هل الأردنيون بخير ؟؟

مشاركة
الملك عبدالله الثاني الملك عبدالله الثاني
* د. لبيب قمحاوي 04:22 م، 08 ابريل 2021

الأردنيون بخير، ليس لكونهم فعلاً بخير، ولكنهم بخير لكونهم نجحوا فيما فشل فيه غيرهم من أهل الجوار الذين لم يستطيعوا تجنب فخ الوقوع في حروب أهلية تأكل الأخضر واليابس ولا تفيد أحداً لأنها لا تبقي على شيء يستفيد منه أحد .

الأردنيون ليسوا بخير اذا كنا نتكلم عن كفاءة جهاز الدولة ، وصحة المواطنين والوضع الوبائي، وسلامة الوضع الاقتصادي والوضع التعليمي ، وتقهقر وسوء وضع الحريات العامة واستقلالية السلطات الدستورية الثلاث وعدم قدرتها على ممارسة ولاياتها الدستورية بشكل حقيقي وكامل .

الأردنيون إذا ينعمون بالاستقرار ويفتقرون تقريباً لكل شيء آخر. ويبقى السؤال ، إذا كان الانسان لا يعيش بالخبز وحده ، فما بالك إذا طُلِبَ منه أن يعيش بالاستقرار وحده ؟؟

الخيارات الخاطئة تؤدي في العادة الى نتائج خاطئة ، واستمرارها قد يؤدي الى تبعات خطيرة . ووضع الأردنيين أمام خيار الاستقرار مقابل التنازل عن كل شيء آخر هو في حقيقته خيار اللاخيار ودعوة مبطنة الى عدم الاستقرار بالنتيجة .

ما العمل عندما تصبح الشريحة الحاكمة هي الشريحة التي لا شك في ولائها المطلق بغض النظر عن كفاءتها . والخطورة هنا تكمن في أن هذا النوع من المسؤولين يفتقر الى القدرة على القبول أو الرفض أو النقاش على أسس علمية ، أو بناء على المصلحة العامة بغض النظر عن ما يريده الحاكم .

والخطورة الأكبر هي عندما تصبح الدولة العميقة مكونة من مثل أولئك المسؤولين الذين يملكون النفوذ ولكنهم يفتقدون الى الكفاءة والى القدرة على مراعاة المصلحة العامة أولاً وأخيراً ، وممارسة ذلك النفوذ بشكل صحيح وايجابي .

إن تطبيقات أوامر الدفاع لم تساهم حتى الآن في التصدي لوباء الكورونا بقدر ما حاولت التعامل مع بعض ذيوله . كفاءة المسؤولين هي أهم بكثير من أوامر الدفاع وأكثر فعالية في التصدي للمشاكل التي تكتنف البلد والمواطنين .

إن اللجوء الى العقلية العرفية فقط في محاولة التصدي للوباء ولعواقبه الاقتصادية والاجتماعية ولمشاكل الأردن بشكل عام هي انعكاس لواقع الحال السائد منذ عقود والى الرغبة الخفية في الاستمرار في ذلك النهج العرفي في المدى المنظور ، وهي اشاره سلبية الى ما ينتظر الأردنيين في المستقبل المنظور .

إن محاولات السطو المستمر على عقول الأردنيين وإرادتهم من خلال قوانين وإجراءات لا تهدف إلاً الى تكبيل ارادة الأردنيين تحت شعار الأمن والاستقرار هي النهج الذي ينتظر الأردنيين في المدى المنظور ، مما يضيف المزيد من القتامة والبؤس على مستقبل الأردن والأردنيين .

الحاكم يستمد عزَّةُ وعزوته من دعم شعبه له وليس العكس . وإصرار الحكم على الاستمرار في التعامل مع الشعب باعتباره مجموعه من المواطنين القاصرين الذين لا يفهمون مصلحتهم وأن الحاكم هو خشبة النجاة الوحيدة للشعب والبلد من الغرق هو أمر غير صحيح ويبعث على الأسى الشديد .

