"ليالي الكريستال" الفلسطينية

مشاركة
* مرال قطينة 11:04 ص، 15 مايو 2021

بين التاسع والعاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1938، قامت منظمات نازية ألمانية بتنفيذ عمليات تكسير وحرق لمصالح يهودية في المانيا بعد حملة تحريض قامت بها قوات الشرطة والامن الالمانية في ذلك الوقت، لاستهداف اليهود ومصالحهم الاقتصادية أينما تواجدوا في ألمانيا، فردّ ألمان  بمهاجمة الكنس اليهودية والمرافق الاقتصادية اليهودية من متاجر ومحلات ومنازل ومستشفيات تابعة لليهود وأحرقوها في ما سمي في حينه " ليلة البلور" أو يلة الكريستال" (كريستالنخت) لكثرة الزجاج الذي تكسر فيها.

ما أشبه اليوم بالأمس البعيد. فبعد 83 عاماَ يعيد التاريخ نفسه، لكن هذه المرة في المدن العربية والبلدات العربية، اللدّ ويافا وعكا وحيفا، حيث قامت ليل الاربعاء-الخميس مجموعات متطرفة تابعة لحركات صهيونية متطرفة "منظمة كاخ" و"حركة لهافا" و "تنظيم لافاميليا"، بالاعتداء بطريقة وحشية على مرافق اقتصادية وحيوية تابعة للعرب الفلسطينيين في تلك المدن، واستهدفت مساجد ومنازل ومطاعم ومرافق اقتصادية اخرى، بعد حملة تحريض مضنية تصاعدت خلال الايام الماضية في وسائل الاعلام الاسرائيلية استهدفت الوجود العربي الفلسطيني في الداخل، كما وثقت عدسات الكاميرا التابعة للقنوات الاعلامية الاسرائيلية محاولة إعدام ميداني لشاب عربي في منطقة "بات يام"، إحدى ضواحي تل ابيب حيث قام متطرفون من "تنظيم لافاميليا" تحت أنظار الشرطة الاسرائيلية و حمايتها بخطف الشاب من سيارته والقوا به أرضاً وانهالوا عليه بالضرب المبرح مستخدمين عصياً والآت حادة وركلوه بأرجلهم وتسببوا بإصابته بجروح بالغة الى أن تم انقاذه ونقله إلى المستشفى حيث لا زال يعالج.

لم تتوقف اعتداءات المتطرفين اليهود عند هذا الحد، إذ استغلوا فرض حظر التجول عند الساعة 8:00 مساء  على مدينة اللد، لينفذوا هجوماً مباغتاً استهدف مسجدي النور والمسجد العمري الكبير في المدينة وممتلكات عربية أخرى في المدينة، كما قاموا بالاعتداء على خيمة عزاء الشهيد موسى حسونة. 

واستمرت اعتداءات المتطرفين حتى ساعات الفجـر الأولى مع إطلاق الشرطة المتطرفين للانتقام من المواطنين، ولا يمكن التكهن بما كانت ستتجدد هذه الليلة او خلال الايام المقبلة.

وكانت المواجهات قد اندلعت في أكثر المدن والقرى العربية ليل الاثنين بشكل غير مسبوق بعد تظاهرات شارك فيها الآلاف احتجاجاً على تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية في مدينة القدس والتي استباحت الحرم القدسي الشريف بشكل وحشي وغير مسبوق وحاصرت المصلين فيه. 

 وكما كانت ليلة الكريستال في المانيا النازية نقطة تحول محورية في تلك الحقبة، شكلت التظاهرات والمواجهات مفاجأة للشرطة الاسرائيلية التي بدت غير مستعدة ابدا لمثل هذا السيناريو الجديد، ويبدو أنها ستكون نقطة تحول مفصلية في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي وستغير من قواعد اللعبة وتفرض معادلات جديدة على الارض. فثوران البركان بهذا الشكل صدم الحكومة الاسرائيلية التي لم تتمكن من السيطرة عليه حتى الآن لضعف قراءتها للمشهد بشكل واضح أو دقيق، واكتفت بالإعلان عن "حالة طوارئ خاصة" وارسال وحدات من حرس الحدود لإعادة السلم والنظام في أسرع وقت ممكن. كما أن تصدير الأزمة السياسية في إسرائيل للشارع تسبب بفوضى عارمة وأدى إلى تفجرها على طول الخط من حيفا وحتى النقب. فبعد سنوات من الاحتلال ومقارعة سياساته التمييزية وقوانينه العنصرية، كشف الشارع الملتهب هشاشة مفهوم "التعايش العربي – الاسرائيلي" الذي تغنت به الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة طيلة السنوات الماضية، ولم يحمل التفسير قدرًا اكبر من "أن اسرائيل كانت تضع القوانين العنصرية والتمييزية الفاشية طيلة السنوات الماضية، وكان الفلسطينيون مجبرين على التعايش معها لأنه أما البقاء أو الرحيل".

 اما بخصوص سياسات الاهمال للمدن والبلدات والقرى العربية فهي  مدروسة بشكل ممنهج ومتعمد، وفاقمها حجم الضائقة المعيشية اليومية اقتصادياً واجتماعيا. كما أن العنصرية الاسرائيلية تجاه العرب والفلسطينيين على وجه الخصوص والتي يتربى عليها الاسرائيليون وتكبر معهم  وتغذيها سياسات الحكومة وتصريحات السياسيين فهي واضحة وضوح الشمس لدرجة جعلت بعضهم يعتقد أن "جينات اليهود مختلفة تماماً عن جينات البشر كافة". 

أصبح جلياً  اليوم أكثر من أي وقت، أن فلسطين لم تغب يوماً عن الوجدان، وربما تم تغييبها عمدا خلال السنوات الماضية. فبعد أكثر من 73 عاماً من الاحتلال مازالت ردة الفعل الشعبية للفلسطينيين هي نفسها الدفاع عن الوجود والصراع على البقاء. أينما نظرنا على الخريطة التاريخية لفلسطين شرارة واحدة كانت كافية لتعبر عن حجم الغضب المتراكم، سنوات من الكبت والظلم والحصار والمحاصرة والعزل وسياسات الاستيطان والافقار اللامتناهية والتطهير العرقي والفصل العنصري والتفريغ والقهر اليومي، لكن صرخة واحدة كانت كافية لتعبر عن كم الاحتقان والالم الذي قد يختلف مكانه نتيجة اختلاف التصنيف الاسرائيلي للفلسطينيين حسب مكان اقامتهم وبتمييز الوان بطاقتهم الشخصية على طول الخريطة لكنه بدون ادنى شك واحد، ومهما اختلفت المخططات فان الهوية الفلسطينية ما زالت حاضرة بقوة ولم تسقط أخر الحصون والقلاع بعد.

* صحفية فلسطينية

* المصد: النهار العربي

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"