انتفاضة فلسطينية ثالثة وحصول عمليات اغتيال سياسي إمكانيات محتملة في حال فوز ترامب

مشاركة
* أ. د. مكرم خُوري – مَخُّول 02:48 ص، 17 أكتوبر 2020

استضاف “منتدى نادي خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة – الأردن” ومن خلال منصة شبكة التواصل الاجتماعي الاكاديمي الفلسطيني البارز سعادة الأستاذ الدكتور مكرم خوري – مخول مدير المركز الأوروبي لدراسات التطرف في كيمبريدج و المدير المؤسس لمركز كيمبريدج لدراسات فلسطين وذلك لمناقشة تداعيات اتفاقيات ‘المصالحة’ – التطبيع، بين الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة، على القضية الفلسطينية حيث أدار النقاش رئيس نادي خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة – الأردن المهندس محمود ” محمد خير” عبيد.

وتحدث سعادة الدكتور مكرم خوري-مخول خلال اللقاء قائلا: إن مصطلح “مصالحة” بين الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة لا ينطبق عليها هذا التفسير وأن هذه العلاقة هي عبارة عن اتفاقيات اقتصادية نزعت من سياق النكبة الفلسطينية المستمرة إلى يومنا هذا. فلو التزمت الدول التي أبرمت اتفاقيات مع الكيان الصهيوني بالدفاع عن الحق الفلسطيني لما كانت انخرطت هذه الدول باتفاقيات مع الكيان الصهيوني المغتصب للحق الفلسطيني. وقال البروفيسور مكرم إن من مهد لهذه الاتفاقيات كان أيضا رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ورئيس اللجنة الرباعية (2002-2015) طوني بلير وأن ما تم هو عملية صياغة نهائية لما قام به الرئيس طوني بلير والذي وصفه بأنه كان “سمسارا” بين الكيان الصهيوني وبين بعض العائلات الحاكمة في مشيخات المنطقة وذلك من أجل صياغة اتفاق تعاون بين هذه الدول والكيان الصهيوني من أجل بسط الهيمنة الصهيو-أمريكية وخنق الشعب الفلسطيني.

 وأضاف خوري – مخول أن الاتفاق الذي تم توقيعه يوم 15/09/2020 بين الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة لم يبدأ في الصيف الأخير وإنما هو ثمار مجهود على مدى عقد من الزمن وبالتحديد منذ حرب الاحتلال الأخيرة على قطاع غزة عام 2014؛ وكل ذلك تلقى قوة دفع غير مسبوقة بوجود نتنياهو بالحكم ودخول ترامب إلى البيت الأبيض متصلا مع طموحات بعض ورثة العروش في بلدان المنطقة. إذ لم تكن لهذه الاتفاقيات أن تتبلور لولا وجود مُخطِط كنتنياهو في سدة الحكم، وعراب كالرئيس ترامب ومتعاون كأحد ورثة العروش في المنطقة واصدقائه الذين نسفوا مبادرة السلام العربية التي طرحت في بيروت عام 2002 وتم وصفها بالتطبيعية بحد ذاتها. فقد تم تغيير الخطاب السياسي واللغة الإعلامية المتداولة من قبل دول الاتفاقيات اتجاه الكيان الصهيوني ووضوح تصريحاتهم ان للكيان الصهيوني الحق بالوجود والعيش (بسلام؟) على أرضهم والتي هي أرض فلسطين المغتصبة وذلك خلال مقابلة مع أحد ورثة العروش عام 2018 وهو ما مثل اشارة الى ان الروابط بين ‘مشيخات الاتفاق’ والكيان الصهيوني ازدادت قربا. وقال البروفيسور خوري – مخول: مع أن الخاسر الأكبر من هذه الاتفاقيات على المدى القريب هو الشعب الفلسطيني الا أن هناك لاعبين آخرين سيخسران في الأمد المتوسط والأمد البعيد: فالأول هو الأردن والثاني لبنان وبالطبع أيضا السلطة الفلسطينية. أما اللاعبين الخاسرين الغير دول (  Non-State Actors ) ستكون غالبية الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية اضافة الى حركتي حماس والجهاد حيث أن استراتيجية ترامب فيما يتعلق بفلسطين تنطلق من المعادلة الصفرية (Zero Sum Game) ففي حالة فوز ترامب بولاية ثانية قد تحصل سيناريوهات أخرى في فلسطين أو الإقليم: ففي فلسطين قد نشهد انهيارا للسلطة الفلسطينية أو اندلاع انتفاضة ثالثة أو إجراء انتخابات فلسطينية أو سيناريو محاولة “إنزال” قيادة فلسطينية بديلة تسهل على واشنطن والكيان الصهيوني التعامل معها، أما في الإقليم فيمكن حدوث عمليات مسلحة، عمليات انتحارية لشخصيات أو تصفيات داخلية من شانها ادخال عناصر جديدة للإقليم.

