زيارة خاصة… في وقت دقيق

مشاركة
* سعادة مصطفى أرشيد 03:09 ص، 16 أكتوبر 2020

تهرول الأيام، وتسير عقارب ساعة الزمن بتسارع، مقتربة من موعد الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل حيث يصبح للزمن قيمة مضاعفة لدى كلّ من المرشحين للرئاسة الأميركية، الجمهوري دونالد ترامب، وخصمه الديمقراطي جو بايدن، يبذل كلّ منهما قصارى الجهد في ما تبقّى من أيام قليلة لرفع منسوب رصيده من الأصوات الانتخابية، ولخفض منسوب خصمه، مُخرجاً من جيوبه وأدراجه وصندوقه الأسود، كلّ ما لديه من أوراق وأسرار وفضائح، صحيحة أم ملفقة، ولكنها تحمل في طياتها تفاصيل ذات أثر انتخابي.

الصوت اليهودي المنظم والفاعل كان له على الدوام، دور مهمّ في الانتخابات الأميركية، وتحديد نتائجها، يتركز الصوت اليهودي في كتلتين رئيستين هما: الكتلة الأولى هي لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية والمعروفة باسم اللوبي اليهودي إيباك (AIPAC)، وتمثل هذه الكتلة أكثر من نصف اليهود في الولايات المتحدة، وتضمّ عدداً وافراً من المنظمات والجمعيات اليهودية، والتي تميل تاريخياً إلى دعم الحزب الديمقراطي (في غالب الأحيان)، وإلى دعم حزب العمل في “إسرائيل” عندما كان لاعباً رئيساً وإلى دعم الأحزاب الوسطية اليوم، والكتلة الثانية هي المؤتمر (الكونغرس) اليهودي العالمي، الذي هو أيضاً تجمع مؤسسات وهيئات يهودية، أقرب إلى الحزب الجمهوري وإلى أجنحة الصقور في الإدارة الأميركية، ومن يعرفون باسم المحافظين الجدد، يرتبط رئيس المؤتمر رونالد لاودر بصداقة وتحالف مع الرئيس ترامب وطاقمه، ويُعتبر من أصحاب التأثير عليهم، كما يرتبط ويدعم اليمين في “إسرائيل”، ويرتبط بعلاقة شخصية وعائلية وسياسية مع بن يامين نتنياهو.

الصوت العربي بدوره، قد أصبح مهماً في الانتخابات الأميركية ولكن في غير خدمة قضايانا ومصالحنا العليا أو أمننا القومي وإنما في خدمة الحكام وضرورات بقائهم السياسي، وهو ليس صوتاً مباشراً في صندوق الانتخابات، بقدر ما هو رجع صدى لسلوك تلك القيادات التي تدعم هذا المرشح أو ذاك، يتردّد ضجيج الصدى الانتخابي بطريقة الدعم المالي السخي والتنازلات السياسية وتوظيف الاستثمارات على اختلافها، التي تدعم المرشح المُراد إنجاحه، فالقطريون وبعض أركان العائلة السعودية وآخرون غيرهم، قد ربطوا أنفسهم بالحزب الديمقراطي وبالطبع نصيره في الداخل الأميركي، (ايباك)، وهم لا يدّخرون جهداً لإنجاح بايدن الذي سيُعيد إليهم دورهم الذي كان متقدّماً في عهد أوباما الديمقراطي، فيما عرب آخرون كالإمارات والمملكة السعودية بشخص ولي عهدها محمد بن سلمان، مرتبطون بعروة لا تنفصم مع الجمهوريين والرئيس ترامب، وبالتالي مع داعميه بالولايات المتحدة مثل المؤتمر اليهودي العالمي، الذي كان له دور في تسريع عملية التطبيع الإماراتي – البحريني مع (إسرائيل)، وذلك بتوقيت مدبّر يدعم رصيد ترامب الانتخابي ويعزز من فرص فوزه، باعتباره قد حقق اختراقاً غير مسبوق في تاريخ الصراع مع “إسرائيل” تمثل في عمليات التطبيع. المملكة السعودية هي الراعية والقائدة لعمليات التطبيع المتدحرجة مع (إسرائيل)، لا بل أنها القاطرة التي تسحب وراءها عربات التطبيع الإماراتية والبحرينية والسودانية ومن سيلتحق بقطارهم في وقت ليس ببعيد، لكن أخباراً وتقارير قد تواترت تفيد بأنّ المملكة السعودية ومستشاريها وناصحيها قد افترضوا أنّ من الأفضل للمملكة أن تتريّث بإشهار تطبيعها وذلك لسببين: الأول هو انتظار وفاة الملك سلمان واستلام ولي عهده مقاليد العرش، لينطلق بسياساته الجديدة المنفلتة من عقال الالتزام بالمبادرة العربية للسلام (2002) والسياسات التقليدية التي التزمت بها بلاده طوال عقود، والسبب الثاني هو الاهتمام السعودي الحثيث بضرورة أن تكون المملكة القائدة في العالمين العربي والإسلامي، والممسكة بتلابيب القرار، ولكن عملية التطبيع المعلن ستطعن في شرعية قيادتها، ثم أنها تخلي فراغاً في الساحة الإسلامية سوف تملؤه حكماً إيران وتركيا، لذلك تحتاج المملكة السعودية لإعداد غطاء يشرعن خطواتها التطبيعية، بغطاء إسلامي وآخر فلسطيني، وبما أنّ طرفي المعادلة الفلسطينية في رام الله وغزة يتحفظان على خطوات التطبيع لا بل ويخالفانه، فكان لا بدّ من توجيه سهام حادة لهما بدت واضحة في ما قال الأمير بندر بن سلطان، وبرغم أنّ بعض مما ورد في أقواله كان مثيراً للعجب ولإعادة التفكير، وقد يحمل شيئاً من الصحة، إلا أنها وضعت في سياق خدمة المشاريع والصفقات البائسة المعادية لنا والداعمة انتخابياً للرئيس ترامب.

