وماذا يتبقى من أمل لدى الفلسطينيين؟

مشاركة
* اللواء محمد إبراهيم الدويري 04:45 م، 10 أكتوبر 2020

قد يبدو عنوان المقال غريباً إلى حد ما عندما أنا أتعرض لموضوع يتعلق بالقضية الفلسطينية فى إطارها العربي، فمن حيث المبدأ أستطيع أن أجزم أن جميع الدول العربية تؤكد تأييدها للثوابت الفلسطينية وتتبنى المرجعيات الدولية المرتبطة بالتسوية السياسية للقضية، أما من حيث الواقع فإن أولوية القضية قد تراجعت كثيراً فى معظم الاهتمامات العربية كما أن طبيعة الحل وكيفيته وحدود المرونة الفلسطينية المطلوبة وحتى مستقبل مبادرة السلام العربية وإمكانية وضعها موضع التنفيذ  كلها أمور قد تبدو أنها خارج إطار التوافق العربي الكامل.

بداية أرى أنه لا يمكن لنا أن نفصل بين الثلاثية الفلسطينية المتمثلة في الشعب الفلسطيني والقيادة والفصائل فمهما كان حجم الخلافات داخل البيت الفلسطيني إلا أن الجميع إنصهر في بوتقة واحدة أكدت على عدم التفريط في الثوابت التي لا يمكن لأى فلسطيني سواء كان مواطناً عادياً أو مسئولاً فى الوطن أو الشتات أن يتنازل عن أي منها تحت أية ظروف وخاصة قضيتي حق العودة والقدس، ولذا كان الأمر طبيعياً عندما إنطلق الفلسطينيون على إختلاف توجهاتهم يرفضون خطة السلام الأمريكية لإجحافها بأقل الحقوق الفلسطينية.

وفى نفس الوقت فلا شك أن مسألة تحميل الفلسطينيين وحدهم مسئولية عدم التوصل إلى حل للقضية يعد أمراً غير منصف تماماً نظراً لأن القضية الفلسطينية هي قضية عربية مركزية بالأساس وذات مسئولية جماعية، ودعوني هنا أسأل كل من يهمه الأمر ما هي الأدوات التي يمتلكها الفلسطينيون للتوصل إلى حل مرضي يضمن لهم أبسط حقوقهم في الحياة وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وحتى إذا نظرنا إلى مبادرة السلام العربية التي طرحتها الدول العربية فقد وافق عليها الفلسطينيون بينما لم ينجح العرب فيى فرضها أو تسويقها.

وإرتباطاً بالحديث عن مسئولية الفلسطينيين عن الحل السياسي وإنصافاً لهم في هذا الشأن فلا يخفى على أحد أن الرئيس أبو مازن لم يكن منغلقاً في البحث عن بدائل لدفع الموقف المتعثر فى عملية السلام وقدمت السلطة الفلسطينية مرونة كبيرة من أجل إنجاح جهود التسوية من بينها القبول بمبدأ تبادل طفيف للأراضي مع إسرائيل بنفس القيمة والنسبة , وأن تظل القدس مدينة مفتوحة أمام الديانات السماوية الثلاثة، مع ضمان أمن الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية – دون المساس بالسيادة – من خلال طرف دولي، وأن يكون هناك حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين، وقد قام الرئيس أبو مازن بطرح هذه الرؤية المرنة والمتقدمة أمام مجلس الأمن في خطابه الهام الذى ألقاه في 20 فبراير عام  2018 وللأسف الشديد فقد إستمع المجتمع الدولي للخطاب دون أن يحرك ساكناً أو أن يستغل هذه الفرصة الضائعة التي قدمها الفلسطينيون.