 و أضاف البروفيسور مكرم: صحيح ان مجرى التاريخ تحدده الشعوب إلا أن عمليات صاخبة كبيرة يقوم بها أفراد من شأنها و بالتوازي مع عمليات سياسية, اجتماعية, نفسية أن تؤدي الى جرف وتغيير مسار التاريخ و أكبر مثال على ذلك أنه ومنذ اغتيال رئيس الوزراء الصهيوني اسحاق رابين في 4/11/1995 و فوز نتنياهو بولايته الأولى كرئيس للوزراء في انتخابات آيار 1996 و عودته مرة اخرى لإدارة الكيان الصهيوني منذ 2009 لغاية الأن غيرت المسار الذي عمل عليه رابين و بيريز من الطرف الصهيوني والرئيس ياسر عرفات ودائرته من الطرف الفلسطيني.

 وأضاف خوري – مخول أنه من الصحيح أنه كان بإمكان الطرف الفلسطيني اختيار منحى أوسلو أو حتى انتاج اتفاقيتين أفضل للفلسطينيين إلا أنه يجب التذكير بأن الطرف الإسرائيلي الذي وقع على أوسلو اختفى عن الساحة مباشرة بعد التوقيع وذلك بعد اغتيال رابين وخسارة بيريز لنتنياهو في أيار ١٩٩٦، وبهذا يكون قد بقي الاتفاق في يد طرف واحد وهو الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ 2005 ومقابله الكيان الصهيوني المعارض لأوسلو. فمن المهم ان نتذكر أن السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس لغاية الآن عملت في ظروف عكس ما كان متوقعا لها وفي معادلة قوى جديدة رغم أنه كان عليها تغيير مسارها. وصحيح أن الاحتلال ومنذ عقود، ومنذ الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000 متهم بالقيام بجرائم متعددة ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني وبنسف حل الدولتين وبتقويض اتفاقية أوسلو وقمع الفلسطينيين، في حين طرح سؤال:

ماذا كانت مساهمة السلطة الفلسطينية لمواجهة هذه المعضلات؟ فقد أبرزت عدم قدرتها على طرح رؤيا قومية للشعب الفلسطيني. فليس هناك مؤشرات مهنية على عمل المنظمة بالشكل المطلوب: ١) ما من استراتيجية تديرها خلية ادارة الأزمات لدى (م.ت.ف) السلطة الفلسطينية. ٢)  ليس هناك مؤشرات على وجود استراتيجية لإدارة الدبلوماسية العالمية ٣) لا يوجد استراتيجية للأعلام السياسي من اجل ادارة الأزمات ٤) اضافة إلى بطء وتردد في اتخاذ القرارات وعدم اقتناص الفرص لدى القيادة الفلسطينية.

وقال الأكاديمي الفلسطيني البارز أنه صحيح أن الشعب الفلسطيني أثبت مقاومة وبسالة قل نظيرها إلا أنه ليس من العادل أن يتحمل عبء مقاومة الاحتلال لوحده. كما قلل المفكر الفلسطيني من أهمية قدرة القيادة الفلسطينية في تغيير المشهد (ومعادلة القوة في الظروف الراهنة) وقال أن من يستطيع إحداث التغيير هي قطاعات من الشعب الفلسطيني المتواجدة في اماكن متعددة.

وفي سياق رد البروفيسور مكرم خوري-مخول على أسئلة أعضاء المنتدى قال أن هناك فرق في السياسة بين كتمان الأمور وبين نشرها، مضيفا أنه من الصحيح أن نقول أن الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الكيان الصهيوني وبعض دول الخليج شكلت صدمة نفسية للمجتمع العربي بشكل عام، رغم أنه كان من المعروف أن بعض هذه الدول بدأت بالتطبيع منذ 1995.

