معركة حي الشيخ جراح قادرة على الانتصار‎

مشاركة
* هاني المصري 11:17 م، 14 مايو 2021

القدس في محور الاهتمام كما كانت دومًا؛ نظرًا لمكانتها الدينية والوطنية والتاريخية، ولكونها بؤرة الصراع بين مشروعين: المشروع الصهيوني الاستعماري الذي أقام إسرائيل بالقوة والدمار والموت، وقام بتشريد الشعب الفلسطيني، ويحاول منذ أكثر من مائة عام تصفية القضية الفلسطينية دون جدوى. ورغم نجاحاته الكبرى لم ينتصر، ولا يزال الشعب الفلسطيني متمسكًا بقضيته ومستعدًا للدفاع عنها، ويتواجد نصفه في وطنه، ومع ذلك لم يغلق المشروع الصهيوني، ويواصل طريقه نحو إقامة دولة "إسرائيل الكبرى" عبر الاستيلاء وتهويد أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وطرد أكبر عدد ممكن من السكان، بشكل سافر ومستفز وعدواني غالبًا، وبشكل ناعم وهادئ أحيانًا.

أما المشروع الآخر فهو المشروع الفلسطيني الذي ضاعت ملامحه حين راهنت قيادته على إمكانية إحراز تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق، اعتمادًا على المفاوضات والتنازلات وإثبات الجدارة بدلًا من الرهان على الذات والمقاومة وعدالة القضية وتفوقها الأخلاقي ودعم العرب والأحرار في العالم كله، خصوصًا منذ توقيع اتفاق أوسلو.

لقد أقدم المفاوض الفلسطيني في هذا الاتفاق على الاعتراف بإسرائيل والتبعية الاقتصادية والتنسيق الأمني والتخلي عن المقاومة والأبعاد العربية والإسلامية والدولية، وتم فيه تأجيل التفاوض حول القدس إلى الوضع النهائي، وإخراجها من الوحدة الإقليمية مع بقية الأرض المحتلة العام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة)، حيث ضمتها إسرائيل لها واعتبرتها عاصمة أبدية موحدة لها، ولم تشملها بالتالي خطط إعادة الانتشار في الضفة، ولم تكن ضمن المناطق المصنفة (أ) الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية للسلطة.

وفي هذا السياق لم تأخذ القدس مكانتها، وتعرضت لمصادرة الأرض وإقامة المستعمرات الاستيطانية داخلها، وتم إغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس، وأبرزها بيت الشرق، وارتكبت السلطة خطأ فادحًا بسحب المؤسسات الأخرى التابعة لها إلى رام الله، ولم تخصص موازنات كافية للقدس في موازنة السلطة منذ تأسيسها حيث بلغت (1.5%)، ولم تأخذ مؤسسات القدس بما فيها المستشفيات مستحقاتها إلا بصعوبة ومتأخرة جدًا، ما يهددها بالإغلاق، فيما أبدى المفاوض الفلسطيني تساهلًا خلال المفاوضات بالموافقة على ضم جزء من القدس الشرقية تطبيقًا لمبدأ "تبادل الأراضي" من خلال ضم الكتل الاستيطانية.

كما خضع المواطن المقدسي لشروط المواطنة الإسرائيلية لجهة إجباره على دفع الرسوم والضرائب، مع ممارسة تمييز عنصري صارخ ضده باعتباره مجرد مقيم في وطنه من دون أن يحصل على المكاسب والحقوق، وتم سحب إقامته وهويته إذا أقام سنوات عدة متواصلة خارج القدس لأسباب تتعلق بالعمل أو الدراسة أو المرض.

وغذّت سلطات الاحتلال في القدس المحتلة كل أنواع الجريمة والرذيلة والعنف الداخلي، وخصوصًا المخدرات، لتفتيت المجتمع، ودفع أصحاب المدينة الأصليين إلى الهجرة داخليًا وخارجيًا.

 

كما تدخلت سلطات الاحتلال في مناهج التعليم، وقسّمت القدس إلى قدس واحد وقدس اثنين وقدس داخل الجدار وخارج الجدار، وقامت بالاعتقالات بشكل منهجي منظم حتى ضد الأطفال، وممارسة القتل بدم بارد في وضح النهار وأمام الكاميرات، وفرض الإقامة الجبرية داخل المنزل، والنفي خارج القدس، وسحب الهوية، وهدم المنازل، وسرقة الأراضي والبيوت بالقوة والجبروت حينًا، و"بشرائها" حينًا آخر عبر وسطاء عملاء بتواطؤ مع أفراد أو جهات فلسطينية.

