كيف خسرت إسرائيل الحرب الثقافية؟

مشاركة
* علياء الإبراهيمي 11:47 م، 15 يونيو 2021

بعد القبول بوقف لإطلاق النار بوساطة مصرية في الأسبوعين الماضيين، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بما وصفه بأنه “إنجاز لم يحققه أي جيش على الإطلاق” في حملة القصف الإسرائيلية على غزة التي استمرت 11 يوما. وفي الوقت نفسه، عبرت حماس، الجماعة الفلسطينية المسلحة التي أطلقت بشكل عشوائي أكثر من 4.300 صاروخ على إسرائيل، بشكل انعكاسي، عن “نشوة النصر”.

ولكن، مهما كانت النتيجة العسكرية، فإنه يبدو من المرجح بشكل متزايد أن يتم تحديد الحساب النهائي لهذه الجولة الأخيرة من الصراع بعيدا عن ساحة المعركة. ربما يكون نتنياهو قد اختار الوقت الخطأ ليشن، بإصرار عنيد، غارات جوية على واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية على وجه الأرض، حيث تقل أعمار 50 في المائة من السكان عن 15 عاما. وبشكل أكثر تحديدا، ربما اختار اللحظة الثقافية الخطأ.

اقرأ ايضا: هل تؤدي استفزازات "الناتو" لروسيا في أوكرانيا إلى الحرب؟

بطبيعة الحال، ثمة استمرارية قاتمة بين الحرب الأخيرة والهجمات السابقة على غزة. وعلى سبيل المثال، كما كان الحال مع عملية “الجرف الصامد” في العام 2014، لم يكن ما يقرب من 1 من كل 4 وفيات في غزة مدنيا فحسب، بل كان طفلا أيضا (66 من إجمالي 248 حالة وفاة). ومع ذلك، حتى مع هجوم هذا الشهر، لم يغير الجيش الإسرائيلي تكتيكاته أو يعيد معايرة استخدامه للقوة، واستمر في استخدام التفوق الجوي لقوة عسكرية عظمى ضد الأبراج الشاهقة التي يقطنها سكان فقراء ومأسورون.

كان الاختلاف المهم هذه المرة هو التعبير العنصري للعنف، والذي وعد، بتقاطعه مع نقاش عالمي أكبر حول العنصرية المنهجية، بإحداث تحول حاسم في تأطير الصراع.

يتمتع أي نقاش حول العرق في إسرائيل وفلسطين بالقدرة على اكتساب قوة جذب بين جيل الشباب الذي يتحدى بلا كلل الأفكار السائدة بشأن القضايا العالمية، من تغير المناخ إلى عدم المساواة الاقتصادية. ويشكل اليهود الأميركيون الشباب قوة حاسمة في هذه الرمال الثقافية المتحركة، حيث يكافحون من أجل التوفيق بين وجهات نظرهم التقدمية إزاء السياسة والعرق، وأفعال إسرائيل، ويتساءلون: “لماذا يجب أن يعني وجود وطن آمن لنا إخضاع شعب آخر”؟

بينما تتخذ الشبكات العالمية مثل “حياة السود تهُم” موقف التضامن مع الفلسطينيين، فإنها تلفت الانتباه إلى النضال الأساسي والقابل للعالمية من أجل التحرر من التمييز العنصري. وقد أعاد هذا الترخيص الجديد باستجواب عناصر الخطاب الإسرائيلي الرسمي فعليا إصلاح المفردات في المناقشات الأميركية حول الصراع بطرق مدهشة وملفتة للنظر.

* * *

لقد أحاطت باندلاع الحرب الأخيرة سلسلة من الأحداث المشحونة عنصريا في القدس وأماكن أخرى: مداهمات الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأقصى في أول وآخر أيام رمضان وليلة القدر المقدسة، مع إطلاق قنابل الصوت والرصاص المطاطي في أحد أقدس المواقع الإسلامية؛ والتهجير القسري الوشيك للعائلات العربية في حي الشيخ جراح بالقدس، التي أصبحت منازلها على بُعد حكم قضائي واحد من استيلاء المستوطنين اليهود عليها؛ والاشتباكات العنيفة بين مواطنين يهود وعرب في عدة مدن إسرائيلية، والتي تثير شبح “عمليات القتل العشوائية خارج نطاق القانون”.

ولتنسيق هجماتهم ضد العرب، أنشأ الإسرائيليون القوميون المتطرفون قنوات على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل أسماء مثل “الموت للعرب”. وذكر أن الاعتداء الوحشي الذي وقع في 12 أيار (مايو) على رجل عربي قام بسحبه من سيارته وضربه حشد من المتطرفين اليهود في إحدى ضواحي تل أبيب، تم تنظيمه عبر تطبيق “تيليغرام”.

سلطت هذه الأحداث الضوء على مصدر ما يسمى بـ”النزاع الإسرائيلي الفلسطيني”: احتلال من الطراز الاستعماري، والذي لطالما سعت الرواية الإسرائيلية الرسمية إلى قمعه وإخفائه عن العيون. وتبقى إسرائيل هي القوة المحتلة للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وغزة -حيث ما تزال تفرض حصارا عسكريا على الرغم من نقل المستوطنين من القطاع في العام 2005.