وبالرغم من ذلك فإنني لابد أن أعترف بأن  الفلسطينيين يتحملون بعض الأخطاء سواء على مستوى الداخل في عدم قدرتهم حتى الآن على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني , أو على المستوى الخارجي وخاصة توقف المفاوضات مع إسرائيل منذ إبريل 2014 رغم صعوبتها ونتائجها المحدودة للغاية بسبب التعنت الإسرائيلي، وكنت دائماً أرى أن لهذا التوقف تأثيرين سلبيين على الوضع الفلسطيني , التأثير الأول إتاحة الفرصة أمام إسرائيل لمزيد من الإستيطان والتهويد، والتأثير الثاني أن الساحة أصبحت خالية من أي حراك سياسي والإدعاء بعدم وجود شريك فلسطيني مما أدى في النهاية إلى طرح خطة السلام الأمريكية المعروفة بصفقة القرن.

وأرجو عندما نتحدث عن الفلسطينيين أن نكون على قناعة بأننا لا نتحدث عن دولة مستقلة ذات سيادة ولكننا نتحدث عن شعب صامد لا يزال يرزخ تحت إحتلال إسرائيلي يطمع ويعتزم ضم ثلث ما تبقى من أرض بدعم أمريكي ، كما أن هذا الشعب وقيادته الذين يعيشون في القدس الشرقية وفى الضفة الغربية مقيدون بالموافقة الإسرائيلية على كثير من تنقلاتهم الداخلية وكافة تحركاتهم الخارجية، وعندما أسوق هذا المثل دون حتى التعرض للوضع الإقتصادي السيئ فلا أقصد سوى أن نستذكر كيف يعيش الشعب الفلسطيني وقياداته هذا الواقع الأليم فى الأراضي المحتلة حتى لا نحمل الفلسطينيين فوق طاقاتهم.

وليس خافياً على أحد أن المرحلة القادمة فى مسار القضية الفلسطينية سوف تزداد صعوبة وتعقيداً فى ضوء عوامل كثيرة أهمها أن قطار الإستيطان والتهويد لم ولن يتوقف، وأن الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتانياهو لم ولن تضع عملية السلام فى جدول إهتماماتها وأن اليمين المتطرف يزداد قوة، كما أن التطبيع الإسرائيلي يسير في طريقه دون عوائق، بالإضافة إلى أن خطة السلام الأمريكية التي بدأت معالمها في الظهور والتطبيق سوف تجد طريقها للتنفيذ إذا أعيد إنتخاب الرئيس ترمب لفترة حكم ثانية.

ورغم طبيعة الموقف العربي المتشبع فى معظمه جوانبه بمشكلات وصراعات داخلية وخارجية ، فالسؤال الذى أطرحه هنا إلى من يلجأ الفلسطينيون للحصول على حقوقهم في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي ؟ هل سيتوجهون إلى إسرائيل والولايات المتحدة اللذين أسقطا الثوابت ولا يعترفان بالحقوق الفلسطينية ؟ أم يلجؤون إلى المجتمع الدولي العاجز عن أي تحرك فعال؟ إذن فمن المنطقي والطبيعي أن يلجأ  الفلسطينيون إلى محيطهم العربي مهما كان الوضع العربي سيئاً، ومن ثم ليس أمام العرب إلا أن يكونوا سنداً حقيقياً للفلسطينيين ليس فقط لأن ذلك يعد فرضاً عليهم بل لأن القضية الفلسطينية بشكل أو بآخر هي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

وليسمح لي القارئ أن أطرح مجموعة أسئلة أوجهها أساساً للدول العربية فى محاولة للبحث قدر المستطاع عن إجابات واقعية عليها لعلها تساعد على تحريك الأزمة أو على الأقل توضيح الصورة الحقيقية:

 هل من الأفضل الآن بينما قطار التهويد يلتهم الأرض أن نفتح ما يسمى بالملفات القديمة ونتحدث عن الفرص الضائعة ؟ وهل قدمت الفرص الضائعة للفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية مع حق العودة ورفضها الفلسطينيون؟

هل من المطلوب تركيز جهودنا على الماضي أم أن الأفضل أن نركز على المستقبل وكيف نواجه كل المحاولات التي لا تهدف إلا إلى القضاء على أي أمل لقيام الدولة الفلسطينية ؟

