الجمهورية الأمريكية الثانية.. الولادة من الخاصرة

مشاركة
* خالد الترعاني 01:40 ص، 16 نوفمبر 2020

قال القيادي المحافظ في الحزب الجمهوري وزعيم الأغلبية السابق في الكونغرس نيوت غينغرتش في لقاء له مع محطة فوكس نيوز "هناك مجموعة من الفاسدين الذين يحتقرون الشعب الأمريكي ويعتقدون أننا ضعفاء وجبناء وأنهم قادرون على سرقة الرئاسة من بين أيدينا. هؤلاء يعتقدون بأننا سنأتي ببعض المحامين ثم نقف عاجزين دون أن نفعل شيئا". وأضاف: "أتأمل أن يقود الرئيس ترامب الملايين من الأمريكيين الذين يدركون مدى الفساد في العملية الانتخابية".

ربما سيسجل التاريخ أن هذا الخطاب التحريضي المحض كان الشرارة الأولى التي أشعلت حرباً أهلية لم تر الولايات المتحدة مثلها منذ قرن ونصف. فأمريكا تمر اليوم بمخاض عسير خطير اتسقت فيه أركان الكارثة المحتملة. ولعل أصدق مؤشر إلى ما آلت إليه الأمور من احتقان أن كل محطات التلفزة الرئيسية التي تعرف بالثلاثة الكبار ("سي بي أس" و"أي بي سي" و"أن بي سي") قطعت خطابا للرئيس ترامب لما تضمنه من كم من التحريض والتضليل والاتهامات بالتزوير التي لا تستند لأدلة.

ثمة أسباب عدة للمآلات الخطرة لهذا المخاض المتعسر، منها أن نتائج الانتخابات لم تكن حاسمة بهامش يكفي لأن يقبل الطرف الخاسر حتمية خسارته. والسبب وراء ذلك هو حالة الانقسام الشديدة التي ميّزت الأربع سنوات الماضية والخطاب الشعبوي المستفز للأقليات من جهة والمُحرّض للأغلبية من مؤيديه من جهة أخرى وهؤلاء بحسب دراسة نشرتها صحيفة الواشنطن بوست في كانون أول (ديسمبر) ٢٠١٥ معظمهم من الرجال البيض الفقراء الغاضبين الذين لا يحملون شهادات جامعية ويحملون السلاح، ويمثلون ما نسبته ثلاثة أضعاف نسبتهم من بين مؤيدي جو بايدن.

حالة الاستقطاب السياسي هذه دفعت أعدادا غير مسبوقة من الناخبين للإدلاء بأصواتهم في هذه الانتخابات، فأعطوا بايدن فوزاً بالرئاسة بفارق تجاوز حتى كتابة هذا المقال الـ٥ ملايين صوت بمجموع تجاوز ٧٥ مليون ناخب وهو فوز بأعلى عدد من الأصوات في التاريخ الأمريكي. ولكن بالرغم من هذا فإن تقدم بايدن في بعض الولايات المتأرجحة لم يتجاوز العدة آلاف، مما يعني أن للطرف الخاسر الحق بطلب إعادة فرز الأصوات ما سيفتح المجال أمام مزيد من الاحتقان والاستقطاب السياسي واحتمالات لجوء أحد الطرفين للعنف "لانتزاع حقه الانتخابي" والذي يعتقد أن الطرف الآخر يحاول سرقته.

ومن اللافت أن ماري ترامب وهي ابنة أخ ترامب وتحمل شهادة الدكتوراه في علم النفس وعملت كأخصائية علاج نفسي على مدى عشرين سنة، ذكرت في كتابها الأخير "الكثير لا يكفي أبداً" بأن عمها يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية المرضي، واستندت في تشخيصها هذا إلى كونها خبيرة في العلاج النفسي بالإضافة إلى اطلاعها الوثيق على تاريخ دونالد ترامب العائلي وعلاقته بوالديه وبأشقائه وتفاصيل نشأته.