وفي داخل حدود إسرائيل نفسها، يتم التمييز ضد المواطنين العرب على أسس عرقية بطريقة منهجية أصبحت توصف بشكل متزايد بأنها “فصل عنصري”. ويشكل العدد غير المتناسب للاعتقالات ولوائح الاتهام ضد العرب بعد العنف الأخير بين العرب واليهود أحدث مؤشر على هذا التمييز فحسب. وكما لاحظ الطبيب النفسي والفيلسوف، فرانتز فانون، قبل 60 عاما، فإن ما يميز العالم الاستعماري هو حقيقة الانتماء أو عدمه إلى جنس معين.

كما ساعدت هذه الظروف الاستعمارية أيضا في تفسير الاختلال الهائل في عدد القتلى بين الجانبين (12 وفاة على الجانب الإسرائيلي مقابل 248 وفاة في غزة). ويمكن أن يكون استهداف حماس للمدنيين الإسرائيليين بغيضا مثل القصف العسكري الإسرائيلي العشوائي لغزة، ومع ذلك، ليس من قبيل المصادفة أن تكون إسرائيل محمية بنظام “القبة الحديدية” للدفاع الجوي (الذي أسقط 90 في المائة من الصواريخ القادمة)، وأن يكون لدى مواطنيها اليهود وصول إلى الملاجئ التي تحمي من القصف. وليس هذا التباين صدفة في التاريخ. إنه جزء لا يتجزأ من الأصول الاستعمارية للصراع، وهو يضمن عدم المساواة في المعاناة.

بطريقة حصرية وملموسة، قدمت الولايات المتحدة 1.6 مليار دولار على وجه التحديد لنظام بطاريات “القبة الحديدية”، والصواريخ الاعتراضية، والصيانة، كجزء من حزمة المساعدات الأميركية البالغة 3.8 مليار دولار التي تقدمها سنويا إلى إسرائيل -والتي تذهب بالكامل تقريبا إلى المساعدة العسكرية، وغير المشروطة بامتثال إسرائيل للمعايير الدولية للقانون الإنساني.

* * *

تثير مواجهة واقع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين المزيد من الأسئلة غير المريحة لإسرائيل، وليس أقلها إلقاء نظرة فاحصة أقرب على أعدائها. ربما تحكون مجموعات مثل حماس جهات فاعلة متشددة، وقمعية وليست دولتية وليست لها شرعية دولية، وكثيرا ما تجعل الشعب الفلسطيني ضحية مزدوجة. لكنها قادرة على كسب ولاية ترتكز على وعد بالمقاومة العسكرية للظالم. وفي الوقت نفسه، تجعل الظروف الوحشية التي يصنعها الاحتلال من الصعب على أشكال المقاومة اللاعنفية التنافس مع الحركات المسلحة. وبطريقة ما، تحارب إسرائيل بذلك ظل مشروعها الاستعماري نفسه.

كل هذه أخبار سيئة للحكومة الإسرائيلية التي تواصل حملة استعمارية قديمة في ثقافة عالمية سريعة التغير. وقد تعززت روايتها الرسمية على مدى عقدين من خلال الخطاب الكاسح والخانق للـ”الحرب العالمية على الإرهاب”، حيث صورت إسرائيل نفسها بلا هوادة على أنها ديمقراطية صغيرة ملتزمة، تدافع عن نفسها ضد الغضب الذي لا يمكن تفسيره لحركة إسلامية إرهابية تقودها دوافع معادية للسامية.

في العام 2020، أشارت إحدى الصحف الإسرائيلية البارزة إلى أن العامل المشترك بين حركات مثل “حياة السود تهم” و”# أنا أيضا” النسوية، هو الطريقة التي يتعرض بها السود والنساء للهيمنة على أجسادهم من قبل الآخرين. ويقوض هذا التركيز العالمي المتزايد على طرق تشكيل التجربة الإنسانية من خلال علاقات القوة نص نتنياهو ويلفت الانتباه إلى الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني القائم منذ 54 عاما.

في حين وجدت الرواية الإسرائيلية في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) جمهورا مصغيا، توفرت للفلسطينيين الآن إمكانية الوصول إلى لغة اللحظة، حيث وضع أفراد قوات الأمن الإسرائيلية المفرطة القوة رُكبَهم، حرفيا، على أعناق المتظاهرين السلميين والمحتجين الذين يرفعون لافتات تربط قضيتهم مع نضال قضية عالمية من أجل العدالة العرقية، والتي حفزها مقتل جورج فلويد على يد ضابط شرطة أميركي: “لا نستطيع التنفس منذ 1948”.

في هذا الخطاب العالمي الناشئ، تتمتع حياة الفلسطينيين بنفس أهمية حياة الإسرائيليين. ولن يستطيع أي انتصار عسكري أن يعصم إسرائيل من مواجهة واقعها العنصري.

ـــــــــــــــــــــــ

* مستشارة سياسية ومتخصصة رائدة في شؤون الإرهاب والاتجاهات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شغلت عددا من المناصب الأكاديمية، كان آخرها زميلة زائرة في برنامج جامعة أكسفورد، الشخصية المتغيرة للحرب، في كلية بيمبروك. كانت سابقا زميلة بحث في كلية لندن للاقتصاد (2009-2013) وباحثة مشاركة في جامعة أكسفورد (2007-2009).

* نشر هذا المقال تحت عنوان: How Israel Lost the Culture War

* أخصائية رائدة في  شؤون الإرهاب والاتجاهات السياسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"