وأضاف خوري – مخول أن مسيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني هي عملية بدأت ولم تنتهي بعد وهي جزء من حرب نفسية تشمل عملية صعق الوعي الفلسطيني وخلق حالة من الاستسلام

 ونشر اليأس وزرع الإحباط ما بين المكونات المختلفة للشعب الفلسطيني بحيث يرفع الشعب الفلسطيني يداه استسلاما لما يقدمه المطبعون، وهذا ما يأمله أو يتوقعه المخططون لهذا التطبيع.

 واستطرد البروفيسور مكرم انه قد حان الوقت للنخب العربية الثقافية (بما فيها المتعلمة) والوطنية بأن تقوم بلعب دورها العلني بالدفاع عن قضيتها دون خوف أو مواربة. فالعالم في منطقتنا المشرقية – العربية لديه مخزون كبير من المثقفين والمتعلمين القادرين (بين الفاعل والمهمش والصامت) على إحداث التغيير ويمكن تجنيد هذا المخزون الهائل من للضغط على الحكومات من أجل وقف مخطط التطبيع والتطويع والتتبيع.

وفيما قدمته أو لم تقدمه الدول التي تقوم بالتطبيع للقضية الفلسطينية قال ضيفنا الكريم أنه يجب أن نفرق بين ما قدمته الحكومات والأنظمة وبين ما قدمته الشعوب. فهناك دول استقلت أو وجدت بعد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية عام 1967 فكان مما قدمته هذه الدول عبارة عن 5% مما كانت تقتطعه من دخل الكادر المهني الفلسطيني والذي كان يتم توريده لمنظمة التحرير الفلسطينية و ذلك ضمن اتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية اضافة إلى تبرعات كثيرة قام بها مواطنين عرب من هذه الدول من أجل القضية (دون علاقة للأنظمة).

 أما دعم الدول للقضية الفلسطينية فكان متدنيا جدا، بل أحيانا غير قوي أو متخاذل نتيجة ضغوطات قامت بها عواصم غربية لمصلحة الكيان الصهيوني بحيث كانت التصريحات في أغلب الأوقات في واد والأفعال في واد آخر بحيث ان الدعم في غالبه جاء من أجل بث الفرقة بين الشعب الفلسطيني لصالح الاحتلال ومن اجل ‘إدارة الصراع’ لا حله.

 وفيما يتعلق في نبذ الفرقة والوحدة بين الفصائل الفلسطينية قال الدكتور مكرم إن الانقسام كان وما زال خنجرا في خاصرة القضية الفلسطينية لطالما واجهناه في كل منبر تكلمنا منه والذي من المفروض ان ينتهي فورا.

وفيما يتعلق بآثار التطبيع على نتائج الانتخابات الأمريكية والصهيونية قال خوري – مخول ان المحور الصهيو-امريكي هو من يسير الأمور لكي يسدي نتنياهو لترامب معروفا ونوع من الشكر لما قام به ترامب من خلال مستند ومبادرة “صفقة القرن” و نقل السفارة الأمريكية الى القدس المحتلة  – قبل الانتخابات الإسرائيلية – ولذلك فهي عملية دعم مشترك ما بين نتنياهو و ترامب و لكن ذلك لا يعني ان الدول الأوروبية تؤيد هذه السياسة لا بل شاهدنا رفضا شاملا.

 وفيما يتعلق بانتفاضة ثالثة تنبأ البروفيسور مكرم بانه من الممكن ان تقوم انتفاضة ثالثة في فلسطين إذا ما فاز ترامب، أو في حال استمرار الضغط المكثف على الشعب الفلسطيني فلا يستبعد قيام انتفاضة فلسطينية عارمة. وبما يتعلق بدور الجامعة العربية افضى البروفيسور ان الجامعة هي عبارة عن مجموعة من الأعضاء و عندما لا تقوم المجموعة باحترام ما ورد من قرارات من هذه الجامعة سيصبح من المستحيل ان تكمل الجامعة بمنهجها القديم.

 وقال إن الجامعة اليوم في معضلة كبيرة وهذا الوضع يعود إلى الأعضاء. وقال خوري – مخول أنه كان قد اقترح (علنا وبالقنوات الغير رسمية) على الجانب الفلسطيني الانسحاب من الجامعة او تجميد عضوية فلسطين في أعقاب توقيع الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني وفشل الجامعة باتخاذ قرار في هذا الشأن.

