رجال الدين والسياسة ومسؤولية النقد والنقض

مشاركة
* عادل نعمان 11:25 م، 02 ابريل 2021

لسنا دعاة خروج على الدين أو على الدولة، ولا مؤيدين لهدم ثوابت هذا أو تكدير سلم هذه، وأن المطالبة بالتحديث والتجديد ليست نقضا لأركان هذا الدين، وليست المعارضة أو تبنى وجهة نظر مختلفة تعنى جحودا أو خروجا على الدولة، كلاهما بناء راسخ شامخ، شجرتان طيبتان أصلهما ثابت، ولن ينال منهما قول أو فعل، باقيان بقاء السماء والأرض، يفنى الجميع ويبقى الدين والوطن، كلنا زائلون رؤساء ومرؤوسون، وزراء وعوام، أتقياء وفساق، مؤيدون ومعارضون، مخلصون ومخادعون، إلا أن كلمة الحق باقية خالدة فوق الجميع، تقال حين تخرس كل الألسنة، وتموت كل الكلمات الخرقاء الجوفاء، لا تخاف الأقرع فى قبور رجال الدين، أو«زلومة» فى سجون رجال السياسة.

هذه مقدمة.. ولا أعرف كيف انحدر بنا الحال هذا الانحدار، وتداعت وتساقطت من بين أيدينا ما كان يوما عزنا وفخرنا، وهوت من عليائها شيم الكرماء والنبلاء، فلم يعد الدين لله بل أصبح للبشر، ولم يعد الوطن للجميع بل لأصحاب الحظوة والنفوذ، وحجبا الاثنان «رجال الدين والسياسة» الحقيقة عن الناس، فأصبح منا من يضن بكلمة الحق، بل ويقف في الصفوف الطوال صلبا يحمى الباطل ويدافع عنه، كذب رجال الدين على النبي وكذب رجالات السياسة على الشعوب، فلا صلح حال من كذب على النبي قديما وحديثا، وما نجا من سب التاريخ ولعنات الشعوب أى حاكم كتم شهادة الحق، وكمم الأفواه هو أو معاونوه أمس واليوم وغدا.

ولا أستبعد أن نكون نحن ضحايا أدوات وكتائب رجال الدين فى التشهير والتجريح، وهو من الناحية الشرعية مباح، أو كتائب رجال السياسة فى الطعن والاتهام والافتراء، وهو أيضا مقبول وإحدى أدواتها ووسائلها، والاثنان بينهما لون وطعم وربما معين واحد، ولك أن تلاحظ هذا فور كتابة مقال أو رأى، فإذا مال الرأي على التراث والخرافات اتهمنا بالكفر والزندقة، وإذا جنح على رجال السلطة اتهمنا بالخيانة وتعطيل مسيرة التنمية والإنجازات العظيمة، وتعكف الكتائب الإلكترونية عند الكوارث ومواطن الفساد إلى ملاحقة من يطالب بمحاسبة المقصرين والمهملين أو استقالة المسؤولين سياسيا عن الكوارث والأحداث، ويلهثون للدفاع فى غرفة، والسب فى غرفة أخرى، وملاحقة أصحاب الرأي، وتوزيع الاتهامات من واحد إلى آخر، وكأنهم قد استعانوا «بالبودي جاردات» لفتح الطريق بالعافية، أو تحويل المسار لمرور الموكب، حتى يتحول الموقف بقدرة هؤلاء من هزيمة إلى انتصار، والتباهي بشياكة وأناقة الجنازات وسرادقات العزاء، وبات الناس سعداء بإدارة الأزمة دون الأزمة ذاتها، وأضحى المتهم بريئا نصفق له، وأوشك من صرخ بمحاسبة المقصرين أن يحاسب ويسأل.

ولأن المجتمع المثالي أو «المدينة الفاضلة» لم تتحقق على مدار التاريخ فى ظل الأنبياء أو الساسة، نصبح جميعنا على الخطأ إلى أن يظهر بعض الضوء، أو على الصواب إلى أن يظهر بعض الظلام، وتصبح المقارنة ليست إلا بين السيئ والأسوأ منه، وبين المقبول والمرفوض، وعندها يصبح الرأي بين بين، كما يحتمل الخطأ يحتمل الصواب، وقد يستوعب البعض منا هذا الأمر، إلا رجال الدين والسياسة، فهم أصحاب منهج واحد، يملكون الحقيقة والصواب والكمال، ويصمون آذانهم عن غيرهم، ولا يسمعون إلا كلمات الثناء والمديح والإشادة والرضا، حتى ازدحمت الطرقات بأبواق النفاق والتدليس والخداع، واستحالت معها المقارنة بين الشيء ونقيضه، فلم يعد للكمال عند هؤلاء من نقيصة، أو للنجاح من فشل، وكأنهم في واحد لا يفترقون، فنحن الأعظم والأفضل والأكبر وأصحاب الجنة والنعيم وأحسن أرض وشعب ودين وأطول إنجاز.

وبعض رجال الدين يزعمون أنهم وجه الإسلام الصحيح، والحافظون لكتاب الله المجيد، والتابعون لسنة النبي العظيم، وهم يستحلون القتل بغير حق، والظلم بلا بينة أو دليل، ويكفرون الناس بالباطل وكذلك يفعلون، وكذلك بعض رجال السياسة والحكم يزعمون أنهم واقفون على أبواب المعرفة والعلم وهم بعيدون عنها، وفى ضمائرهم وقلوبهم مصالح شعوبهم، لا ينامون حتى يناموا، ولا يشبعون حتى يشبعوا، ويدفعون عنهم الأعداء والمضللين والمفارقين، ويطول ظلمهم بعض المعاونين والمؤيدين للضرورة كما يزعمون، فجاروا على البريء والعفيف وكذلك يفعلون، وللخجل.. فقد طالت سيوف رجال الدين من رقاب أصحابه أكثر مما طالت من رقاب أهل الشرك، كما حصدت سيوف السلطة والساسة من رقاب المؤيدين أكثر مما حصدت من رقاب المعارضين والخارجين عليهم، الخطر الأكبر عندهما كل من كان يوما لهم مؤيدا ونصيرا، هكذا تعلمنا الدرس..

اللعبة مستمرة ولن تنتهى يوما من بلادنا، شعوب تتطاحن من أجل رجال الدين ورجال السياسة، يتقاتلون ويقتلون ويحبسون، ورجال الدين والسياسة فى شغل شاغل عنهم، ولن يرضى كل منهما عن الآخر، إلا أنهما قد رضيا بالاستبداد منهجا وحجة على الشعوب، والشعوب خارج الأسوار تهتف لهما بالروح والدم، وكما يدير رجال السياسة والدين ظهورهم للشعوب دوما، يوما ما تتخلى الشعوب عنهما حين تضيق عليهم وتغلق دونهم الأبواب، فهذا الخليفة عثمان لم تشفع له تقواه عند سيوف الثوار، وهذا الخليفة بن أبى طالب الورع لم يشفع له ورعه عند خنجر قاتله على باب المسجد، وكذلك يفعلون برجال السياسة. (الدولة المدنية هي الحل).

 

* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"