المأزق الفلسطيني الوطني وفصل المقال في مقالة سري نسيبة

مشاركة
* نادية عصام حرحش 01:46 ص، 18 أكتوبر 2020

في مقال للأديب الفلسطيني غسان زقطان حمل عنوان “سري نسيبة.. واليأس كبرنامج وطني للفلسطينيين”، تحامل زقطان فيه على رؤية سري نسيبة الأخيرة للوضع الفلسطيني وطرح “اليأس” كحل. كنت قد تركت مقال سري نسيبة ولم أفكر بقراءته، لأنه كما يقال المكتوب بأين من عنوانه؛ لا جديد – حتى قرأت ما كتبه زقطان - والحقيقة أنه لا جديد بمقال أو بدون مقال.

عنوان الدكتور سري نسيبة لحله الجديد في المقال الأخير كان “أن ننسى الحلول وننسى المفاوضات.. البديل هو الصمود”. قرأت المقال وفكرت أن الصمود الذي دعا إليه الدكتور سري نسيبة ذكرني بصمود رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. كدت أجزم أن أغنية أزرع تفاح أزرع ليمون كمقاومة عنونت حكومة الدكتور رامي الحمدلله ليست إلا مسخاً للصمود الذي عرضه سابقه، وجاء لاحقه ليدليه لنا بالعناقيد.

فلا أحد يملك الجديد، ولا أحد يتجرأ على طرح الجديد. وكل ما يخرج بشكل جديد ليس إلّا جزء من سيناريو مرتقب لفصيل ما. وقد يبدو طرح الدكتور سري نسيبة اليوم غير كل مرة بالنسبة للمتلقين، لما يترتب عليه من تحالفات سياسية وفصائلية، واتفاقية السلام الإماراتية الإسرائيلية. فحتى لو كان بريئاً أو مستقلاً في رأيه، فإنه بات محسوبا على تيار محدد، إذا ما أخرجناه من محليته الفصائلية، لا يمكن إخراجه من ارتباطه بالإمارات.

في مقال سبق مقال الدكتور نسيبة كان هناك مقال للدكتور ناصر القدوة، وسبقه كذلك مقال للدكتور سلام فياض، الذي توقّفت عنده متعمّدة. ربما لأنّه وبالعودة بذكرياتنا التي لم تُمسح بعد، قد يشكّل سلام فياض بعض السّلم. بالمحصلة، لا يمكن أن يكون التسليم بأوسلو كفعل مقاومة هو الحل. وبالنهاية، اجتمع الجميع فرقاء وحلفاء على هذا الحل. فمهما وجهنا من انتقادات وأطلقنا من صرخات، كلنا سلّمنا لأوسلو. فتح وحماس. فصائل محددة وغير محددة، شعب موالي أو معارض. توحّدنا على حلّ أوسلو… وها نحن ندفع الثمن جميعاً.

سلام فياض اقترح ما يبدو بالمقارنة بالاقتراحات اللاحقة لمقاله باختيار لحل الدولة أو الدولتين أو لا حل لأي دولة، إعادة تشكيل منظمة التحرير لتكون هي الكل الجامع للشعب الفلسطيني بفرقائه وحلفائه. وبدا لي وللكثيرين وكأنه لا حل آخر.

ولكنه رغم ذلك اقترح أمراً بغاية الأهمية (على الرغم من أن اقتراح سلام فياض بدا فضفاضا ولا يمتلك الجرأة الكافية)، أمراً يجب أن يحصل، سواء اتّفقنا على أنّ منظمة التحرير هي الجسم الجامع أو قرّرنا تركها وبناء جسم جديد. ما يهم هو توحّد الكلّ الفلسطيني في جسم وأحد لنناقش ما نريده حلّ دولة أو حلّ دولتين أو لا حل. بالمحصلة، لا يمكن لنا أن نستمر بأيّ من الحلول أو اللاحلول بلا وجود قيادة. لأنّ إسرائيل لن يتغيّر دورها معنا وبشأننا، ستبقى دولة احتلال، وحاجتنا لقيادة هو حاجة عضويّة، نحتاج من خلالها إعادة بناء هيكلتنا وتنظيم أنفسنا لننهض ونسعى نحو حل، أي حل سيكون هو الحلّ الصحيح إذا ما أعدنا بناء أنفسنا جيداً ونفضنا عنا غبار الانقسام وخلعنا طحالب الفساد وغسلنا التراب الذي تطيّن منذ تركنا القضية لتصير مركز خلافة لمن يريد أن يكون قائدا.. وما أكثر القادة في حالتنا… يبدو وكأنه لم يبق شعب. الكل قائد بحجم وطن.

