وَليُّ الأمْرِ وأمْوَالُ المُمَوِّلِين

مشاركة
واشنطن: شريف عثمان 05:50 م، 26 نوفمبر 2020

بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأعمدة الرئيسية لحملة إعادة انتخابه على عامل الاقتصاد، الذي أولاه عناية خاصة، أملاً في أن يكتب له شهادة نجاح تضمن له أصوات الملايين من الكتلة غير المنتمية لأي من الحزبين. وكاد ترامب ينجح في تحقيق هدفه، قبل أن يظهر كوفيد-19، وتصدر أوامر الإغلاق الكبير، فينكمش الاقتصاد الأميركي بمعدل غير مسبوق، وتتراجع إيرادات أغلب الشركات الأميركية، ويفقد ملايين المواطنين وظائفهم، ويقترب بعضهم من الطرد من منازلهم بعد عجزهم عن دفع قيمة الإيجار أو قسط القرض الذي حصلوا عليه لشراء تلك المنازل.

ورغم الرياح التي أتت بما لم تشته سفن ترامب، لم يفقد رجل الأعمال العنيد الأمل في الاقتصاد وعمل على استعادته لانتعاشه في أسرع وقت ممكن، ولم يمنعه من الوصول إلى هدفه مرة أخرى سوى وقوف الحزب الديمقراطي له بالمرصاد، وإصراره على العديد من أوجه الإنفاق التي لم تكن ضمن خططه. وبعد تمرير حزمة الإنقاذ الأولى بقيمة تقترب من 3 تريليون دولار بسهولة كبيرة، استغرقت مفاوضات الحزمة التالية بين قادة الحزب الديمقراطي وإدارة الرئيس ترامب أكثر من شهرين قبيل الانتخابات، ولم يتم الاتفاق.

لم يختلف قادة الحزبين على أهمية الحزمة، ولم تكن هناك مشكلة في التمويل، وإنما كان الاختلاف الحقيقي على أوجه الإنفاق. أرادها الديمقراطيون للمواطن الأميركي الذي فقد دخله أو معظمه وعجز عن سداد ديونه، وللشركات الصغيرة التي تراجعت إيراداتها فاضطرت لتسريح العاملين والإغلاق في بعض الأحيان، بينما سعى ترامب وإدارته لأن تكون لأصحاب الصوت العالي في واشنطن، وللشركات الكبرى في وول ستريت، أملاً في حصد أصواتهم في الانتخابات، فتعثرت الصفقة، وعجز الرئيس الأكثر عجرفة وصخباً في أنحاء المعمورة عن فرض كلمته وتوجيه أموال دافعي الضرائب على النحو الذي يخدم أغراضه هو ولا يصب في مصلحة المواطن الأميركي.

لم تمر الحزمة الأولى إلا وقد شارك الحزبان في وضع أولويات الإنفاق فيها، على النحو الذي تأكدا أنه يخدم مصالح المواطنين ويساعد الشركات على الحفاظ على العمالة، وتم استجواب وزير المالية ورئيس البنك الفيدرالي أكثر من مرة بخصوص إنفاق هذه المليارات. 

منحت الحكومة الأميركية إعانات لأكثر من 60 مليون أسرة بقيمة إجمالية تتجاوز 200 مليار دولار، وضمت الملايين ممن لم تنطبق عليهم الشروط من قبل إلى مستحقي إعانات البطالة، لتنفق خلال ستة أشهر أكثر من 250 مليار دولار للمتعطلين عن العمل، وقدمت للشركات الصغيرة قروضاً اقتربت قيمتها من 600 مليار دولار، سيتم إعفاء أغلب الحاصلين عليها من سدادها بشروط معينة، ونشرت أسماء تلك الشركات والمبالغ التي حصلت عليها كل شركة. وبقليل من البحث على الانترنت، يمكن معرفة أوجه إنفاق بقية المبالغ التي أقرها الكونجرس.