ما هي الرؤية السياسية التى نمتلكها كدول عربية لحل القضية الفلسطينية ؟ وهل العرب قادرون على تسويق هذه الرؤية ؟

 هل لدينا البديل السياسي المناسب الذى يمكن لنا أن نتبناه ونطرحه بقوة وواقعية إذا ما وصلت الأمور بشأن المبادرة العربية إلى طريق مسدود ؟

هل وصلنا كعرب إلى قناعة بأن هذه القضية أصبحت عصية على الحل ومن ثم فلا داعي أن تأخذ من إهتماماتنا إلا القليل؟ وهل حساباتنا تتمثل في أن الشعب الفلسطيني قد إستسلم للواقع؟ وحتى فى حالة تفجر الأمور فى المناطق الفلسطينية فهل لدينا ضمانات كافية أن المنطقة كلها سوف تكون فى مأمن ؟

ما الذي يمكن أن يقدمه العرب للفلسطينيين من دعم حقيقي وأدوات فعالة تساعدهم على الصمود والتماسك والتوحد وأن تكون لهم مواقف منسقة فيما بينهم ومتسقة مع الموقف العربي؟، وهنا لا يمكن لي أن أنفي أن هناك مسئولية تقع على عاتق الفلسطينيين بأن يهيئوا المناخ المناسب حتى يتمكن العرب من مساعدتهم بشكل أفضل.

 

ما هي كروت الضغط التي نمتلكها كعرب من أجل الضغط على إسرائيل حتى نبدأ مرحلة السلام العادل الذى يلبي التطلعات الفلسطينية في أقل حقوقهم الشرعية وحتى لا نتجمع حول خطط سلام وهمية لا أمل مطلقاً في أن يقبلها الفلسطينيون؟

كيف يمكن لنا أن نغير الواقع الحالي فى القضية الفلسطينية إلى واقع أفضل دون تنازلات عن الثوابت ؟

هل حان الوقت ليكف البعض عن تبني سياسة الإنتقادات والإتهامات المتبادلة التي تزيد من الفجوات القائمة في المواقف وتؤجج مشاعر الكراهية بين القيادات وبين الشعوب ؟ فمسئولية الدول العربية عن القضية الفلسطينية لا تعنى أبداً أننا نمن عليهم ونذكرهم بمواقف هى من صميم واجبنا، وفى نفس الوقت لا يحق للفلسطينيين في مقابل ذلك مهاجمة السياسات العربية.

هل سيستمر قطار التطبيع الإسرائيلي العربي والإسلامي دون أن نرى أية تنازلات إسرائيلية حقيقية فى أهم قضية عربية ؟ وهنا أكرر أنه من حق كل دولة أن ترسم وتنفذ سياساتها طبقاً لمصالحها ولكن لا يزال يحدوني الأمل ولو قليلاً في أن أرى قطار التطبيع يسير بنفس السرعة إلى جانب قطار السلام العادل.

هل عندما نطالب الفلسطينيين بإستئناف التفاوض مع إسرائيل نمتلك الرؤية الواضحة حول كيفية سير العملية التفاوضية من قضايا ومرجعيات ورعاية وإشراف؟ .

هل يمكن أن نصل إلى مرحلة نرى فيها ضغوطاً عربية على الفلسطينيين للقبول بتسويات سياسية منقوصة ومرفوضة بدلاً من أن نرى أن هذه الضغوط تمارس على إسرائيل وهى الطرف الرافض والمتشدد؟ وهل من المطلوب أن يقدم الفلسطينيون تنازلات وهم الطرف المحتل أراضيه؟ أم أن هذه المرحلة من المستحيل أن نصل إليها؟

ومن جانبي لن أتوقف عن أن أطالب الفلسطينيين بالكف عن مهاجمة أية دولة عربية أو إسلامية أو إفريقية تعقد إتفاق سلام مع إسرائيل فقد تم الإعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فى إطار إتفاق أوسلو رغم أنه ليس إتفاق سلام نهائي بل مرحلة إنتقالية للتوصل لسلام شامل، كما أن كل من مصر والأردن وقعتا معاهدتي سلام مع إسرائيل، وبالتالي فبالرغم من إختلاف ظروف وطبيعة ونتائج ومبررات كل إتفاق من هذه الإتفاقات إلا أن السلام الإسرائيلي العربي ليس جديداً ولكن المشكلة تكمن في أن تستثمر إسرائيل هذا السلام الجديد لجنى الثمار فقط وعدم التنازل عن مواقفها المتطرفة التي لم تتغير في أي جزء منها بل تزداد تشدداً، وللأسف هذا هو ما أراه حالياً وأتمنى أن يتغير على أرض الواقع.

