صفحةٌ جديدة قد تُطوى في أي لحظة

مشاركة
* رائد عمرو 08:05 م، 02 يونيو 2021

شكلت الأحداث الساخنة والعنيفة التي افتعلتها السلطات الإسرائيلية في مدينة القدس وتحديدا في قضية ترحيل أهالي حي الشيخ جراح وما تبعها من ردة فعل شعبية قوية من فلسطيني الداخل سواء بمسيراتهم في مُدنهم أو بزحفهم نحو المسجد الأقصى الذي اقتحمه متطرفون يمينيون كخطوة استفزازية دون رادع من الشرطة الإسرائيلية، الى جانب ما نتج عنه من احداث دامية في قطاع غزة جراء القصف اليومي العنيف من قبل الجيش الإسرائيلي لمعظم مدن القطاع، شكلت فرصة مناسبة لأبرز المنابر الإعلامية الدولية لعرض المشهد المرير في فلسطين بشكل واقعي وصادق أكثر من أي وقت مضى.

فلم يكن من السهل أصلا على الإعلام الدولي بمعظم عناصره أن يكون ولو محايداً في عرض الاحداث في فلسطين سواء كانت سلمية أو عنيفة، وكان الطابع الغالب فيها إظهار طرفي صراع متساويين في الأدوات وهو الأمر الكارثي الذي راحت شريحة كبيرة من الفلسطينيين والعرب الأخذ به وتبنيه من باب العواطف دون النظر الى التبعات.

وفي قراءة سريعة وموجزة للتغير الكبير ذلك، والاندفاع لدى المراسلين الدوليين لعرض المعاناة اليومية المريرة لمعظم شرائح الشعب الفلسطيني في الداخل والقدس وغزة ومدن الضفة الغربية، فإن الأمر الهام الذي يجب النظر إليه هو حالة الوعي الكبيرة لدى شريحة الشباب الفلسطيني الذي يبدع كل يوم في إتقان التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وفي التميز بكونه مراسلاً ومُحللاً وقادرا على فهم وإفهام من حوله بما يجري عبر مبادرات وتجمعات ومنتديات ومساحات حرة يعرض فيها قضيته بشكلها الواقعي دون دبلوماسية وتجميل ومصالح وحسابات ضيقة كتلك التي يتبناها السواد الأعظم من السياسيين الفلسطينيين منذ سنوات طويلة دون أي تقييم أو مراجعة.

فلم تكن هبة الشباب الفلسطيني ميدانياً والكترونياً هي استجابة لدعوة فصيل معين أو جهة حكومية او أي مؤسسة أخرى كما كان في الانتفاضتين الأولى والثانية وما قبلهما، بل كانت نتاج طبيعي لحالة السخط والغضب والشعور المتزايد بالظلم والقهر من عنصرية الاحتلال البغيض لأرضهم واهانتهم لأحد أقدس بقاع الأرض جهاراً نهاراً أمام مرآى ومسمع العالم دون أي تفاعل من الأخير أو ردة فعل رادعة اساساً.

وكنتاج لاندفاع غير مسبوق عند الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج واستغلاله التكنولوجيا بالشكل الناجع في إحداث ثورة في الرأي العام العالمي جراء ما يحدث في فلسطين بعيداً عن الرواية الرسمية الضعيفة التي لا ترتقي لمستوى الدفاع عن أنبل قضية وطنية عادلة عرفها التاريخ جراء تغيبها وتهميشها لسنوات طويلة دون أي مبرر بالرغم من القدرات والامكانيات التي يمكنها العمل بها بالنظر الى قدرتها في الوصول إلى العالم من بوابة سفارات ومؤسسات منظمة التحرير المنتشرة في معظم دول العالم بالاسم والمقر و المناصب والمسميات الإدارية دون تأثير فاعل على الأرض إلا في فروع محدودة منها، فإن ذلك الاندفاع ولد تعديل في قراءة المراسلين في تلك المؤسسات الإعلامية الدولية وذهابهم الى إعداد قصص وروايات على الأرض مُدعمة بأدلة دامغة تدين سياسات الاحتلال وتظهر جرائمه وتعرض الضحية الفلسطينية بشكل مباشر دون أية تعديلات او اضافات او تحسينات كما في السابق.