وفي مصر، ومع نجاح حكومتها في الإتفاق على اقتراض أكثر من 15 مليار دولار من صندوق النقد الدولي ومجموعة من المؤسسات المالية العربية والأجنبية بحجة الوباء، أعلن السيسي تخصيص مبلغ مائة مليار جنيه لمساعدة المواطنين والشركات في تجاوز آثار الجائحة، لم يعلن عن أوجه إنفاق أي جنيه منها وقتها.

وبعد مرور ستة أشهر من إقرار الحزمة الأولى، أعلن وزير المالية المصري أن الحكومة المصرية أنفقت ما يقرب من 65 مليار جنيه من المبلغ الذي خصصه السيسي لمواجهة آثار الجائحة، دون أن يشير إلى أن ذهبت تلك المليارات التي لم يشعر بها أي مواطن، وإن كان سيساوياً. وبقليل من البحث باستخدام محرك جوجل، اتضح أن المبلغ الذي أعلن الوزير عنه هو تقريباً نفس المبلغ الذي تم الإعلان عن إتمام إنفاقه في شهر مايو / آيار الماضي، وهو ما يعني أن الشهور الستة الأخيرة لم ينفق فيها أية مبالغ للتخفيف من آثار الجائحة.

وقالت وزارة المالية أن المبلغ تم إنفاق جزء منه في صورة "مميزات ضريبية" تم منحها للمواطنين، مع أن هذه المميزات كانت مستحقة للمواطنين الذين انخفضت دخولهم مع "جائحة" تعويم الجنيه وفقدانه أكثر من 60% من قيمته قبل ثلاث سنوات. وقالت الوزارة أيضاً إن جزءاً آخر من المخصص تم توجيهه لدعم القطاعات المنتجة في صورة تخفيض سعر الغاز، رغم أن هذا التخفيض أيضاً كان حادثاً لا محالة بعد ما شهدته الأسعار العالمية للغاز من انخفاض خلال الفترة الأخيرة. وقالت الوزارة أن مبلغاً آخر تم توجيه إلى الدعم الإجتماعي، رغم أن ما تم إنفاقه حتى هذه اللحظة لم يفي باستحقاقات تم الإتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي لمساعدة الفقراء على مواجهة آثار ما أطلق عليه برنامج الإصلاح الاقتصادي، وما ترتب عليه من إلغاء الدعم على الوقود والكهرباء والغاز والماء ورغيف العيش، قبل ظهور الفيروس بسنوات.

 ولم تمر سوى أيام قليلة على تصريحات وزير المالية، حتى أعلن السيسي من جديد عن تخصيص مائة مليار جنيه أخرى، لمواجهة آثار الجائحة، ومرة أخرى لم ينطق بكلمة توضح من أين ستأتي تلك المليارات، وعلى حساب أي بند في موازنة تعاني عجزاً مزمناً، ولا أين سيتم إنفاقها، رغم أن وزير ماليته أكد أن هناك 35 مليار جنيه لم يتم إنفاقها من الحزمة الأولى حتى الآن.

في موازنة العام المالي الحالي، تبلغ إيرادات الحكومة المصرية 1288 مليار جنيه، تمثل الضرائب التي يدفعها المصريون 965 مليار منها، بنسبة تقترب من 75% من إجمالي الإيرادات. وتعاني الموازنة عجزاً بقيمة تتجاوز أربعمائة مليار جنيه، سيتم اقتراضها، ويتحمل سدادها المصريون مرة أخرى، إما في صورة انخفاض في قيمة مخصصات الإنفاق على التعليم والصحة، أو في صورة انخفاض القوة الشرائية لعملتهم، ثم تأتي المليارات التي تعلن عنها الحكومة لتزيد عجز الموازنة، دون أن يتم استشارتهم بصورة جدية في أوجه إنفاق ما يتحملونه، أو محاسبة من يقومون على إنفاقه، إن كان بالفعل يذهب للتخفيف من تبعات الجائحة.