 وأضاف البروفيسور مكرم أنه رغم ما يحصل من قبل الحكومات فإن التعاطف الجماهيري (العربي والعالمي) مع الشعب الفلسطيني من قبل الشعوب هو الطاغي على العلاقة الشعبوية – الجماهيرية رغم دخول الأنظمة في عملية التطبيع العلني.  وأضاف أن مركز الثقل خارج فلسطين هو الشارع. كما تطرق البروفيسور خوري-مخول إلى أن ما يوصف بالصراع الإيراني مع دول التطبيع ما هو إلا شماعة من أجل تبرير هرولتهم إلى التطبيع.

 وضرب مثالا إلى أنه عندما قام الرئيس السادات بتوقيع اتفاقية السلام كان شاه إيران في الحكم ولم تكن المرجعيات الدينية هي الحاكمة مؤكدا ان عملية التطبيع لا علاقة لها بصراعهم وخلافاتهم مع إيران على الاطلاق. وأكد الأستاذ – الدكتور أنه في الأمد القصير فان عمليات التطبيع هي من اجل دعم الرئيس ترامب في الانتخابات وهو من هدد بصراحة أنظمة المنطقة من خلال عملية ابتزاز وضغط سياسي واقتصادي من أجل أن يقوموا بالتطبيع وكذلك من اجل أن يقوم الكيان الصهيوني بغزو الأسواق المطبعة اقتصاديا.

 كما أكد الدكتور مكرم أن التحرك الفلسطيني على مستوى القيادة اليوم شبه معدوم، ولكن التحرك الشعبي الفلسطيني فهو موجود وعلى جميع الأصعدة من مقاومة شعبية في الضفة الغربية إلى بعض أنواع المقاومة في قطاع غزة.

وأكد الدكتور مكرم أن الأردن بعد فلسطين هو المتضرر الرئيسي من اتفاقيات التطبيع من خلال التطبيع السياحي والاقتصادي وتوجيه السياحة للدول المطبعة نحو فلسطين فهذا سوف يعود بالضرر الاقتصادي على الأردن وقال الدكتور مكرم أن الأمور لن تكون أسوأ إذا ما خسر ترامب الانتخابات.

وقال الدكتور مكرم ان القيادة الفلسطينية بتركيبتها الحالية لن تستمر طويلا وان فترة صلاحيتها قاربت على الانتهاء في ضوء هذه التغيرات؛ فمن الممكن ان يفرز الشعب الفلسطيني قيادة جديدة؛ او ان تتم محاولة فرض قيادة جديدة معينة على الشعب الفلسطيني؛ او ان تتم عملية دمج (فصائلية) للقيادات الفلسطينية. كما أكد ان الشعب الفلسطيني يشهد اليوم تكاتفا منقطع النظير لم يشهده من قبل في ضوء التحديات التي تواجه قضيتهم ووزن المخاطر التي تحدق بهم.

 وأفضى الدكتور مكرم أنه كان من الممكن أن تكون هناك تحركات فلسطينية مختلفة جدا على مستوى القيادة ولكن ذلك لم يحصل بسبب الصراع في الدائرة المغلقة للسلطة الفلسطينية (المقربة من الرئاسة).

وشكك الدكتور مكرم بمقدور السلطة الفلسطينية الاستمرار في ضوء شح الموارد وخاصة إذا لم يتم حل مشكلة المقاصة مع الكيان الصهيوني (الذي يحاول ابتزاز السلطة بواسطتها). فاذا ما استمر الصراع على المقاصة وفوز ترامب فإنه لا يرى سوى احتمال سقوط السلطة الفلسطينية كما هي اليوم إلا إذا ما قامت الإدارة الأمريكية بالضغط على الكيان الصهيوني (في اللحظة الأخيرة لحل هذه المعضلة) وعلى بعض الدول العربية لدعم السلطة الفلسطينية.

كما أكد الدكتور مكرم أن الكيان الصهيوني يخطط للمدى البعيد لربما ل 2050 في حين السلطة ليس لها تخطيط لمدة شهر، كما أن الكيان الصهيوني يؤمن بالوحدة رغم الاختلاف و يجتمع على هدف قومي، ديني موحد عكس الطرف الفلسطيني و هو من لا يبذل اي جهد من اجل الوحدة و قبول الطرف الآخر. وأكد أن الدول المطبعة لن تحقق أي نتائج تذكر من تطبيعها مع الكيان الصهيوني بل على العكس المستفيد الوحيد من التطبيع هو الكيان الصهيوني الذي يأتي مع مخططات واضحة واستراتيجيات للسيطرة على هذه الدول.

* باحث وكاتب وبروفيسور فلسطيني

المصدر: "رأي اليوم"

اقرأ ايضا: نزيف سياسي وجماهيري للسلطة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"