الدولة والمواطن: جدلية "الرعوية والسلطة"

مشاركة
* د. لبيب قمحاوي 08:42 م، 05 يوليو 2021

ترتبط المواطنة بالدولة المدنية الفاعلة في حين ترتبط "الرعوية" بالسلطة المستبدة القائمة. والعلاقة السائدة بين المواطنين والدولة هي علاقة تعكس معادلة الحقوق والواجبات معاً، في حين أن العلاقة "الرعويه" تعكس مكاسباً تأخذها الرعية من السلطة مقابل واجب الولاء لها أي السلطة بغض النظرعن احتياجات الدولة أو ما تريده او ما لا تريده أو ما تسعى وتهدف اليه.

عندما تتواجد الدولة المدنية الدستورية، أي الدولة التي يحكمها دستورها بشكل حقيقي وفعال، فإن إثارة موضوع الرعوية يصبح بلا معنى. فالنهج الرعوي يرافق قي العادة مرحلة الإنتقال من حالة الدولة الصلبة ذات الطبيعة المؤسسية الى حالة الدولة الهلامية ذات الطبيعة المتشرذمة.

من المؤشرات القوية على ضعف الدولة الوطنية هو سيادة الهويات الفرعية على الهوية الوطنية سواء أكانت تلك الهوية الفرعية جهوية أو طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو عرقية، وفي هذه الحالة يصبح من المحتم انسحاب المؤسسية الناظمة للعلاقات بين المواطنين لصالح نمط العلاقات السائدة بين أفراد الهوية الفرعية مما يعني كما قال المفكر الياباني فوكوياما "تراجع الدولة المدنية الى الخلف وضعفها المتزايد الى أن تصل الى نهاياتها المحتومة ".

لا مصلحة استراتيجة لأي شعب بشكل عام، والاردنيون منهم، في دعم النظام الرعوي الذي يسعى الى تفتيت المجتمع وارضاء البعض لبعض الوقت،  ولا يستطيع ولا يقدر على أن يرضي الجميع كل الوقت وبقدر متساوي .

أنظمة الاستبداد العربية السائدة عَمِلَتْ على إضعاف الهوية الوطنية وبالتالي الدولة الوطنية لصالح الهويات الفرعية بهدف تعزيز قوة السلطة الحاكمة وتحويل الدولة الوطنية الى ظل للحاكم. وهكذا أصبح نهج الرعوية أحد أهم الاسلحة في ترسانة السلطة الحاكمة لتعزيز قوتها واختزال الدولة نفسها في شخص الحاكم، والوسيلة الأمثل لذلك كانت من خلال تحويل المواطنين الى رعية ترتبط منافعها بإرادة الحاكم وليس بالنصوص الدستورية. وهكذا يسعى النظام الرعوي الى تحويل المواطنين الى رعايا وإلى اعتبار أي مكاسب يحظى بها اؤلئك الرعايا إنما هي منحة من الحاكم، وليس كما هو الحال مع حقوق المواطنة والتي تأتي تحت غطاء الدستور باعتبارها حقوقاً ملِزمَة للدولة وليس مِنحَة بإرادة ومزاج الحاكم.

في القاموس الديموقراطي تأتي الدولة قبل السلطة، في حين أن ما نشاهده في العالم العربي يشير الى أن السلطة أصبحت تأتي قبل الدولة، كون الدولة الوطنية في المنظومة العربية مثلاً تستمد قوتها من قوة السلطة الحاكمة وارادتِها من إرادة الحاكم وليس العكس. وبالتالي أصبحت الدولة تدريجياً وبشكل متزايد في خدمة السلطة وظلاً لها عوضاً عن أن تكون السلطة في خدمة الدولة وتعبيراً عنها . وهكذا أصبح ما هو جيد للسلطة جيداً للدولة وليس العكس، وانهيار السلطة الحاكمة المفاجئ والكامل أصبح يؤدي بالتالي الى انهيار الدولة، كما حصل مثلاً في ليبيا والعراق واليمن . وهكذا فإن الدولة تصبح فاعلة ومؤسسية فقط عندما تتوقف عن إختزال نَفسِها في شخص واحد متجاوزة بذلك اعتبار نفسِها تجسيداً لإرادة ذلك الشخص منفرداً وبالتالي تتجاوز المحنة المرتبطة ببقاءه أو بزواله.

الدولة المدنية والمواطنة الناجزة كلاهما  يُكْمِل الآخر، وغياب أحَدُهِما يُفقد الآخر معناه . أما الادعاء مثلاً بوجود دولة مدنية في ظل غياب مواطنة ناجزة وشاملة لكل الشعب نتيجة للتمادي في تطبيق نهج الرعوية فهو أمر سيؤدي تدريجياً الى حدوث شرخ أو أكثر في المجتمع لأنه سيفتح الباب على مصراعيه أمام البعض لحماية المكتسبات التي حازوا عليها من خلال ذلك النظام الرعوي علماً أن تلك المكتسبات تبقى اجرائية لا تستند الى أية نصوص دستورية تُضفي عليها الشرعية والديمومة اللازمة .