قد يكون الدكتور سري نسيبة محقاًّ بتحليله، فالواقع بالفعل مظلم. لا يبدو أنّ هناك مخرجاً من هذا السحق العميق للنفق الذي حُشرنا بداخله. ولكنّه لا يقدّم حلّا للخروج من النفق. كل ما يقوله اصمدوا وقد يأتي الفرج.

الحقيقة انّني لم أر كذلك انتظار لفرج بكلامه، فهو يقترح “أن ننسى الحلول لأنها ليست موجودة سوى بالوهم”. فلم تنفع حتى اللحظة المفاوضات التي “ثبت انّها لإلهائنا فقط”، وأنْ “لا نوهم أنفسنا بمواقف صلبة خطابياً أو واعدة سياسياً تبدّدها الأيام”.

البديل الذي يعرضه سري نسيبه هو على حسب رأيه البديل الواقعي والمتمثل “بتعزيز صمود شعبنا على الأرض وأن يتمسك بأرضه وبما لديه، فليست من مقاومة أشرف وأكفأ من تلك. أن نستملك الزمان والمكان والمعنى! أي ان نجد الحيلة للاستمرار في استنشاق الهواء! لا حاجة للصواريخ أو القيادات العملاقة! حاجة الانسان منا ببساطة هي للتمكن؛ هي للعثور على الثغور في النظام التي من خلالها يستطيع النفاذ للحفاظ على نفسه حاجته لمراكمة النقاط لصالحه في صراع طويل الأمد، أيضا في الوجود على الأرض والمعنى. هي لإزالة الحواجز مهما اختلفت طبيعتها. هي للبقاء. للتأقلم حيثما اضطرتنا الحاجة. هي لتحسين ظروف الحياة والصمود والكفاح في وجه النظام الاستعماري الاستيطاني العنصري أينما وكيفما سنحت الفرصة لذلك. هي لـ انتزاع أو “قضم” الحقوق ما استطعنا الى ذلك سبيلا، أكنّا على أرضنا من حملة جنسية إسرائيلية نناضل في الكنيست او خارجه أو كنا عمالا من غزة أو الضفة يسعون وراء لقمة العيش. أو كنا لاجئين في ارض الله الواسعة، لكن، نتمسك أيضا بوحدة شعبنا وهويته وروايته. نتمسك بمنظمة التحرير، بعد إعادة بنائها وتأهيلها وشروعها في العمل بشكلها الرسمي، على كافة الأصعدة وفي كافة المحافل الإقليمية والدولية للدفاع عن القضية الأساس…قضية شعب اغتصبت أرضه وحُرّم من العودة اليه.”

الحقيقة، أنني توقفت كثيراً أمام هذه الكلمات وتساءلت ما الجديد هنا؟ ما الذي يفعله الشعب الفلسطيني منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وبدء الانتداب تعرّجا ًالى تأصيل الاحتلال؟ ما الذي فعله الشعب غير الصمود من اجل استنشاق الهواء والبقاء على الأرض؟ للحظة فكّرت أنّ من يكتب هذه الكلمات هو أكاديمي يعيش في أمريكا اكتشف للتو أمراً جللاً. ما هي الصواريخ التي يتوقع منّا أن نتركها؟ وما هي المقاومة الأخرى التي تبنّيناها منذ أن وعينا على هذه الأرض، بأجيال متلاحقة من الفلسطينيين وأجيال ستلحق؟

ذكّرتني العبارة باقتراحات ترامب ضمن صفقة القرن، فما المختلف هنا؟ الحقيقة انّ اقتراحات ترامب بها تأكيدات أهم وتدابير تساعد بالفعل على تحسين الحياة. سنشهد إن وافقنا على صفقة القرن ازدهاراً حقيقياًّ مؤقّتاً لا يساعدنا فقط عل استنشاق الهواء بل سيمكّننا كذلك من تخزينه؟

