ما بعد حديث الانتخابات الفلسطينية

مشاركة
* معين الطاهر 02:45 ص، 25 أكتوبر 2020

منذ لقاء إسطنبول، في 24 سبتمبر/ أيلول، بين حركتَي فتح وحماس، والساحة الفلسطينية تضجّ بحديث الانتخابات والتفاهمات بين هاتين الحركتين اللتين تحوزان ثقة النسبة الكبرى من الجمهور الفلسطيني، القادرة على حسم نتيجة أي انتخابات ستُعقد في ظل توافقهما، وهو التوافق الذي يقول كل منهما إنه سيشمل فصائل وشخصيات وطنية، بحيث يأتي تعبيرًا عن حالةٍ جمعيةٍ مشتركة في مواجهة خطة الضم وصفقة القرن، كما أنه يقلل من أخطار الخلاف والانقسام، في حال حقّق أي منهما فوزًا منفردًا، ويضمن ضبط الإيقاع السياسي الفلسطيني في مواجهة العواصف التي تحيط بالقضية الفلسطينية.

من حيث المبدأ، يقف كاتب هذه المقالة ضد المغالبة في أي انتخابات، سواءً كانت لجمعية أم نقابة أم دائرة انتخابية أم الوطن بأكمله. ولا يعتقد أنه من العدل والإنصاف، أو من الديمقراطية والشورى، أن يستفرد طرفٌ من الأطراف بالقيادة لمجرّد حصوله على نصف عدد الأصوات. وفي ظل تعدّد المنافسين، فإن الفائز، أو الكتلة الفائزة، ستحوز نحو ثلث أصوات الناخبين أو أقل، ولكنها بدعوى الديمقراطية ستنفرد وحدها دون سواها بتمثيلهم، واتخاذ القرارات نيابة عنهم. أظن أن هذا شكل بائس من أشكال الديمقراطية في الدول والمنظمات ذات المسار الديمقراطي المعتاد على تداول السلطة، فكيف هي الحال في المجتمعات التي تعيش مرحلة التحرّر الوطني، حيث يكون بناء الجبهة الوطنية المتحدة أولوية كبرى، وشرطًا لازمًا لتحقيق الانتصار، ويتحتم فيها حشد الجهد كله في مواجهة العدو المشترك.

الاتفاق النهائي لم يتم بعد، ونقاشات داخل كل فصيل بدأت تطفو على السطح، مترافقة مع بعض التصريحات الاتهامية، واجتماع الأمناء العامين المقرّر لم يُعقد، كما لم يتضح مدى الاتفاق على قائمة توافقية مشتركة، أو صيغة أخرى مثل قوائم مستقلة للفصيلين الرئيسين، تتألف من عدد من المقاعد متفق عليها، بحيث لا تتحقق سيطرة كاملة لفريق دون آخر، مع ترك مقاعد شاغرة تحوز عليها قوائم أخرى قد تترشّح للانتخابات، وتتشكّل من فصائل أو شخصيات مستقلة. هذا كله وسط تصريحاتٍ للإعلام، ومقالات، وآراء، يوافق بعضها على الصيغة التوافقية، ويرى أن الانتخابات من دونها استمرار للمشكلة، وليست اتجاهًا نحو الحل، وآراء أخرى ترى ذلك محاصصةً بين حركتي فتح وحماس، غافلةً عن أهمية هذا الاتفاق في توحيد الموقف الفلسطيني. وهنا، على الحركتين، لإنجاح ذلك، ألا تلجآ إلى المغالبة، وأن تفسحا المجال لاستيعاب طاقات الشعب الفلسطيني وقواه كلها، وأن تتم هذه الخطوة في سياق إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة الاعتبار إليها كقيادة سياسية للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.

هل ستتم هذه الانتخابات التي يُفترض بها أن تُبعد شبح الانقسام، وتحقق الوحدة في مواجهة مخططات الضم المستمرة، أم ستتغير مواقف الأطراف منها، في ضوء تطورات الوضع في الأسابيع القليلة المقبلة؟ ولعل هذا سر التلكؤ في المضي قدمًا، استجابةً للرأي القائل إنه يجب الاكتفاء، في هذه المرحلة، بتجميد الضم القانوني، وعدم السير في إجراءاتٍ أخرى تغيّر من الوضع السائد، وتقطع الطريق أمام العودة إلى المفاوضات، وفق دعوة الرئيس محمود عباس إلى العودة إليها ضمن مرجعية دولية، وحديثه أن الاتفاق يتم وفق برنامج السلطة الفلسطينية.

