خيار الفلسطينيين الحتمي لمواجهة التخلي العربي عن قضيتهم

مشاركة
* ملحم سلمان 02:18 ص، 13 أكتوبر 2020

 بعد عقود من الاعتماد على المؤسسات الدولية والأنظمة السياسية العربية من أجل الحصول على حقوقهم المشروعة، أصبح الفلسطينيون يدركون أنهم بحاجة إلى إعادة هيكلة ديمقراطية جادة لمؤسساتهم وإلى إعادة النظر في استراتيجياتهم، بعدما أدت الاستراتيجيات الحالية، أو عدم وجودها أساسا، إلى قيام الفصائل الفلسطينية الرئيسية بتطوير تحالفات مع أنظمة تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تقوم الفصائل الأخرى بتطوير تحالفات مع دول في صراع مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة. وهكذا، باتت قضيتهم المشتركة ضحية لانقساماتهم.

لقد أضاف الظهور الأخير للدفع نحو التطبيع بين عدد من دول الخليج من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، بعدًا أو متغيرًا إضافيًا لشبكة القضايا التي تواجه النضال الفلسطيني، إذ تتطلب هذه التطورات - التي يظهر منها "تخلي" الإخوان في العروبة عن الفلسطينيين - إعادة تقييم عميق للسياسات والممارسات السابقة وإعادة هيكلة جادة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

اقرأ ايضا: التسابق العربي نحو التطبيع : تحيا إسرائيل وتسقط فلسطين

فقط المسار الديمقراطي، من خلال انتخابات مراقبة دولية، هو الذي سيعكس إرادة الفلسطينيين داخل إسرائيل، في الأراضي المحتلة، وفي الشتات.

باتت الوحدة الوطنية وميثاق وطني جديد مطلبين لأي نضال جدي، حيث يأمل أي فلسطيني أن تُسفر الانتخابات عن قيادة شفافة جديدة لن تسمح للمؤسسات بعرقلة مقاومة الحصول على الحقوق الوطنية بدلاً من تقديم الدعم السياسي والمالي والدبلوماسي.

تاريخيا، لم تؤد البيروقراطيات الفاسدة إلى التحرر قط، حيث إن الوهم بتوقع الدعم من الأنظمة السياسية أو من الإخوة في العروبة أو من المؤسسات العربية يجب أن يفتح أعينًا إضافية لضرورة دمقرطة المؤسسات الفلسطينية، وإنهاء التعاون مع المحتل، ووقف قمع واضطهاد من يقاوم الاحتلال، فأي نظرة على سكان السجون الفلسطينية ستسلط الضوء على الصورة السياسية للأسرى.

في غزة، التي اختارت مقاومة الاحتلال وطوّرت تحالفاً مع حركات مقاومة أخرى، يبقى الوضع كارثيا بسبب الحصار الإسرائيلي وعدم ارتباط السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بأي دعم، ومن الواضح تمامًا أنه بدون وحدة الأهداف والاستراتيجيات الفلسطينية، ستستمر إسرائيل في سياساتها الاستعمارية وتتوسع أكثر نحو الأنظمة العربية تحت مظلة التطبيع والتحول الجديد لـ "الإبراهيمية" كقاسم مشترك بين الموحدين: اليهود والمسيحيين والمسلمون.

نحن بحاجة إلى التأكيد على أن الصهيونية ليست يهودية، والاستعمار الأمريكي ليس مسيحية، وبعدما شيطنت الولايات المتحدة الإسلام والعرب، هل يتساءل المرء أين يقع إبراهيم في التحالف الصهيوني الاستعماري مع الأنظمة غير المستقرة المنتجة للنفط؟.

هذه ليست المرة الأولى، لقد شهدنا بالفعل استخدام الولايات المتحدة للإسلام لمحاربة الاتحاد السوفيتي "الملحد" في أفغانستان، والذي انحرف لاحقًا إلى موجات من التطرف الإسلامي الزائف الذي دمر العراق وسوريا وليبيا والسودان والصومال.

علاوة على ذلك، الوهابية ليست الإسلام، إنها أقلية صغيرة للغاية تستخدم مواردها النفطية الضخمة لتأجيج العديد من الحروب الأهلية داخل العالم العربي والإسلامي، وآخرها في اليمن. كنا جميعًا نتمنى أن نرى هذه الموارد مستخدمة لتوحيد العالمين الإسلامي والعربي، قبل نضالها لتشكيل إمبراطورية إبراهيمية جديدة بقيادة إسرائيل.

وبافتراض اتخاذ خطوات قريباً نحو أنظمة أكثر ديمقراطية، فإن القرار الجاد يجب أن تتخذه المؤسسات الفلسطينية الشرعية الجديدة، يجب أن يتمحور حول وضع النضال الفلسطيني في ظل الوضع الإقليمي والدولي المتغير باستمرار، فالتحالفات الحقيقية أمر لابد منه.

