كنت هناك.. ولم أكن مهزومًا !

مشاركة
* د. مالك خوري 11:46 م، 08 يونيو 2021

أنا كنت شاهدًا.. كانت “نكسة” وتخطيناها، أما “الهزيمة” فجاءت فيما بعد !

كنا في “لبنان”، لكننا شعرنا بكل شيء؛ وكأنه يحدث عندنا في بيوتنا وشوارعنا !

كل ما يقال عن الوجع والحزن وخيبة الأمل واليأس، هو صحيح.. وما يزال جزءًا من ذاكرة لحظة موجعة لم يمحها الزمن.

لكن الفرح في شوارعنا، عاد خلال أقل من شهر، حين بدأنا نسمع عن بناء الجيش المصري، وأن “ناصر” هو مرة أخرى في الساحة مع جيشه وشعبه

وبدأ حين بدأنا نرقب يوميًا إنجازات إعادة بناء جيش مصر، والانتصارات المذهلة “لحرب الاستنزاف”.

كنت هناك حين كانت الفرحة تغمر أهلي وأقاربي وشعبي، ليس فقط حين كنا نسمع بالانتصارات، ونهضة “أسد مصر” من الكبوة العسكرية، بل أيضًا حين كنا نسمع بالتغييرات الضخمة في بناء “الاتحاد الاشتراكي العربي”، ضرب قوى اليمين الانتهازي والإفساح للقوى اليسارية لتُشارك في إعادة البناء.

حتى اليساريون الذين رفضوا “عبدالناصر” أو انتقدوه، كانوا في حالة شحن للطاقات الفكرية والتنظيمية لبناء البديل الثوري، (وليس البديل الإنهزامي الخاضع للإمبريالية كما يفعل الكثيرون اليوم).

 

كنا في أوج الانتصارات.. كلنا.

كنا في حالة أبعد ما تكون عن الهزيمة، وأبعد ما تكون عن: “النكسة” التي لم يمر عليها سنة.

موت “عبدالناصر”، كان بداية الهزيمة الحقيقية.. لنا جميعًا، من المحيط إلى الخليج.

حتى في انتصار (تشرين أول) أكتوبر، الذي لم يكن ليحصل لولا إعادة بناء الجيش المصري و”حرب الاستنزاف”، شعرنا أنه كان ناقصًا…

وهذا ما أثبته التاريخ…

فالهزيمة الكبرى تراكمت فصولها منذ أوائل السبعينيات وانتهاء حقبة “ناصر”.

وهي فوق كل شيء نمت، ومن ثم ترسخت في التخلي الشامل عن كل ما طمحت إليه الشعوب العربية في حقبة نهضتها، ثم نكستها، ثم انتصارها المفرح في حروب إعادة بناء الجيش والوطن والتيارات اليسارية الأكثر جذرية، والتي لم يتجاوز عمر قيامتها الجديدة، الثلاث سنوات القصيرة جدًا…

جيلنا لم يعرف الهزيمة حتى هزمت الإمبريالية بلادنا؛ وفرضت أجنداتها علينا، فأفقرتنا، وفرقتنا، وجعلت “إسرائيل” والوهابيين ونفطهم يهيمنون علينا ويسلبوننا كراماتنا…

الهزيمة هي ما نعيشه اليوم، والذي نطمح لمقاومته من جديد مثلما فعلت شعوبنا من قبل، وستفعله الأجيال الجديدة بقوة أكثر وأكبر، ومهما كذبوا عليهم وشوهوا تاريخ بلادهم وإنجازاتها!

كنت هناك، وأنا شاهد على أننا لم نكن مهزومين.

كنت هناك، وكنت شاهدًا على أن “النصر” الذي كان مستحيلاً في (حزيران) يونيو 67، كان يتحول إلى واقع مارد نصرٍ شامخ ينهض أمام أعيننا في كل يوم جديد؛ كنا نسمع فيه أخبار مصرنا الحبيبة.

أنا شاهد.. على أن الهزيمة جاءت فيما بعد، وأطاحت بالحلم والحالمين، لكنها لم تبيدهم، ولن تقدر على ذلك في نهاية المطاف التاريخي…

 

* أستاذ ومدير برنامج السينما بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــــاة"