الأقصى ينقذ العيد من حصار الكبار والصغار

مشاركة
* شريـف قـنديـل 04:20 م، 19 مايو 2021

سألت أكثر من فتى في قريتي عن العيد.. قال أحدهم: رأيته يطل على استحياء من داخل الحارات وفي مداخل البيوت!. وقال آخر: كان على ناصية شارعنا يظهر مرة ثم يمضي ويفوت!، وقال ثالث: كان هناك عند المقابر، يمسح الدموع التي كثرت هذه الأيام، وشكَّلت سحابة.. رأيته يحاول عبثاً إزاحة الوجوم والكآبة!

وقالت جارة: رأيته من بعيد! كان يقف عند حقول الذكريات والأحزان، يواسي المارة، يكفكف دموعهم الحارّة وهو يقول: غداً سوف أعود!، وقالت فتاة حزينة تمر: دعوه! كنت أسميه حبيبي.. هكذا كنت أسميه وأناجيه.. لأنه كان أبي، وكان يمثل لي الكون بما فيه ومن فيه.. دعوه، فقد صرت عنده من بقايا ماضيه!.

وقال فتى معاتب: كان يأتي كعاشق، يقطف الزهر من قلب الحدائق.. تراه الآن يأتي كمن جاء فقط لتأدية الواجب!، أيها العيد قل لي وأرجو أن تصدق القول: هل متَّ مع رحيل الأحبة، أم مازالت حياً؟!

والحق أنني أحسست أن العيد المحاصر، هو الذي يعاتب ويجاهر!، كانت البيوت في استقبالي تضاء في المساء، وفي الصباح تكثر الزينات وباقات الورد والزهر.. كانت الحقول كلها تكتسى باللون الأخضر.. وكانت القلوب أنصع وأنضر!

لمحته يعترف! تحاملت على نفسي وجئت رغم الأوجاع! رغم آلام اللوعة في الضلوع.. تحاملتُ وجئتُ مع النجم الوديع، فدعوني إذا كنتم لا ترغبون في الفرح، أرحل داعياً لكم في سماء هذا الكون الوسيع!.

سمعته يهمس: أه يا أهلي ويا خلي الوفي!، آه يا قلبي الحزين.. لو كان الأمر بيدي، لجئتكم ومعي كل الراحلين!. أيتها الدنيا رفقاً! باتت الأحزان مريرات كُثاراً، أيتها الدنيا اسمعيني، وأنا ألقي الكلام الأخير! مازال هناك أسراب طيور، وعبير.. يسطع في إيقاع الزهور.. ومازالت باقات أمل تنثر الفرح على وجه النهار!.

 

ورغم أن ساحة العيد، لم تكن تحتمل المزيد من صور الأموات، فقد راح كل ابن يستدعي صورة أبيه، أو جدِّه الذي مات! وكل ابنة تستدعي صورة أمها أو جدّتها الراحلة!

استغرق الجميع في دوامة البحث ودوار الفقد والتحليق في المطلق، وأمل في عودة لن تتحقق!.

لجأت الى الصور.. هنا صورة لوجه ابنة حزينة تزرع عند قبر أبيها وردة السكينة والوفاء النبيل، وهنا صورة لأم ماتت، وتحتها رسائل أشبه بالعويل.. جسر من الدمع طويل طويل.. وطفل يقول: لمَ تتركينني للمجهول؟!

ها قد بدأت أخبار القدس تترى! وشيئاً فشيئاً، راحت الغالبية تنحي همومها الشخصية! كان الأقصى قد شغل اللب.. ودخل الناس كلهم في نوبة حب!.

تخلت الابنة عن صورة أمها رغم حبها الشديد، وتخلى الابن عن صورة أبيه رغم حبه الأشد! هذا أوان الشد! جزر ومد، ونفوس ملأى بالعزة والمجد! هذا شاب يكتب: ليتني هناك! وهذا يقسم أن باتت المسافة الى القدس قبضة يد!

شيئاً فشيئاً تركوا حديقة الالتياع على الأحباب وتغريدات الفقد، وانصرفوا يتابعون أخبار القدس وغزة دقيقة بدقيقة!. يقف المدافعون عن الأقصى عند بابه الأمامي، ويقف المتابعون المحبون ليرسلوا رسائل الحب من الشباك الخلفي! يشتعل الحنين في قلوب عشاقه الذين تركوا همومهم وهاموا في حبه الذي لم تغيره السنون!

أدركت أن العيد كان يريد أن يقول: لن أحتفي كالعادة! قلبي يبكي وهو يرى حصد الأطفال كل صبح ومساء.. فدعوني أمضي وأعود لكم في العيد القادم نسترجع أسماء الشهداء!

كان يقول: إن انتظار الأمل طويل، وإن شعاع النصر ضئيل، لكني سأعود به.. سأعود به.. فليس في عالمي مستحيل!

 

* كاتب وصحفي مصري

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"