضطرابات بشأن السيد بنات، الذي قورن مقتله على يد مسؤولين فلسطينيين بمقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي، أثارت الانتباه لما يصفه النقاد بالحكم الاستبدادي المتزايد لمحمود عباس، الرئيس الثمانيني الذي يترأس السلطة، والقمع الصارخ الذي تمارسه السلطة بحدة أكثر من أي وقت مضى ضد أي مظهر من مظاهر العملية الديمقراطية وحرية التعبير واستقلال القضاء والمنظمات غير الحكومية.

وسام الحسيني، 29 عامًا، وهو مدرس فلسطيني يعلم اليوغا والتأمل، قال إنه تعرض للضرب وتم رشه بغاز الفلفل: "لم يعودوا يخفون الأمر. هذا احتلال ثانٍ في الواقع، وليس حكومة".

السيد الحسيني، مثله مثل كثيرين، مقتنع بأن المهاجمين كانوا من رجال الأمن الذين كانوا يرتدون ثيابًا مدنية، ووصف السلطة الفلسطينية بأنها "جماعة دكتاتورية" فاسدة.

تأتي الاحتجاجات التي امتدت إلى مدن الضفة الغربية بما في ذلك بيت لحم والخليل، في وقت تحفه المخاطر بالنسبة للسيد عباس.

فقد تراجعت شعبيته المتضائلة بالفعل منذ شهر أبريل عندما ألغى ما كان يمكن أن يكون أول انتخابات برلمانية ورئاسية في الأراضي المحتلة منذ أكثر من 15 عامًا.

تلقى عباس ضربة أخرى في مايو عندما أطلقت حركة حماس، المنافس الرئيسي للسلطة الفلسطينية والجماعة الإسلامية المسلحة التي تسيطر على غزة، صواريخ على إسرائيل ونصبت نفسها على أنها المدافع عن القدس وأكدت قيادتها للقضية الفلسطينية.

أعقبت الحرب التي تلت ذلك اعتقال عشرات من منتقدي السلطة في أنحاء الضفة الغربية.

خلال إحدى الاحتجاجات الأخيرة، سار المتظاهرون نحو مقر السيد عباس في رام الله وهم يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو الهتاف الذي ساعد في الإطاحة بديكتاتوريين أثناء احتجاجات الربيع العربي.

وقال خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وهو منظمة استطلاع رأي مقرها رام الله، أن السيد عباس عندما يشعر بالتهديد "يقل تسامحه مع المعارضة".

وقال "لم نصل بعد إلى سوريا حافظ الأسد أو عراق صدام حسين" في إشارة إلى الأنظمة الديكتاتورية سيئة السمعة، "ولكن من فصل السلطات إلى حرية التعبير إلى مجتمع تعددي، كل هذه المبادئ تتعرض للهجوم."

لم يكن من المفترض أن تكون السلطة الفلسطينية، التي تمارس حكمًا ذاتيًا محدودًا في أجزاء من الضفة الغربية، بمثابة حكومة دائمة، فقد تأسست في عام 1994 وكان من المفترض أن تستمر لمدة تصل إلى خمس سنوات، وخلال هذه الفترة كان من المفترض أن يكون الإسرائيليون والفلسطينيون قد توصلوا إلى اتفاقية سلام نهائية.

توقفت محادثات السلام منذ ذلك الحين لكن السلطة استمرت بدعم من أوروبا والولايات المتحدة.

انقسم الفلسطينيون في الماضي بين الاحتجاج على السلطة واسرائيل التي تحتل المنطقة عسكريًا، لكن وفاة السيد بنات والقمع العنيف للاحتجاجات التي أعقبت ذلك عززت إحساسًا متسعًا لدى بعض الفلسطينيين بأن السلطة لم تعد أكثر من مجرد مقاول من الباطن يعمل لصالح الاحتلال.