مساء السبت الماضي حطت طائرة عمودية عسكرية أردنية على مهبط المقاطعة في رام الله، كان على متنها الملياردير اليهودي رونالد لاودر، رئيس المؤتمر (الكونغرس) اليهودي العالمي، قادماً من عمّان بعد أن جال في المنطقة، في زيارة لم تحظ باهتمام إعلامي تستحقه، وكما ورد في تغريده الكترونية لوزير فلسطيني، ثم في خبر مقتضب نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) أنّ لاودر قد اجتمع بالرئيس أبو مازن لثلاث ساعات، دون أية تفاصيل إضافية عما دار في اللقاء، لكن المؤتمر اليهودي العالمي أصدر بياناً قال فيه إنّ الزيارة كانت بدعوة من الرئيس عباس الذي تربطه معرفة مسبقة بلاودر. البيت الأبيض رفض التعليق على الزيارة، فيما دافيد فريدمان السفير الأميركي بالقدس ادّعى بأنه لم يحط علماً أو يتمّ التنسيق معه، وكان قد سبق للاودر أن أدلى بحديث لصحيفة “عرب نيوز” السعودية الناطقة اللغة الإنجليزية، انه سيقوم بمسعى لإعادة الفلسطينيين إلى مائدة التفاوض مع (إسرائيل).

من نافلة القول أن تكون زيارة رونالد لاودر قد جاءت لأسباب شخصية أو اجتماعية في هذا الوقت الدقيق، إذ لا بدّ أنه جاء محمّلاً بالرسائل والوعود والوعيد، وغادرنا محمّلاً بالردود أو ببعض منها، فما الذي جاء به لاودر؟ لا يملك كاتب المقال معلومات دقيقة حول ما جرى في اللقاء، وماذا كان في جعبة لاودر، أو ماذا كان ردّ الرئيس عباس عليه، ولكن همسات وتقديرات عند بعض من يهمّه الأمر، ترى أنّ إدارة ترامب، وإدارة حملته الانتخابية يرون ضرورة بذل العرب جهوداً إضافية دعماً لمرشحهم، ويرون ضرورة التطبيع السعودي مع (إسرائيل)، إذا أنّ التطبيع الإماراتي – البحريني قد أصبحت مفاعيله ضعيفة لتقادمه، ثم أنّ الإمارات والبحرين ليستا بحجم المملكة السعودية ومكانتها، واستطراداً، فإنّ السعودية تريد دوراً في إدارة وحماية الأقصى والمقدسات الإسلامية بالقدس بالشراكة مع الأردن، فهذا يقطع الطريق على الدور التركي المتنامي بالقدس، ويعطي المملكة السعودية غطاء إسلامياً، ثم أنّ إقناع الرئيس ابو مازن أو الضغط عليه بالعودة للمفاوضات وباستلام أموال المقاصة وصمته – على الأقلّ عن التطبيع يعطي السعودية غطاء عربياً، ولا بدّ أنّ الحديث قد تطرق إلى جهود المصالحة الفلسطينية، التي يرى لاودر وأصدقاؤه في واشنطن وتل أبيب أنها يجب أن تتوقف، واستبدالها بمصالحة فتحاوية – فتحاوية، قد تجد ملفات لاودر شيء من القبول في رام الله، فالعقل السياسي للسلطة الفلسطينية او ما يُعرف بالواقعية والعقلانية، يرى أنّ ارتباطات السلطة الفلسطينية والتزاماتها تجاه الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، أهمّ بكثير من العمل على التفاصيل والجزئيات المحلية الصغيرة، الأيام المقبلة وما سيجري على أرض الواقع يكشف مدى دقة ذلك من عدمه ويكشف طبيعة الردّ الفلسطيني.

*سياسي فلسطيني مقيم في جنين

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"