ومع كل التقدير لموقف القيادة الفلسطينية الرافض للعنف والمعارض بقوة للإرهاب على كل المستويات، فلابد لي من أن أحذر مرة تلو الأخرى أنه مع تلاشى الأمل لدى الشعب الفلسطيني فإن البديل لن يكون هيناً أو سلمياً فلا يجب أن يطمئن المجتمع الدولي إلى أن هذا الشعب سيظل يقف موقف المتفرج إلى ما لا نهاية بل يجب أن يعيد الجميع حساباتهم تجاه الخيارات المطروحة أمام الشعب الفلسطيني فى المرحلة المقبلة وهو لا يرى سوى إستيطان وتهويد فقط، ولكن ما قد يطمئنى مرحلياً أن هناك توافقاً فلسطينياً على مستوى القيادة والشعب حول رفض العنف وتبني مبدأ المقاومة الشعبية السلمية ولكن يظل السؤال إلى متى؟ .

ولن أكون متحيزاً عندما أقول أن مصر أكبر وأقوى الدول العربية لازالت تتحمل العبء الأكبر تجاه القضية الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بملفات التهدئة والمصالحة وتبادل الأسرى والتى تتبناها مصر بكل مصداقية وشفافية وحرفية وتحقق فيها نجاحات واضحة، وهو ما يدفعني إلى التأكيد على أن هذه القضية لازالت تمثل الهم الأكبر لدى مصر ولدى قيادتها السياسية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذى لا يتوقف سيادته عن الربط بين الإستقرار فى المنطقة وبين إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ومن ثم فإن مصر تظل هي الدولة الرئيسية المؤهلة لتغيير الواقع الفلسطينى إلى الأفضل في ظل ما تتمتع به من علاقات طيبة مع جميع الأطراف وكذا خبراتها المميزة في ملف السلام، وبالطبع فإن هذا الجهد المصرى سوف يتم بالتنسيق مع بعض الدول العربية المعنية وعلى رأسها كل من الأردن والسعودية.

وفي النهاية إذا كنت قد إجتهدت في محاولة لطرح بعض الأسئلة والأفكار الإستكشافية للتعامل مع قضيتنا العربية المركزية وطالبت بدور مصري فاعل فى المرحلة القادمة، فإني في نفس الوقت أدعو الجميع – من قبيل التذكرة فقط – إلى إعادة قراءة إتفاق إطار السلام الشامل في الشرق الأوسط الذي وقعته مصر رسمياً مع كل من قيادات إسرائيل ( مناحم بيجين)، والولايات المتحدة (جيمى كارتر) فى 17 سبتمبر 1978 والوقوف على ما تضمنه من نقاط إيجابية لصالح القضية الفلسطينية، ودعوني أؤكد هنا أن هذا الإتفاق الموقع منذ أربعين عاماً لم يكن مثالياً ولكنه من المفترض أنه البداية القوية والمبكرة للتفاوض الحقيقي المبني على أهم المرجعيات الدولية، وقد لا يعلم الكثيرون أن  مصر وقعت هذا الإتفاق الخاص بالضفة الغربية وقطاع غزة أولاً وقبل ستة أشهر من توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل فى 26 مارس 1979، ولذلك أؤكد أن ما قدمته مصر للقضية الفلسطينية لازال يؤهلها لقيادة هذا الدور في المرحلة القادمة بكل كفاءة وقوة وقناعة ويقين.

 

نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"