القضية الفلسطينية: متغيرات جديدة قد تخلخل معادلة الصراع

مشاركة
* د. سنية الحسيني 11:46 م، 04 يونيو 2021

تمر القضية الفلسطينية اليوم بأحداث هامة أو متغيرات جديدة قد تؤثر على معطيات معادلة صراع الشعب الفلسطيني مع إسرائيل، وهي متغيرات عكستها التطورات الميدانية الأخيرة في فلسطين. وطالما مالت كفة ميزان تلك المعادلة لصالح دولة الاحتلال، انطلاقاً من قدراتها العسكرية النوعية القادرة على تدمير أي قوة عسكرية يراكمها الفلسطينيون في سبيل حرب تحريرهم، ناهيك عن سيطرتها الأمنية المطلقة على المواطنين الفلسطينيين العزل خصوصاً في الضفة الغربية ومدينة القدس وضواحيها أو في حصارها لقطاع غزة. ويمكن رصد ثلاثة متغيرات مهمة تبدل معطيات معادلة الصراع بين الفلسطينيين ومحتلهم، وقد تنتج اختلال توازنها لصالحهم، إن أحسنوا استثمارها. ويتعلق المتغير الأول بالفلسطينيين أنفسهم بينما الثاني بإسرائيل في حين يرتبط الثالث بالولايات المتحدة.

أثبتت الأحداث الميدانية الأخيرة في فلسطين، والتي جاءت بداية في حي الشيخ جراح وما لحقها من توترات في محيط المسجد الأقصى والتي انتهت بحرب غزة الرابعة، وجود عناصر لا متناهية للقوة يمتلكها الفلسطينيون، أولها القوة المادية التي تدعمّت هذه المرة بانكشاف وحدة الهوية. إن اتحاد الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم في الأحداث الأخير في ملحمة أسطورية، عكس سرا من أسرار قوتهم، وأثبتت فشل الاحتلال في مساعيه لنفيها عبر كل هذه السنوات الماضية من خلال محاولاته لتقطيع أوصالهم، ما بين غزة والضفة، وما بين القدس وأراضي العام ١٩٤٨، وما بين داخل فلسطين وخارجها. وناهيك عن معركة التحدي والصمود والمواجهة التي يخوضها الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية وغزة، شكلت انتفاضة فلسطينيي  ١٩٤٨ الثغرة الأمنية الأخطر على إسرائيل لأنها جاءت من قلبها. كما نجح فلسطينيو الشتات، أن يكونوا سفراء فلسطين في العالم غير المكلفين والأكثر اقناعاً وتأثيراً من أي سفير آخر، رغم أنهم قد يكونون ولدوا خارج بلدهم ولا يجيدون لغته، الا أن ذلك شكل عامل قوة إضافية في المهمة التي تصدوا لها.

اقرأ ايضا: الأسرى… نحو تبني آليات جديدة للمواجهة

ويبدو أن عنصر القوة السياسية والدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية التي بات يمتلكها الفلسطينيون لا تعد أقل مكانة من امتلاكهم للقوة المادية، وهي تلك التي برزت خلال الاحداث الأخيرة. إن النجاح الذي حققه الفلسطينيون في الأحداث الأخيرة على المستوى غير الرسمي في إبراز روايتهم السياسية للعالم خصوصاً الغربي منه، في جميع المحافل والمستويات، عبر كلماتهم المسموعة والمكتوبة والصورة المرئية عكست تميز الشعب الفلسطيني العلمي الذي طالما روج له، والذي انعكس هذه المرة على المستوى الثقافي والوطني. كما أن وجود الفلسطينيين على المستوى السياسي الرسمي يشكل كذلك عنصر قوة في معادلة الصراع مع الاحتلال. انعكس ذلك في قبول فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة عام ٢٠١٢، ما ترتب عليه من قبول لفلسطين كطرف في  العديد من المعاهدات الدولية، على رأسها ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن ذلك التطور منح الفلسطينيين سلاح ردع قانونياً للاحتلال لا يقل أهمية عن التطورات اللاحقة في قبول المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين.

يتعلق المتغير الثاني في معادلة الصراع الفلسطينية الإسرائيلية بإسرائيل، التي اعتمدت مقاربة سياسية للتعامل مع الفلسطينيين تقوم على أساس نفي وانكار حقوقها ومحاولة تغيير الواقع على الأرض بالقوة لتضييع أي فرصة مستقبلية تقوم على أساس حل الدولتين. ورغم نجاح إسرائيل جزئياً في تغيير المعالم على الأرض بفعل القوة الضاربة التي تمتلكها، الا أنها لم تنجح في تحييد العنصر المتعلق بسكان هذه الأرض واشتباكهم معها. ذلك الاشتباك الذي لم يتوقف يوماً، وإن تذبذبت شدته بين الفينة والأخرى، وعكس علاقة احتلال متجبر بشعب أعزل يتصدى لمحتله. إن تلك العلاقة التي حاول الاحتلال تجاهل طبيعتها بنفيه لها ترجمَتْها مواقف دول العالم في المواجهة الأخيرة، والتي وجهت انتقادات صريحة لاسرائيل، تذكرنا بذلك الموقف الدولي منها الذي برز خلال انتفاضة الحجارة عام ١٩٨٨. إن هذه المواجهة التي ذكرت العالم بالوجه القبيح للاحتلال أرغمت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من دول التأكيد على أن مقاربة إسرائيل لنفي الآخر لم تعد تجدي نفعاً، وعاد الحديث مجدداً عن ضرورة تحقيق السلام عبر حل الدولتين.