كان السيد بنات، البالغ من العمر 42 عامًا، يعمل في مجال دهان المنازل واكتسبت الانتقادات التي وجهها للسلطة على الإنترنت عددًا كبيرًا من المتابعين. وقال أفراد من عائلة بنات إن ضباط الأمن الفلسطينيين اقتحموا منزلهم في الخليل حيث كان يقيم السيد بنات في 24 يونيو وضربوه بوحشية وسحلوه بعيدًا.

وقال مسؤول فلسطيني في البداية إن صحة السيد بنات "تدهورت" أثناء اعتقاله وقال وزير العدل محمد الشلالدة الأربعاء الماضي إن وفاة السيد بنات "لم تكن طبيعية".

وقال دبلوماسيون أوروبيون ودبلوماسيون آخرون التقوا مع ماجد فرج، رئيس المخابرات العامة الفلسطينية، يوم الأربعاء الماضي، إنه تم إبلاغهم أن وفاة السيد بنات لم تكن مقصودة.

الضجة حول مقتل بنات رددت بشكل مخيف مقتل خاشقجي عام 2018، وهو كاتب عمود سعودي صريح أثارت انتقاداته للسعودية غضب ولي العهد، وقامت فرقة اغتيال سعودية بقتل السيد خاشقجي وسعت المملكة إلى التستر على عملية القتل دون جدوى.

المتحدث باسم قوات الأمن الفلسطينية اللواء طلال دويكات قال الجمعة إنه تم إحالة 14 شخصًا إلى القضاء العسكري وأن التحقيقات في وفاة السيد بنات جارية.

تناثرت الأنباء عن الاعتقالات التعسفية والتعذيب من قبل السلطات منذ سنوات، ولم يكن السيد بنات أول من قضى ضحيتها.

بعد وفاة هيثم عمرو، أحد المؤيدين لحماس، في مركز احتجاز تابع لجهاز المخابرات العامة في عام 2009، تبين من تشريح الجثة أن الوفاة كانت ناتجة عن التعذيب، ووجهت التهم لخمسة من ضباط المخابرات لكن محكمة عسكرية برأتهم.

كما تم إضعاف المحاكم بشدة من قبل السيد عباس، الذي يحكم بمرسوم، محاطًا بزمرة من مساعديه، منذ عام 2007 بعد أن قام بحل المجلس التشريعي الفلسطيني بعد فوز حماس في الانتخابات العامة وسيطرتها على غزة لاحقًا.

المراسيم التي صدرت خلال العامين الماضيين سمحت لمكتب السيد عباس بممارسة المزيد من النفوذ على المحاكم، وفقًا لمهنيين قانونيين فلسطينيين، وتم فصل العديد من القضاة غير الممتثلين.

أحيل أحمد الأشقر، أستاذ القانون الدستوري والمحامي الذي عمل قاضيًا منذ 2011، إلى التقاعد قسرًا من قبل السيد عباس في يناير، على حد قوله، بعد أن عارض علنًا قيام الرئيس بتشكيل مجلس قضائي انتقالي ليحل محل المجلس السابق، حيث يعتبر المجلس بمثابة هيئة رفيعة المستوى تشرف على القضاء.

وقال "اليوم لا توجد محكمة مستقلة كمؤسسة ويخشى القضاة من أن يحل بهم ما حل بي".

كما قامت السلطة بقمع الجماعات غير الحكومية وطالبتها بتقديم خططها الخاصة بالبحوث والأنشطة وميزانياتها التقديرية.

ويقول مدافعون عن حقوق الإنسان إنه تم استخدام قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في 2018 لتقويض حرية الكلام والمعلومات. يسمح هذا القانون للسلطة بحجب المواقع التي يمكن أن "تهدد الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة"، وتم استخدامه لإغلاق مواقع المعارضين السياسيين.

السيد الشقاقي، الباحث في مجال استطلاعات الرأي، قال إن منظمته تجد صعوبة متزايدة في نشر النتائج التي تتوصل إليها في وسائل الإعلام الإخبارية الفلسطينية. وقال إنه عندما رفض الامتثال للوائح الجديدة، تم تجميد الحسابات المصرفية لمنظمته.