عن أي نظام يتحدث سري نسيبة الذي يريدنا اختراقه كلما اتيحت لنا الفرصة؟ كيف سنبقى بحل اللاحل بينما نتمزّق بشقّ منا تحت الاحتلال وشقّ تحت السلطة هذه وشقّ تحت السلطة تلك. وشقّ منّا تحت الفصيل المتنازع هذا وشقّ تحت الفصيل المتنازع ذاك. ومن لا يملك الحول ولا القوة منّا ينازع من أجل بقائه وسط عربدة وتفشّي السلاح والفساد والظلم والعشائرية القبلية والتّزمّت وانهيار الأخلاق وغياب القانون.

كيف يمكن للمواطن العادي استنشاق الهواء والتمسك بما تبقّى له من أيّ شيء ولم يعد الإنسان منّا يأمن على نفسه من أخيه وأبيه وابنه؟

اللاحل المقترح هو ما نعيشه من انهيار، لا يمكننا التمسّك به كحل، لأنّ به ضعنا وتهنا في متاهات الخندق السحيق الذي حُشرنا به راغبين. خندق أوسلو الذي لا مخرج له.

ما نحتاج اليه هو محاولات لبناء سلّم نرى فيه الضوء فنخرج.

ما نحتاج اليه هو تنظيم أنفسنا في هذا الخندق السحيق وتوزعنا نحو محاولات لبحث عن بعض النور.

ما نحتاج اليه بينما نصمد كما تعودنا وعهدنا عن أنفسنا وعرفنا عنها هو عدم التوقف عن البحث عن الحل الذي يأخذنا نحو التحرر.

التحرر الذي لم يعد الاحتلال هو عنوانه ومحوره فقط.

مهما نظرنا الى حالنا ببؤس وتلعثمنا في مرارة واقعنا، فلا يمكن اعتبار الرضوخ صموداً. ولا الانهزام عزيمة، ولا التسول انتصاراً، ولا الخنوع يمكن أن يكون أبداً الطريق إلى الحياة.

كان هناك أمام سري نسيبة فرصة، كما غيره من أصحاب المكانة والعقول المستنيرة في هذا البلد من النهوض بالشعب نحو تيار جديد. نحو بناء هيكلي يبدأ من خلاله استجماع الطاقات والموارد وأصحاب المبادرات والاستنهاض. ولكنه اكتفى بالحل الذي يطعم الأفواه ويأمنها من جوع مؤقت، فيسكتها، وتشكر من أطعمها على امل وجبة قادمة.

ما نعيشه اليوم من أزمة وطنية ليس بجديد، وهو بالتأكيد الأسوأ، وما من شك أن الأسوأ من هذا كذلك قادم. ولكن الأمل يبقى بالإنسان الفلسطيني الذي يؤمن بالفعل أن الحق لا يضيع ما دام صاحبه مطالب به.

هذا الشعب هو صاحب الحق. صاحب الأرض. إسرائيل لم تستطع الانتصار كليا علينا، وبالتالي لا يمكن لها الانتصار أصلا، لأنها تعي ان القيادات الفلسطينية منذ وجودها لم تكن إلا حفنة من المنتفعين والمتعاونين والمتسلقين الذين اغتنوا وغنموا ورحلوا وارتحلوا… هذه القضية ستبقى حية بأبنائها المؤمنين أن الحق قوة. وأن المقاومة حياة. والمقاومة ليست بدبابة أو مدفع أو صاروخ. المقاومة هي ما كانت عليه قبل مئة عام وتستمر اليوم.

المقاومة هي حق صاحب كل قضية… والشعب الفلسطيني مهما ابتلي بقيادات بالية، يبقى موجودا وتبلى القيادات ويحاكمها التاريخ.

الصمود والمقاومة وجهان لعملة واحدة… فلا صمود بدون مقاومة ولا مقاومة بدون صمود.

ولا مقاومة ولا صمود بل خنوع وهزيمة هي تلك الحلول التي تعطينا الصمود كوصفة سحرية بالكلمات.. تذوب قيمتها وتنتهي وتجعل منا مسوخاً لا شعوباً.

* كاتبة فلسطينية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"