تجديد الخطاب الديني في الصالونات المغلقة فقط

مشاركة
* عادل نعمان 11:42 م، 21 مايو 2021

السيد عبداللطيف المناوي يفتح الباب على صفحات «المصري اليوم» للبحث عن صيغة وسطى للتغلب على الانقسام غير الصحي للخطاب الديني، والوصول إلى مشروع إصلاحي بهدف التجديد. أشكرك يا سيدى على هذه الدعوة، وإن كنت أرى أن المؤسسات الدينية لا تقبل دعاوى تبادل الحوار إلا تحت الضغط والتضييق، فتكرهنا على التوفيق بين كل المتناقضات في الحلال، وإلا لماذا لم تتقدم في السنوات العشر السابقة خطوة واحدة ملموسة في «المطبخ» في أمر التجديد، حين كنا بين الحياة والموت، وكنا نرفع أيدينا بعد كل مذبحة في سيناء والصحراء الغربية وبغداد وصنعاء وسرت ونيس وألمانيا وأفغانستان وباكستان على يد الدواعش وطالبان والسلفية الجهادية، ونستعيذ من الشيطان ولا نعاذ.

ونطالب أهل الحل والعقد بأن يكون الخطاب صارخا واضحا محددا لا يقبل القسمة أو الشك، ولا يجيرنا مجير أو مغيث، وقد كنا نخرج من كل كارثة أكثر حيرة وارتباكا، ونتساءل من يقف في صفوف من؟!.. اليوم وبعد أن دانت «لسيف المعز» يخرج علينا من يقول «وإن جنحوا للسلم»؟!.. أتعلم يا سيدى أن قبول السلم عند هؤلاء لا يجوز إلا وقت شعورهم بالخطر وأزوف الهزيمة والهلاك، بالضبط هذه أحد وجوه «التقية» كتشويه وتقبيح الخصوم، وكل هذا مباح وجائز لكسب المعارك، ومع ذلك دعني معك إلى باب البيت!.

ما قرره فضيلة الإمام الأكبر ووصفه بانتصارهم للمرأة في توليها القضاء والوظائف العليا والإفتاء والسفر دون محرم، كلها يا سيدى مكاسب نالتها بعزيمتها وأصبحت أمرا مقضيا، بالضبط كما يزعم مشايخنا عند كل اكتشاف علمي أن هذا الاكتشاف راسخ ونائم بين سطور كتابنا الكريم، وكم كنت أتمنى أن ينتصروا للمرأة دونها ومن تلقاء أنفسهم، دون إقرار أو اعتراف بحقوقها المكتسبة، ثم الادعاء بالانتصار لها.. كما أشتاق إلى أن يخرجوا علينا باكتشاف علمى منفرد دون وساطة، ودون المصادقة على الاكتشاف والزعم بامتلاكه، وهذا المثال ما أقصده (إثبات الطلاق بعد العدة وإلا لا يقع الطلاق)، كما يحدث في السعودية الآن وكما أقره المذهب الجعفرى ووافق عليه الإمام الألباني والشيخ أبو زهرة والسيوطى والطوسي، والنص القرآنى.. ساعتها فقط نقول إن نوايا هؤلاء جميعا طيبة في تجديد خطاب المرأة، إن صح هذا التعبير، ثم ننقل أقدامنا معا.

أقول لك إن الخطاب المؤسسي في مصر خطابان، واحد «للصالونات» والآخر «للمطبخ»، بالضبط كخطاب فضيلته في البرلمان الألمانى، وخطاب آخر يتولاه مشايخ أزاهرة وعلى المنابر أشد من الحوينى وحسان والشعراوي، وسوف أطرح على سيادتك مجموعة من المسائل على مشايخنا الأفاضل للفصل فيها وضرورة ضبطها قبل التوقيع بالحضور أو الانصراف.

أولًا: عن ضبط المصطلحات والتعريفات «ما تعريف الكافر؟ وما حكمه؟ ما تعريف الشريعة والحدود الفاصلة بين حكم الله وسنة نبيه وإجماع العلماء؟ ما تعريف الفتوى والمسؤول عنها ومدى التزام المسلم بها؟ ما تعريف المعنى الاصطلاحي والتاريخي للفظ الحكم، وهل كانت الخلافة دولة أم قبيلة؟ ما تعريف الجهاد والمجاهد وحدوده وقراره وحقه في استخدام السلاح في وجود الحاكم والدولة والقانون الدولى، وهل مازلنا نقف عند جهاد الدفع، أم تجاوزناه إلى جهاد الدواعش وطالبان «الطلب»؟ ما الحدود في القرآن، وما مدى مسؤولية ولى الأمر في إبطال ووقف العمل بها؟».

ثانيا: ما موقف المؤسسة من تفسير الآيات على سبب النزول وليس على مطلق اللفظ؟ وهل الأحكام زمانية مكانية تنتفى بانتفاء العلة والسبب، أو أبدية راسخة لا تتبدل ولا تتغير مهما كانت حاجة الناس للتغيير؟، وليكن السؤال مباشرا وعلى سبيل المثال (هل يمكن إخضاع المواريث للمصلحة العامة كما حدث في عشرينيات القرن الماضي؟).

ثالثا: ماذا عن خطاب التعامل مع الآخر.. هل سنتنازل عن هذا الخطاب الاستعلائى الاستقوائى على خلق الله، وأن دم المسلم أعلى من دم الكافر، ولا شهادة للكافر على المسلم، ولا يقتل المسلم بكافر، ولا يرث الكافر المسلم، ولا قصاص على المسلم المحصن بالإسلام إذا قتل المرتد أو الزاني المحصن أو الكافر، ودية الأَمة نصف دية الحرة نصف دية الرجل، وقتل من سب النبى وإن تاب وأناب، وقتل المرتد وتارك الصلاة، والجهاد ضد الكافر متى كان المسلم قادرا عليه دون إذن الإمام حتى ولو لم يبدأه بقتال؟ً.. والكثير يا سيدى.. نطالبهم أولا قبل النقاش بتحديد موقفهم من هذا.

رابعًا: موقف المؤسسة الدينية من نسخ السنة للقرآن وأحكامه، والجدل الدائر حول العمل بأحاديث الآحاد، والأشاعرة أحد الفرق الكلامية التي تجيز نسخ السنة للقرآن وأحكامه.

وأعطيك مثالًا واحدًا عن الخطاب الديني في الصالونات الوثيرة عن «ختان الإناث»، يستنكرونه أمام شاشات التليفزيون، ويستنكفونه في لقاءات الصالونات والبرلمانات العالمية، إلا أن الخطاب داخل المطبخ وكراكيبه وأوانى الطبخ تجده ذا رائحة نفاذة وأفظع مما تتصور، وارجع يا سيدى إلى الدراسة في المعاهد الأزهرية تدرس على أنه «مكرمة»، ويجوز محاربة الأمة المجاورة التي تمنعه وتحجبه، ويردون الأمر إلى حديث «اخفضى ولاتنهكي» وهو حديث آحاد أيضا.

وأخيرا، دعنا نقرر أمرا مهما قبل النقاش: دين الله ديننا جميعا، وليس بيننا وبين الله حجاب أو واسطة، ولا سلطة دينية ولا احتكار لدين الله، ولا ملكية لأحدهم للحقيقة المطلقة، نحن أكثر علما وفهما من كل من سبقونا من الأوائل، والتجديد مهمتنا جميعا.. وعلى هذا فليتنافس المتنافسون على مرأى ومسمع من الجميع.

 

* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"