وعلى الرغم من أنه لا ينبغي للفلسطينيين أن يتوقعوا أن تتبنى الأنظمة العربية الأخرى تصورهم لسلام عادل ودائم، فمن المهم ألا يزيدوا خصومهم أو يسمحوا للأنظمة العربية بتقديم الدعم مع استغلال قيودها وهشاشتها، فهناك حاجة إلى توضيح التحالفات، مع الأخذ في الاعتبار السعر الذي سيحمله كل منها.

ويحتاج الفلسطينيون إلى توخي الحذر الشديد من أن بعض الداعمين لمقاومة غزة يمكن أن يساعدوا في تقليص الهوية الفلسطينية إلى "هوية فلسطينية غزة"، من شأنها أن تقوض أهمية الضفة الغربية في أي هوية فلسطينية مستقبلية، وسيكون لغزة واحتلالها تكلفة باهظة على الإسرائيليين.

العودة إلى الوحدة الوطنية الديمقراطية، إذا تم تحقيق ذلك ومتى يتم ذلك، يجب أن يتبعه تحالفات واضحة تأخذ في الاعتبار تراجع الهيمنة الأمريكية ببطء، وظهور روسيا جديدة، والوجود الإيراني، ووجود تركيا، فمن المهم بنفس القدر تعزيز التنسيق وتعميق الدعم للمنظمات الشعبية المدنية والمهنية في العالمين العربي والإسلامي وفي العالم بأسره.

يحتاج الفلسطينيون إلى نسيان أي توقعات لحل تروج له الأنظمة العربية غير المستقرة، بأي شكل يتخذه. علمنا التاريخ أنك لا تحصل على ما لا تكافح من أجله، علاوة على ذلك، لا تتوقعوا منهم دعم النضال الوطني عندما يكون شعبهم مكمما وغير حر.

ويجب الإشارة إلى ضبابية موقف القيادة الفلسطينية الحالية، فهي تهاجم الإمارات لكشفها عن علاقتها التي دامت عقداً مع إسرائيل، بينما تشيد في الوقت نفسه بحليفتها الرئيسية السعودية لدعمها القضية الفلسطينية!. هذا الموقف لن يؤدي إلى السلام أبدا، وسيؤدي إلى مزيد من تآكل القضية الفلسطينية إلى أجزاء صغيرة يسهل على إسرائيل ابتلاعها، فتعاون السلطة الفلسطينية الحالي والوثيق مع المحتل جعل من إسرائيل، الاحتلال الوحيد المدعوم في التاريخ.

ولا أفهم كيف تتوقع السلطة من الآخرين مقاطعة إسرائيل وعدم الاعتراف بها، وهي متعاونة؟. الاختباء وراء سلسلة قرارات الأمم المتحدة التي تدعم حقوق الفلسطينيين بشكل جزئي، والانتظار على أمل استعادة بعض حقوقهم هو مجرد تجاهل دروس من التاريخ.

وعلى سبيل المثال، توفر تجربة النظام الأبيض في جنوب إفريقيا دروسًا رئيسية حول ضرورة وجود قائد واحد، واستراتيجية واضحة، ومؤسسات غير فاسدة، والإرادة لتقديم التضحيات، وعلينا أن نتذكر أن جنوب إفريقيا البيضاء، مثل إسرائيل، كانت قوة نووية مدعومة من قبل معظم القوى الغربية ومجتمع الأعمال والمصارف الدولية. وكما إسرائيل، كانت تهدف إلى تحويل جنوب إفريقيا إلى حكم دائم للأقلية البيضاء محاطة بكيانات قبلية شبه مستقلة.

المقاومة (العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والسياسية) والتضحيات الهائلة التي قدمها القوميون، أدركت معها القيادة البيضاء التكلفة غير المستدامة للحفاظ على هيمنتها الاستعمارية، وعندها فقط وافق جيش الإنقاذ الأبيض "القوي" على التفاوض وقبول حكم الأغلبية السوداء مع الإبقاء على المستوطنين البيض كمواطنين، وطالما أن إسرائيل ليس لديها دافع للتفاوض بحسن نية، فإن حقوق الفلسطينيين ستبقى مهملة.

وأخيرا، فإن التحديات الخطيرة التي تواجه الهوية الفلسطينية والتآكل المتزايد لأراضيها من خلال زيادة المستوطنات، يجب مواجهتها من قبل جبهة فلسطينية موحدة وهيئة منتخبة ديمقراطياً، تُعيد هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، وتبرز قيادة جديدة ستقرر نيابة عن شعبها، ودعوة الموارد البشرية والمالية الضخمة المتاحة لتصبح شركاء، وحتى الآن لم تشجع السلطة مثل هذا الاحتمال؛ فقد اختارت الولاء على الاحتراف.

ومن الواضح أن هذه الإجراءات المقترحة لتحقيق الصالح العام الفلسطيني تنطبق أيضًا على الأنظمة العربية والإسلامية التي يتوق سكانها المكبوتون للحصول على حقوق الإنسان الأساسية، وعندها فقط تدعم القاعدة الشعبية القوية إخوانهم الفلسطينيين في نضالهم لنيل حقوقهم الإنسانية المشروعة.

* إقتصادي لبناني مقيم في واشنطن

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"