وجد استطلاع للرأي أجرته منظمته في يونيو أن 84٪ من الفلسطينيين يعتقدون أن السلطة ملوثة بالفساد، ويشكو الكثيرون من سوء الإدارة والمحسوبية.

على سبيل المثال، تم تعيين معتصم محيسن، نجل مسؤول كبير في حركة فتح التي يتزعمها عباس، في منصب رفيع في وزارة الصحة حتى بعد اتهامه بالاعتداء على مدير أحد المستشفيات في رام الله.

وفي مارس، استولت السلطة على بعض لقاحات كوفيد-١٩ القليلة ووزعتها على الرتب العليا في الحزب الحاكم وحلفاء في وسائل الإعلام وحتى أقارب كبار الشخصيات، وفقًا لمسؤولين فلسطينيين.

بعض الفلسطينيين قالوا إن السلطة، التي تعمل من كتاب قواعد لعب قديم في الشرق الأوسط تم تأطيره حول الأمن، تواجه جيلًا جديدًا ومتعلمًا ومتخصصًا في وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال شعوان جبارين، مدير مؤسسة الحق، وهي منظمة فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان: " اليوم نحن لسنا في الثمانينيات أو التسعينيات، فمع وجود الوسائط الجديدة، لا يمكنك أن تخفي أفعالك."

وقالت الولايات المتحدة التي مولت قوات الأمن الفلسطينية ودربتها وسلحتها على مر السنين، إنها "منزعجة للغاية" من وفاة السيد بنات، مضيفة في بيان: "لدينا مخاوف جدية بشأن القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينية على ممارسة حرية التعبير من قبل الفلسطينيين ومضايقة نشطاء ومنظمات المجتمع المدني ".

تم استئناف المساعدة الأمنية الأمريكية التي قُطعت خلال إدارة ترامب، في أبريل. وقالت متحدثة باسم السفارة الأمريكية إن الهدف من المساعدة هو "المساعدة في تطوير مؤسسات حكم ذات مصداقية" وتعزيز التعاون ​​الإسرائيلي الفلسطيني في المجال الأمني.

الاحتجاجات المناهضة للسلطة التي امتدت حتى هذا الأسبوع ضغطت على السيد عباس للرد على وفاة السيد بنات، لكن قلة من الفلسطينيين يتوقعون أي تغييرات كبيرة وشيكة.

قالت شذى حماد، 32 عامًا، وهي صحفية فلسطينية تعمل في موقع Middle East Eye الإخباري، والتي أصيبت وتمطيم هاتفها المحمول في أحد الاحتجاجات: "ما فعلوه خلال الأيام الماضية أخاف الناس وأرهبهم".

ونفى اللواء دويكات، المتحدث باسم قوات الأمن، أن يكون أي ضباط يرتدون ملابس مدنية قد هاجموا المتظاهرين، وأصر على أن المهاجمين كانوا مجرد متظاهرين مدنيين كانوا يخشون "هجومًا كبيرًا على النظام السياسي". ونفى علمه بمصادرة الهواتف المحمولة أو الاعتقالات بسبب منشورات على فيسبوك.

وقال: "موقفنا هو أننا لا نعتقل أحدًا بسبب ما يقوله".

احتج عامل بناء فلسطيني شاب أمضى 10 أيام مؤخرًا في سجن فلسطيني في أريحا وقال إنه اعتُقل بتهمة إهانة مباشرة للسلطة نشرها على الفيسبوك.

تحدث الشاب شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام، وقال إنه تعرض للعنف والإذلال أثناء الاستجوابات اليومية.

كل ما يريده هذا الشاب هو الانتخابات والقدرة على التحدث بحرية.

وقال إنه عندما كان مراهقًا أمضى 30 شهرًا في السجون الإسرائيلية بسبب إلقاء الحجارة على الجنود.

وقال عن الإسرائيليين: "لديهم قواعد، هناك قانون ونظام، أما السلطة فلا يوجد فيها قانون".

صورة: الممرض هيثم عمرو الذي قتل في سجن المخابرات الفلسطينية 2009