ضمن هذا السياق، تواجه السلطة الفلسطينية احتمالين يتعلقان بالانتخابات الأميركية، في ضوء من سينجح فيها؛ جو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطي، أم دونالد ترامب، صاحب صفقة القرن التي تجمعه وبنيامين نتنياهو في رؤيتهما الصهيونية. وأيام صعبة ستواجه السلطة في حال فوز ترامب. جوهر رؤية ترامب - نتنياهو لن تتغيّر، وعملية الضم ستستمر، ولو على مراحل، كذلك سيتضاعف الضغط الأميركي على الأنظمة العربية للإسراع في عملية التطبيع، ومنح إسرائيل دورًا أكبر في المنطقة. أما السلطة الفلسطينية والرئيس عباس فلن يعودا مقبولين بشكلهما الحالي، وسيجرى العمل من الجانب الإسرائيلي على تغيير وظيفة السلطة، وتنفيذ انقلابٍ عليها، بحيث تصبح كيانًا ملحقًا بها بالكامل، وهو ما لن يوافق عليه عباس. في هذه الحال، سيتعزّز التوافق الفلسطيني الداخلي، ولكن إسرائيل قد تعيق إمكانية إجراء الانتخابات بشكلها المعتاد، وعلى الفلسطينيين مواجهة ذلك بأشكالٍ أخرى، عبر إعادة ترتيب جدول الأولويات، بحيث يكون في مقدمتها إحياء منظمة التحرير. وقد تشهد الأرض المحتلة هبّات جديدة كبرى، وصولًا إلى انتفاضة وعصيان مدني، في ظل وحدة وطنية ميدانية ستنتج قيادات جديدة تنمو من الأسفل إلى الأعلى.

ولكن ماذا إذا فاز بايدن؟ لا شك في أن محمود عباس سيتنفس الصعداء. ولكن ينبغي عدم الإغراق في التفاؤل، إذ لن يحدث تقدّم جوهري يتعلّق بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وغاية ما يمكن إدراكه أن نعود إلى الدائرة السابقة ذاتها، إلى دائرة المفاوضات التي قد تبدأ لكنها لا تنتهي، فلا يوجد من هو قادر على فرض التسوية، وغاية الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، كما في السابق، هو منع الأمور من الانفجار، ولدى الكيان الصهيوني قدرة عجيبة على التملّص من قرارات الشرعية الدولية.

قد يبدو هذا الوضع مريحًا للرئيس عباس، فدوره ما زال مستمرًا، وكذلك حال السلطة التي ستعود إلى ما كانت عليه. ولكن ثمّة شكوكًا قوية في استمرار التوافق الفلسطيني، والنصائح المتتالية للرئيس، والتي ستترافق مع ضغوطٍ بدأت بالفعل، تشير عليه بالبقاء بعيدًا عن هذا الاتفاق، كي يظل طرفًا مقبولًا في المفاوضات، وذا صلة بها. وستكون حركة حماس أيضًا أمام واقع مختلف، فهل هي قادرة على السير في هذا المركب؟ وإلى أي مدى؟ أما الحديث عن الحاجة للانتخابات لتجديد الشرعيات أمام المجتمع الدولي الذي يستخدم مصطلحات الديمقراطية عندما يحتاجها فقط، لكنه مستعدٌّ لدعم الأنظمة الاستبدادية والفاسدة، ما دامت تخدم مصالحه، فهو حديثٌ لا يساوي الحبر الذي يُكتب به.

نخلص من هذا إلى أن الدعوة إلى الانتخابات، على أهميتها، قد لا تجد تطبيقًا عمليًا لها، وأن الغرض منها كسب بعض الوقت، قبل الوصول إلى استحقاقات جديدة. وهو ما يدعونا من جديد إلى قلب الأولويات المتاحة، بحيث يكون تصعيد المقاومة الشعبية القاعدة التي نستند إليها، وهي القادرة على مواجهة جميع المستجدات، وإيجاد قياداتها الميدانية، يترافق ذلك مع إعادة إحياء منظمة التحرير لتعود قائدة لنضال الشعب الفلسطيني.

* كاتب وباحث فلسطيني

اقرأ ايضا: الانتخابات الأميركية وأثرها على الشرق الأوسط

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"