وواصل الاحتلال الاعتداء على المقدسات، وخصوصًا الأقصى، لتمهيد الطريق لترسيم التقسيم الزماني والمكاني على طريق هدم الأقصى وبناء "هيكل سليمان الثالث" بدلًا منه في الوقت المناسب.

وأخيرًا، قامت إسرائيل بمنع إجراء الانتخابات في القدس، في مخالفة جديدة للالتزامات الإسرائيلية في اتفاق أوسلو الذي أجهزت عليه الحكومات الإسرائيلية منذ اغتيال إسحاق رابين، لدرجة لم يبق منه شيء بعد اجتياح القوات المحتلة الضفة في العام 2002 ومحاصرة واغتيال ياسر عرفات سوى الالتزامات الفلسطينية.

في المقابل، قدّم شعبنا في القدس نموذجًا للصمود والمقاومة أذهلت العالم كله، وأحرزت نجاحات كبيرة في الإصرار على التواجد في المدينة المقدسة درة التاج، وساعدهم على ذلك عدم وجود سلطة مقيدة بقيود غليظة تقيد حركتهم كما يحصل في الضفة المحتلة الواقعة تحت احتلال مباشر.

ورغم كل عوامل الطرد ومخططات التهجير والتمييز العنصري، استطاعت القدس الفلسطينية الحفاظ على وجودها، وتأكيد سيادتها، والانتصار في معارك عدة، فقد فجرت الانتفاضات والهبات والموجات الانتفاضية منذ هبة البراق في العام 1929، ومرورًا بالانتفاضتين الأولى والثانية، وهبة السكاكين في العام 2015، وصولًا إلى معارك البوابات والكاميرات، وباب الرحمة، وباب العامود، وفي طريقها للانتصار – إن شاء الله - إذا تواصلت وتعاظمت المعركة واستكملت متطلبات الانتصار في حي الشيخ جراح ومعركة القدس كلها.

وهذا يتحقق من خلال توفر إجماع سياسي فلسطيني حول خوض المعركة الراهنة، والاستمرار فيها حتى النهاية بانتصار أهالي حي الشيخ جراح وأهل القدس. وهنا لا تكفي الوحدة الميدانية وتكرار أن القدس للجميع وبحاجة إلى الجميع ولا تحتمل التجاذب السياسي، بل لا بد من توفر مستلزمات الاستمرار والانتصار عبر توفير كل ما تحتاجه القدس في مختلف الجوانب، ومن خلال تشكيل مرجعية عليا وطنية واحدة للقدس، وتوفير مقومات الصمود والتواجد والاستثمار، بدلًا من تعدد المرجعيات التي تبعثر الجهود والإمكانات، وتضيع قضية القدس بين المرجعيات المختلفة والمتنافسة عليها وباسمها.

ما زالت القدس، ربما القضية الوحيدة، القادرة على الصمود والمقاومة، وعلى تحريك وجذب الفلسطينيين إلى مواصلة النضال، وحث الأشقاء والأصدقاء في العالم كله على التحرك، لذلك تبدو الحكومة الإسرائيلية مرتبكة، وقامت المحكمة الاسرائيلية بتأجيل الحكم في قضية حي الشيخ جراح التي أصبحت محل اهتمام عالمي إلى نهاية الشهر؛ خشية من أن تثير هبة القدس انتفاضة عارمة، خصوصًا بعد أن دخلت صواريخ غزة والقنابل الحارقة إلى المعركة، مع احتمالات تشير بعد تهديدات محمد الضيف إلى استخدامها بشكل أوسع، ورغم كل الجدل المشروع عن صحة استخدام الصواريخ دفاعًا عن القدس نظرًا لما يمكن أن تؤدي إليه من تحويل المعركة إلى معركة عسكرية تمس الطابع الشعبي وإمكانيات تواصل المقاومة الشعبية، إلا أن صمت الصواريخ التي تستخدم من أجل تخفيف الحصار عن القطاع الحبيب أو ردًا على اغتيال قائد فلسطيني يجعل من المتوقع، وربما المطلوب، استخدامها دفاعًا عن القدس، خصوصًا في ظل أن الوضع الفلسطيني يعاني من الضعف والانقسام وغياب الرؤية الوطنية الجامعة ووحدة الإستراتيجيات.

الآن، يجب عمل كل ما يمكن عمله للانتصار في معركة القدس الحالية، وعدم الاستكانة، فما جرى يوم أمس، الاثنين، من اعتداءات همجية تدل على أن الحكومة الإسرائيلية لا يمكن أن تسلم بسهولة بهزيمتها، والعمل في نفس الوقت من أجل مراجعة التجربة برمتها مراجعة جذرية، وتغيير المسار تغييرًا جوهريًا، وبلورة رؤية شاملة تقود إلى إنهاء الإنقسام ووضع إستراتيجية واحدة.