تأتي هذه التطورات في اطار عدم استقرار سياسي يصيب مؤسسة الحكم في إسرائيل، والتي فشلت في إرساء حكومة مستقرة خلال العامين الماضيين، فخضعت خلالها لأربعة انتخابات برلمانية. ويعكس تآمر أحزاب متباينة الأطياف في إسرائيل لإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو رئيس حزب الليكود وحلفه اليميني المكون من الأحزاب الأرثوذكسية والدينية المتطرفة، تلك الحالة المعقدة بوضوح. ويعد نجاح ذلك الائتلاف بالإطاحة بنتنياهو وتغييبه عن الساحة مكسباً سياسياً للفلسطينيين، الا أن احتفاظ ذلك الائتلاف بالسلطة في إسرائيل لمدة طويلة أمر مشكوك فيه، نظراً لتباينات فكرية جوهرية بين أقطابه، تتراوح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، الأمر الذي يفسر مدى صعوبة الوضع السياسي في إسرائيل. 

تبلور المتغير الثالث في المواقف التي سادت في الولايات المتحدة، سواء على المستوى الرسمي الحكومي والبرلماني أو الإعلامي أو الشعبي خلال الأحداث الأخيرة، والتي شكلت نوعاً من التحول السياسي في الولايات المتحدة باتجاه دعم الفلسطينيين وحقوقهم على الرغم من الالتزام الأميركي الرسمي والدعم المطلق لإسرائيل. جاءت مواقف إدارة الرئيس الجديد جو بايدن لاحتواء الأحداث الأخيرة في فلسطين وتشديدها على ضرورة مساعدة الفلسطينيين بإعادة إعمار غزة، وتأكيدها على حل الدولتين لتحمل انطباعاً إيجابياً لدى الفلسطينيين. على مستوى المؤسسة التشريعية الأميركية، انتقد العديد من النواب والشيوخ الأميركيين سياسات إسرائيل في هذه الحرب، ووقع أكثر من عشرين عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ، بياناً دعوا فيه إلى وقف إطلاق النار. وعكست حدة انتقادات التيار اليساري في الحزب الديمقراطي لإسرائيل ولسياسة الولايات المتحدة في التعامل معها ذلك التحول في السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية بوضوح، وهي توجهات بدأت بالتطور داخل الحزب الديمقراطي في السنوات القليلة الماضية وخصوصاً لمواجهة سياسة دونالد ترامب الرئيس  السابق ضد الفلسطينيين، خصوصاً بعد أن نظمت الأقليات العربية واللاتينية والليبرالية نفسها، كما برز نوع من ذلك التعاطف بين الأجيال الأصغر سناً في صفوف المشرعين الديمقراطيين، وكلها تحولات مؤهلة للتطور لصالح الفلسطينيين في الولايات المتحدة.

وعلى المستوى الإعلامي، شهدت الاحداث الأخيرة في فلسطين تحولاً في كثافة ونوع التغطية الإعلامية الأميركية لصالح الفلسطينيين وقضيتهم، فقد برزت مقالات الرأي المؤيدة لهم في أبرز الصحف الأميركية، كما أفردت  فضائية ال «سي إن إن» من بين فضائيات أميركية أخرى، مساحات غير مسبوقة للتعليق على التجاوزات الإسرائيلية مستخدمة مصطلحات لم يعهدها المشاهد الأميركي من قبل على رأسها الاحتلال. ولا يمكن الادعاء أن التظاهرات التي اجتاحت الولايات المتحدة خلال حرب غزة الأخيرة كانت مجرد تحركات عابرة منظمة من قبل العرب، وعلى أنها لا تعكس التغيير الذي حدث في الشارع الأميركي لصالح التعاطف مع الفلسطينيين، فقد أشار استطلاع جديد للرأي أن ٢٧,٤ في المئة من الأميركيين عموما و ٣٨,٥ في المئة من الديمقراطيين يحمّلون إسرائيل مسؤولية التصعيد الأخير الأخير.

في اطار تلك المتغيرات الثلاثة من المحتمل أن تكون القضية الفلسطينية قد وصلت إلى بداية مرحلة تحول هامة، الا أن ذلك التطور أو التحول يحتاج إلى رؤية ثاقبة تستطيع أن تستثمر تلك التحولات مجتمعة لصالح قلب معادلة الصراع لصالح الفلسطينيين. ولن تكتمل تلك الرؤية الا باستثمار فلسطيني للمتغيرات نحو إنهاء الاحتلال.

 

* أكاديمية وكاتبة فلسطينية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"