الهوية الوطنية والعلاقة بين الدولة والمواطن يحب أن لا تكون خاضعة للتفسير أو النقاش كونها من البديهيات في الدولة المدنية ذات المعايير الدستورية الفاعلة. واذا ما طرح هذا الموضوع للنقاش أو التحليل فإنه يعني ببساطة وجود خلل ما سواء أكان هذا الخلل علنياً وواضحاً مثل نظام الفصل العنصري في الكيان الاسرائيلي أو خلال حقبة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، أو كان مخفياً كما هو عليه الحال في العديد من دول العالم الثالث والتي تسعى الى إضعاف مؤسسات الدولة بهدف تعزيز قبضة السلطة واطلاق يدها في ادارة شؤون الدولة، أو في التمييز بين مواطنيها على أسس مختلفة سعياً لِكَسْب الدعم والولاآت، وانطلاقاً من مبدأ َفرِّق تسد.

من أخطر نتائج المغالاة في تطبيق "الرعوية" والعمل على مأسستها بالرغم عن طبيعتها الاقصائية ومنظورها السلبي أنها لا تفتح المجال أمام التنافس الايجابي وهو ظاهرة صحية، انما تفتح الطريق أمام النزاع السِلْبي والخلافات البدائية وكلاهما ظاهرة سلبية. ومحاولة التمسك والاحتفاظ بالنهج الرعوي وبالمكاسب الرعوية سوف يأتي على حساب حقوق الآخرين من جهة والتنمية السياسية والاقتصادية للدولة والمجتمع وتماسكهما من جهة أخرى. فالنهج الرعوي هو العدو اللدود لدولة الانتاج كونه يمتص سيولة وموارد الدولة في اتجاه غير إنتاجي بل لدفع الرواتب والمكرمات، كما أنه يشكل البيئة الطاردة للاستثمار كونه يضعف مؤسسات الدولة المدنية وسيادة القانون كنتيجة حتمية لذلك المسار الرعوي .

يعكس بروز أو ازدهار النظام الرعوي خللاً في بنية الدولة أَسَاسهُ إما عدم الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على تمثيل وحماية السلطة والحكم في البلد المعني، أو رغبة نظام الحكم نفسه في تجاوز تلك المؤسسات واقتناص نمط من الولاء المباشر يتجاوز مؤسسات الدولة وهيكليتها ومراتبيتها.

النظام الرَعَوي يضعف المؤسسية ويتجاوزها في كافة المجالات . ومن الجدير بالملاحظة أن النصوص الدستورية والقانونية، وفعالية مؤسسات الدولة، باستثناء المؤسسات الأمنية، تنسحب عادة بصمت وهدوء أمام تطبيقات النظام الرعوي والتي تتم في العادة على شكل هبات ومكرمات من السلطة الحاكمة أو استثناءات وميزات حكومية تعود في أصولها الى رغبات سلطوية قد يتطلب تنفيَذهَا إجراءاً حكومياً ما كونَهَا تتنافي في الغالب وأحكام دستور الدولة. إذ عندما يصبح  ُضعف الدولة ثمناً ونتيجة لقوة السلطة، تأخذ هذه العلاقة مداها الخطر عندما تصبح تلك العلاقة طردية وبشكل متواصل. وهكذا كلما ازداد ضعف الدولة ازدادت قوة السلطة، وهو ما نشاهده الآن في معظم دول العالم الثالث .

وأخيراً، يرتبط الفساد والقصور والفشل الاداري بشكل عام بازدهار النهج الرعوي في أي دولة، تماما كما يرتبط الاصلاح الاداري ارتباطاً وثيقاً بالابتعاد عن الرعوية والاقتراب بشكل حثيث من الدولة المدنية الفاعلة والمواطنة الناجزة. ومعاناة دول العالم الثالث، بما فيها الأردن، من الفشل في ادارة الدولة بكفاءة ونزاهة يعود بشكل أساسي الى تغول "الرعوية" على حساب الدستورية والمواطنة الناجزة وتكافؤ الفرصة وشفافيتها، وهذا بدوره يجعل من الاصلاح الاداري والتعليمي على كافة المستويات قضية مصيرية لديمومة الدولة وازدهارها .

النظام الرعوي هو بوابة الخروج من مفهوم الدولة المدنية والمواطنة الناجزة والمجتمع المتماسك، وأي محاولة لتبرير النهج الرعوي تبقى محاولة بائسة لأن مثل ذلك النهج يشكل نقطة الانطلاق نحو إضعاف وتدمير الدولة المدنية كونه لا يستطيع أن يكون بديلاً لها، ولا يملك من المقومات ما يمكنه من الاستمرار والديمومة إلا في ظل سلطة طاغيه تختزل الدولة وتسمح ببقاء واستمرار النهج الرعوي على حساب الدولة ومؤسساتها مقابل الخضوع التام لإرادة الحاكم .

 

* مفكر ومحلل سياسي

lkamhawi@cessco.com.jo

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"