مطلوب من القيادة والقوى والقوائم والشخصيات الفلسطينية أن تكون بمستوى التحديات التي تفرضها معركة القدس، وهذا لم يحصل حتى الآن رغم كل مشاهد الصمود والمقاومة التي سطّرها شعبنا بدون قيادة، وهو يستدعي أولًا وقبل أي شيء آخر وقف العمل بالاتفاقات، وخصوصًا التنسيق الأمني، ردًا على تنصل الحكومة الإسرائيلية من التزاماتها، وآخرها منع الانتخابات التشريعية، وانتصارًا للقدس، لا سيما أن القيادة الفلسطينية عادت عن قرارها السابق بالتحلل من الاتفاقيات بعد الزعم بأن الحكومة الإسرائيلية جددت التزامها بها من خلال الرسالة التي أرسلها منسق الإدارة المدنية الإسرائيلية ردًا على رسالة وزير الشؤون المدنية الفلسطينية.

إن وقف العمل بالاتفاقات سيوفر أساسًا للاتفاق على برنامج سياسي مشترك وإستراتيجية وقيادة موحدة للمقاومة الشعبية في القدس والأرض المحتلة برمتها.

كما مطلوب أن تحتل القدس المكانة التي تستحقها عبر توفير متطلبات صمودها وانتصارها، وأن تكون لها الأولوية على كل المستويات والأصعدة، بما في ذلك وصول كل من يستطيع الوصول إلى القدس، خصوصًا من حملة (VIP) و(GMC)، وبشكل أخص المسؤولين، ولو من أجل الصلاة وتقديم الدعم المعنوي والتعرف إلى احتياجاتهم وتلبيتها، إن لم نقل للمشاركة مع الصامدين والمرابطين، والعمل على مدّ الهبة المجيدة لكل الأماكن داخل فلسطين وخارجها، ووضع العرب والمسلمين والأحرار في العالم كله والمجتمع الدولي - بعد القيام بواجبنا - أمام مسؤولياتهم، وعدم الاكتفاء بالإدانات اللفظية والاجتماعات الشكلية، بل علينا أولًا اتخاذ خطوات رادعة وعقوبات ضد إسرائيل، ومطالبة الآخرين باتخاذها. فلا معنى لبيانات الشجب والإدانة العربية، خصوصًا من العرب المطبعين القدامى والجدد، المطالبين بسحب سفرائهم من تل أبيب، وطرد السفراء الإسرائيليين من عدد من العواصم العربية.

قلنا ونردد إن ما تحتاجه القدس رؤية واحدة ومرجعية واحدة تستند إلى موقف يتناسب مع شموخ وتحدي أهل القدس، وتبدأ بإعلان وقف العمل بالاتفاقيات والالتزامات، والالتزام بقرارات المجلسين الوطني والمركزي ذات العلاقة بهذا الموضوع .

 

لا معنى لأي موقف رسمي فلسطيني نصرة للقدس إذا استمر العمل بالاتفاقيات وكأن شيئًا لم يكن، وإذا لم يقترن بمواصلة الهبة والوحدة الميدانية على طريق الوحدة السياسية والمؤسسية ومدها إلى كل المناطق، فهذا وحده سيجعل الحكومة الإسرائيلية تعيد النظر في حساباتها، ويفرض عليها أن تختار بين وقف الاتفاقات وهبة مفتوحة على آفاق التحول إلى انتفاضة شاملة، وبين استمرار موقفها الحالي الذي يواصل تهويد القدس وأسرتها وطرد وتهجير سكانها، وتطبيق رؤية ترامب رغم سقوطه، فنتنياهو واليمين هم أصحابها الأصليون.

وفي الختام، نحذر من جعل معركة القدس الحالية فرصة لتصفية الحساب داخليًا، فهذا أقصر طريق للوصول إلى هزيمة شعبنا في القدس، مع أن هناك الكثير الذي يستوجب الحساب، ولكن ليس الآن والمقدسيين في ذروة المعركة.

القدس للجميع وتحتاج إلى الجميع وهي توحدنا، وحذار من الفتن الداخلية ومن رفع الشعارات الكبيرة التي تحمل القدس أكثر ما تحتمل، ومن التخاذل وعدم استنفاد معركة القدس وتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه، خصوصًا في معركة حي الشيخ جراح، ومنع وصولها إلى محطة الانتصار التي يمكنها الوصول إليها.

*  مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية_مسارات

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"