سقوط الدول لا يأتي فجأة وانما يأتي بعد مسار طويل مؤلم في اتخاذ القرارات الخاطئة والانحياز للمسؤولين الخطأ والأقل كفاءة أو تأهيلاً أو خبرة والى الحد الذي يخلق مزاجاً عاماً من اليأس والقنوط ضمن أوساط المواطنين وعزوفاً واضحاً عن المشاركة في الحياة السياسية على اعتبار أن سطوة الدولة الأمنية لن تسمح للعناصر الكفؤة ذات الاستقلال الفكري بتبوأ أي منصب في الدولة بما في ذلك المناصب المنتخبة مثل عضوية مجلس النواب .

الاصلاح السياسي وتغيير المسار الخاطئ للدولة لا يأتي من خلال التصريحات الصحفية خصوصاً إذا ما اختارت الدولة العميقة والقائمين عليها تجاهل تلك التصريحات حماية لمصالحهم ومكتسباتهم ، أو أن يكون كل ذلك عبارة عن مسرحية بائسة وتوزيع محزن للأدوار بهدف تنفيس الاحتقان الشعبي فقط .

ويبقى السؤال الكبير والهام ، من يدير الأمور في الأردن فعلاً ؟ ومن المسؤول عن واقع الأردن المتردي ؟؟

الأردنيون الآن تحت تأثير دوَّامة الاستسلام الكامل للمسؤولين الأردنيين ورؤساء السلطات الدستورية للحاكم طوعاً ودون أي محاولة لمقاومة التغول على سلطاتهم وولاياتهم الدستورية ، وهذا الاستسلام يعود الى ضعف أولئك المسؤولين بالإضافة الى اعتمادهم الكامل في مسعى تولي تلك المناصب على الحاكم ورضاه الشخصي فقط مع إختفاء أي تأثير فعلي لباقي مؤسسات الدولة باستثناء جهاز المخابرات العامة .

الأردن يحاول أن يركض ويجابه الزمن والتحديات على ساق واحدة دون القدرة على الاستعانة بباقي أعضاء الجسم الأردني .

لا جدوى من تكرار الحديث عن الاصلاح والمطالبة به لأن الحديث في هذا الموضوع لم يؤدي حتى الآن الى أي نتيجة فعلية . فالتنظير هو في نفس مستوى المطالبة اللفظية ، كلاهما لن يفيدا في شئ مالم يقتنع أولي الأمر بأن بقاء النظام ومصلحته واستمراره يتوقف على قدرته على النظر الى المطالب الشعبية بالإصلاح بجدية كافية لإحداث وتفعيل الاصلاح المطلوب . والمعادلة هنا بسيطة ، فالإصلاح إما أن يتم من داخل النظام أو من خارجه ، والأفضل للجميع أن يأتي من داخل النظام . والحديث عن تجاهل الاصلاح أو التعامل معه باستخفاف لن يفيد أحداً بشيء . والافتراض بأن مرور الوقت سوف يؤدي الى ذوبان تلك المطالب واختفائها هو افتراض خاطئ لأن مرور الوقت يعني أن أجيالاً جديدة سوف تطفو الى السطح وهي بطبيعتها أقل استعداداً للإنصياع والقبول بإرادة الحاكم المطلق واكثر استعداداً للدفع بمطالبها نحو الاصلاح .

إن تأجيل المشكلة لا يعني حلها . والافتراض بأن السكوت هو علامة الرضا والقبول هو أيضاً افتراض خاطئ لأن السكوت قد يكون من السمات المرافقة للقهر والاستبداد والظلم وهي مؤشرات على سلبية العلاقة بين الحاكم والمحكوم .

ما يحتاجه الأردن الآن هو عقد اجتماعي جديد وعادل وملزم بين الحاكم والمحكوم بهدف وضع الأمور في نصابها السليم والصحيح متجاوزاً مفهوم الاصلاح الى ضرورة وضع الضمانات اللازمة لمنع الردة عن الإصلاح والصلاح في أي وقت في المستقبل وتحت أي ظرف أو مبررات .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كتب هذا المقال بتاريخ02/03/2021

* مفكر ومحلل سياسي

lkamhawi@cessco.com.jo

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"