وتكمن أهمية هذا التشخيص من جانبين، الأول أن الشخص المريض هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني أنه رغم خسارته الحتمية وتشخيص نرجسيته المرضية، فقد حصل على ثقة أكثر من ٧٠ مليون ناخب أمريكي يرون فيه القائد الملهم وصاحب الرؤية التي تجعله يضغط على كل مكامن الألم والخوف عندهم. ولكن هذه النرجسية المفرطة قد تفعل في أمريكا ما فعلته نرجسية نيرون في روما،  لأن هذا الصنف من الحكام النرجسيين يضع نفسه قبل مصالح الوطن والشعب بل وقبل أهله وأبنائه، وهو مستعد للتضحية بكل ذلك من أجل المحافظة على صورته الذاتية المتضخمة في ذهنه.

لقد مرت الولايات المتحدة بأزمات وكوارث عديدة ابتداء من الحرب الأهلية عام ١٨٦١ والتي هددت كينونة الجمهورية الفيدرالية إلى الكساد العظيم والحريين الكونيتين مرورا بحرب فيتنام وانتهاء بضربة الحادي عشر من سبتمبر. ولكن هذه هي المرة الأولى الذي تقف فيه الولايات المتحدة أمام تحد يكشف هشاشة نظامها السياسي الذي لم يتطور منذ أن أُنشئ قبل أكثر من مائتي عام واعتمد على أن العقلاء يتداولون السلطة بسلمية ومثالية وانضباط وطني وشيء من البراءة، إن صح التعبير، مما نجح بشكل جيد حتى الآن. إلى أن جاء ترامب ورفض التسليم بخسارته في الانتخابات الرئاسية بالرغم من تفوق بايدن بمجموع عدد أصوات تجاوز الـ٥ ملايين صوت وخسارة ترامب على مستوى الكلية الانتخابية بفارق يصعب تجاوزه.

ولا شك أن رفض ترامب قبول النتائج واستخدام كل الأدوات السياسية والقضائية المتاحة، كشف عيوب وثغرات دستورية في النظام الانتخابي وفي نظام الفيدرالية الأمريكية التي تمنح الولايات الحق في تنظيم آليات انتخابية متباينة. هذا إضافة الى آلية الكلية الانتخابية المعقد والذي يسمح لولايات صغيرة أن تلعب دوراً يضاعف من تأثيرها بالنتيجة النهائية في الانتخابات الرئاسية، وانتهاء بتعطيل كامل لعملية انتقال السلطة على يد موظفة في دائرة فدرالية مغمورة هي إدارة الخدمات العامة.

لقد أثبت النظام الانتخابي الأمريكي أنه غير حاسم في تحديد الفائز ويترك مساحات واسعة للحسابات الحزبية في الالتفاف على العملية الديمقراطية. ولعل من أسوأ الأمثلة على ذلك ـ والتي قد لا يعرفها الكثير من الأمريكيين ـ أنه في حال لم تكن نتيجة الانتخابات محسومة في ولاية ما (من وجهة نظر حزب الأغلبية في برلمان تلك الولاية) فمن حق البرلمان أن يعين مندوبي الكلية الانتخابية عن تلك الولاية بشكل أحادي الجانب لصالح مرشح الحزب، بغض النظر عن الفائز بغالبية الأصوات في الولاية.

لقد نجح ترامب في كشف عوار نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية مما حدا بعدد من كبار المفكرين والسياسيين والأكاديميين الأمريكيين إلى الدعوة لإعادة النظر في الآليات والأدوات وأنظمة الضبط الانتخابية لمنع تكرار هذه الازمة غير المسبوقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية.

في نهاية الأمر فإن رحيل ترامب هو الراجح وسيتم تنصيب بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في العشرين من كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١، ولكن القلق هو من رئيس قادم يتحدى النظام الانتخابي كما فعل ترامب، ويستغل ثغراته ولكن بشكل أكثر مهارة من دونالد ترامب وأقل فجاجةً منه، مما قد يقود أمريكا إلى غياهب الدكتاتورية وحكم الفرد.

في حال نجحت أمريكا في طي هذه الصفحة وسد الثغرات في النظام الانتخابي الأمريكي فسيكون هذا إيذانا بولادة جديدة لما يمكن ان يسمى بالجمهورية الأمريكية الثانية، وإن فشلت فهذا يعني أن أمريكا قد بدأت بحجز مكانها في سجل "حضارات سادت ثم بادت".

باحث متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الأمريكية

اقرأ ايضا: الخلاصة الثانية: الإسلام دين وليس دولة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"