ناهيك عن اطلاق الشباب الفلسطيني لمئات الحملات الإلكترونية على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة بكل لغات العالم واقحام المشاهير العرب والمسلمين والأجانب في كافة المجالات لإبداء رأيهم وفضح الاحتلال وهو ما حقق نتائج مهولة جعلت من تلك المواقع عرضة لهجمات وضغط كبير من جماعات الضغط الدولية الموالية لليمين الاسرائيلي، لتقييد ومنع ذلك الاندفاع الهائل في فضح الاحتلال وجرائمه، وهو ما حقق نتائج استثنائية في تحفيز قنوات ومنابر إعلامية أمريكية وأوروبية للانخراط في ذلك الأمر واستضافة شباب ومحللين وشخصيات فلسطينية فاعلة ومؤثرة على غرار استضافتهم الشكلية لمسؤولين رسميين اعتمدوا رواية دبلوماسية واحدة منذ عشرين عاماً ولم يعدلوا عليها اصلاً.

وكعمل متكامل هدفه رسالة واحدة ومؤثرة كان عمل الجاليات الفلسطينية والعربية والمسلمة في أوروبا وامريكا هذه المرة ليس كالسابق ابداً، فقد كثفت تلك الجاليات نشاطاتها وفعالياتها وطعموها بضغط كبير على مراكز صنع القرار من خلال الاستعانة بنواب فاعلين ونشطاء مؤثرين ومشاهير دوليين وهو ما قلب الطاولة في المشهد العام داخل المجتمعين الأوروبي والأمريكي حيث أصبحت الفعاليات المنظمة في المجتمعين مُنظمة أكثر بشكل دوري وفيها حالة استقطاب متصاعد للمؤثرين من كل الفئات في تلك المجتمعات.

والأكثر أهمية من ذلك كله، هي آلية الحفاظ على ذلك التغير الكبير في حالة تعاطي الإعلام الدولي مع احداث فلسطين، فلا شك أن ذلك الإعلام اضطر مُجبراً على التغيير  كاستجابة للحملات الكبيرة والفاعلة والمؤثرة عليه ليتخلى عن نهجه المُنحاز لطرف على حساب الآخر، لكن مَن الضامن أن ذلك التغيير سيبقى على حاله إذا لم يتم البناء عليه من قبل المُنخرطين اليوميين في تلك الاحداث، سواء من مواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة او فلسطيني الداخل والقدس او المؤسسات الاعلامية الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية الى جانب الامتداد الفلسطيني الكبير في الشتات بكل أطيافه، حيث تحضر هنا أهمية الاستعانة بالإعلام العربي بشكل اكبر مع الإشارة إلى قوة التأثير لبعض تلك القنوات العربية كالجزيرة مثلا التي كانت أشبه بالتلفزيون الرسمي الفلسطيني في تلك الأحداث وكانت المصدر الأساسي لمعرفة الأحداث لدى شريحة كبيرة في العالم العربي بحسب نسب المشاهدة والتفاعل المتاح معرفتها للجميع، الى جانب الانفتاح الأكبر على القنوات الدولية الناطقة بالعربية وغيرها وفتح الآفاق أمامها لتقدم تغطيات واسعة وشاملة ليس فقط وقت الحرب إنما في الأيام العادية التي تكون فيها الظروف متاحة لتفنيد وتفصيل مسلسل معاناة يومي للسواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني في كافة مدنه وقراه ومخيماته.

ختاماً.. المسؤولية هنا جماعية لكي لا تُطوى صفحة هامة وتُنسى كأنها لم تكن، ويكون الحصاد لنتائجها رمزيا أكثر منه عملي وفعلي على الأرض، وذلك من خلال التأسيس لفتح صفحات جديدة أكثر فاعلية من بوابة الاعلام الدولي بكل اشكاله وعناصره.

* صحفي

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"