التباكى على ماذا فى المشهد الأمريكى؟

مشاركة
* علي محمد فخرو 03:28 ص، 18 نوفمبر 2020

لا يستطيع الإنسان، مهما أوتى من قدرة على التفهُم والتسامح، أن يدرك الأسباب الموضوعية التي قادت بعض كتاب ومثقفي وإعلاميي دول الخليج العربية إلى ذرف الدموع والتباكي على فشل الرئيس الأمريكي السابق في تجديد ولايته، والاستمرار فى ممارسة الحكم بطريقة ملها وتعب من مراهقاتها القاصي والداني سواء في أمريكا أو في العالم كله.

وبعيدا عن الإتهامات والمناكفات التي لا تفيد دعنا ندخل مع ذاك النفر من المتباكين فى مناقشة تحليلية متوازنة لعلها تنير الطريق لنا جميعا.

فأولا: ارتكب هذا الرجل، خلال الأربع سنوات السابقة من حكمه، أبشع الممارسات السياسية بحق الأمة العربية وقضاياها القومية الكبرى. فخلافا لمواقف كل دول العالم وللشرعية الدولية وكل قرارات وتحفظات هيئة الأمم عبر سبعين سنة شرعن الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الاستئصالي لكل فلسطين، سواء عن طريق بناء مزيد من المستعمرات أو ضم مزيد من أراضي الضفة الغربية للكيان الصهيوني. ولكى يركع السلطات الفلسطينية أوقف المساعدات المالية الأمريكية المحدودة للسلطة ثم أتبعها بإيقاف الدعم الأمريكي للأونروا من أجل تدمير خدماتها التربوية والصحية للأطفال الفلسطينيين والإمعان فى إذلالهم وتجويعهم.

وتحديا واحتقارا لمشاعر المسلمين والمسيحيين في كل بلاد العرب والمسلمين أعطى مدينة القدس للكيان الصهيوني كعاصمة أبدية له ونقل سفارة بلاده إليها. ثم تعامل كرئيس مافيا إجرامية وقدم الجولان السورية العربية المحتلة كهدية لذلك الكيان، ضاربا بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين والقرارات الدولية بشأن أية أراض محتلة.

وحتى للذين قدروه وأظهروا كل احترام له في بعض دول الخليج العربية بادلهم بالابتزاز والسخرية والاحتقار عندما طالبهم بحصة في ثرواتهم البترولية بشتى الوجوه والصور الانتهازية، وتجرأ بأن هددهم بأن عروشهم وأنظمة حكمهم ستتساقط خلال أسبوعين إذا أوقف الدعم الأمريكي العسكري والأمني والسياسي عنهم.

دعنا نطرح السؤال التالي على أولئك الكتاب والمثقفين والإعلاميين المتباكين: أليس فى تباكيكم على غياب مثل هكذا شخصية كارهة ومحتقرة ومتآمرة على أمتكم وعلى أوطانكم الصغيرة، أليس فى ذلك تخل منكم عن قيم والتزامات عروبتكم ودينكم وإنسانيتكم، وعن الفضائل الأخلاقية الملازمة عادة لأصحاب الضمائر الحية الرافضة للظلم وللإجرام؟

وثانيا: حتى لو افترضنا أنكم لا يهمكم ما فعله هذا الرجل بحق أمتكم، وما ذكرناه هو فى الواقع جزء محدود من قائمة طويلة لما ارتكبه هذا الرجل من أخطاء وتعديات فى ساحات عربية من مثل سوريا والعراق والسودان ومصر واليمن وليبيا ولبنان، أو ما ارتكبه بحق العرب والمسلمين المواطنين فى أمريكا نفسها، فهل تبكون على غياب شخصية سياسية مجدها الملايين من الأمريكيين وسكان العالم وأظهر عشرات الكتاب وأخصائيو علم النفس والمفكرون الموضوعيون في العالم ما بها من تشوهات نفسية وسلوكية وفكرية بالغة السوء والسلبية، مما يمثل خطرا حقيقيا على الحياة السياسية والأمنية والبيئية العالمية؟

إن مراجعة لبعض ما كتب عن هذه الشخصية خلال الأربع سنوات الماضية تظهر أننا أمام شخصية نرجسية لم يتعاملوا مع مثلها من قبل، والمحللون السياسيون وصفوها بأنها شخصية ديماغوجية عدوانية متطرفة لا تهتم بالأعراف السياسية والبروتوكولية التي مورست عبر القرون.

وعندما تستشعر الخطر من إمكانية الفشل في الانتخابات تلجأ إلى اتهام الغير بالتزوير والسرقة في عد أصوات الناخبين. وهى شخصية تخلط الشخصي بالعام، تماما كما تفعل ديكتاتوريات العالم الثالث، وبالتالي لم تتردد في التفاخر أمام الناخبين بأن صاحبها اشترى السياسيين وتجنب دفع الضرائب وتحايل في مشروعاته الخاصة.

ولذلك يخرج كل من كتبوا كل ذلك، وأكثر منه بكثير، باستنتاج مقلق وهو أنهم أمام أخطر رئاسة أمريكية عرفها التاريخ الأمريكي.

نعود لنسأل المتباكين: هل حقا أن ضمائركم وإنسانيتكم وقيمكم الأخلاقية تقبل وتأمن لأن تحتل هكذا شخصية قيادة أهم وأقوى وأغنى دولة في العالم، والتي لها بالتالي تأثيرها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي على العالم كله بما فيه الوطن العربي؟

دعنا نوضح الصورة حتى لا تلتبس الأمور: إن الذين فرحوا بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة لم يكن فى بالهم الانحياز لهذه الشخصية الأمريكية أو ذاك الحزب الأمريكي. فهذا شأن يخص الشعب الأمريكي، وإنما ضرورة غياب تلك الشخصية القيادية الأمريكية السابقة عن حياة العرب وعن مسرح العالم، بعد أن أظهرت أحداث وتصرفات وتوترات كثيرة أن أمة العرب وكثير من بلدان العالم كانوا يعيشون تحت كابوس مخيف مرعب خطر طيلة الأربع سنوات الماضية، وأن من حقهم أن يتنفسوا الصعداء.

 

مفكر عربى من البحرين

المصدر: الشروق

اقرأ ايضا: الانتخابات الأميركية وأثرها على الشرق الأوسط

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"