رواية إسرائيلية مُرعبة عن جرائم "مُروعة" لليهود ضد الفلسطينيين إبان النكبة

مشاركة
جرائم مروعة واجهها الفلسطينيون إبان النكبة جرائم مروعة واجهها الفلسطينيون إبان النكبة
رام الله - دار الحياة 06:05 م، 06 أكتوبر 2020

"شهد شاهد من أهلها".. هكذا الحال عن كتاب "نهب أملاك العرب خلال حرب الاستقلال"، للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الذي يوثق فيه روايات مُرعبة عن جرائم مروعة ارتكبها الصهاينة واليهود ضد الفلسطينيين، إبان النكبة.

راز يروي كيف أن الجنود والمدنيين اليهود، سواء أطفال أو نساء أو مُسنين، انخرطوا في نهب كل ما طالته أيديهم وتمكنوا من حمله من ممتلكات العرب في جميع أنحاء فلسطين، في عملية مُمنهجة قُصد منها ترويع السكان الأصليين، الذين أجبروا على الهجرة الجماعية مذعورين من الجرائم التي ارتكبت في طبريا ويافا وحيفا وصفد والقدس، إذ كان اليهود كالجراد، يسطو على كل ما يملكه العرب أو يتركونه في منازلهم، من ثلاجات أو أطعمة ومشروبات أو أثاث وحتى آلات البيانو وماكينات الخياطة وكذلك الدُمى.

تلك الرواية تدحض أكاذيب الإسرائيليين بأنهم بنوا دولتهم على أرض خالية من السكان، ومزاعمهم بشأن تعرضهم للسرقة والنهب، إلى حد طلبهم تعويضات من البلدان التي هاجروا منها.

وقال راز، في مقابلة مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية: " إن أعمال السرقة والنهب من السمات التي طالما لوحظت في الحروب والكوارث، لكن النهب الذي تعرضت له ممتلكات العرب إبان النكبة وبعدها، كان مختلفاً، حيث استخدم كوسيلة "لتحقيق سياسة إفراغ البلاد من سكانها العرب".

وأضاف: "حوّل النهب اللصوص إلى مجرمين، ثم أصبح اللصوص الذين ارتكبوا أفعالا فردية طوعا شركاء في الوضع السياسي. شركاء سلبيين في نهج الساسة الذي سعى لإخلاء الأرض من سكانها العرب، مع مصلحة راسخة للصوص في عدم السماح لهم بالعودة".

وأوضح أن من نهب ممتلكات جاره لم يكن على علم بالعملية التي كان فيها شريكا لخط سياسي يهدف إلى منع عودة العرب... كان للشراكة السلبية بين نهج سياسي محدد والمغتصب الفردي تأثير طويل المدى، حيث عززت الفكرة السياسية التي تبنت الفصل بين الشعبين في السنوات التي تلت الحرب".

وتضمن كتاب راز، الذي تنشره دار "كرمل" للنشر بالتعاون مع معهد "عكيفوت" لأبحاث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وباللغة العبرية، وثيقةً لأول رئيس وزراء لإسرائيل، هو دافيد بن غوريون، يقول فيها: "اتضح أن معظم اليهود لصوص. أقول هذا عمداً وببساطة، لأنه للأسف هذا صحيح"، وذلك في 24 يوليو عام 1948، أي بعد شهرين على قيام إسرائيل.

ورد تصريح بن غوريون في محضر لاجتماع اللجنة المركزية لحزب "مباي"، ضمن الأرشيف المخزن لدى حزب العمل الإسرائيلي. فصّل كتاب راز سبب هذا التصريح والعديد من التصريحات لشخصيات بارزة ومتواضعة في إسرائيل عن نهب "الشعب اليهودي" لسكان فلسطين.

ما يُميز بحث راز عن هذا الموضوع أنه كان شاملاً لأعمال النهب في كل فلسطين: من طبريا شمالاً إلى بئر السبع جنوباً، ومن يافا إلى القدس، عبر القرى والمساجد والكنائس والمنازل والمخازن والمحال وغيرها، حيث  دقق راز في أكثر من 30 أرشيفاً في جميع أنحاء إسرائيل، كما أطلع على صحف تلك الحقبة وفحص جميع الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع ليصل إلى هذه النتيجة "المحطمة"، بحسب وصف "هآرتس".

قال راز لـ"هآرتس": "لقد تورط العديد من الجمهور الإسرائيلي: مدنيون وجنود على حد سواء في نهب ممتلكات السكان العرب. انتشر النهب كالنار في الهشيم بين الجمهور"، لافتاً إلى إن ذلك شمل "عشرات الآلاف من المنازل والمخازن والمصانع، من معدات ميكانيكية ومنتجات زراعية وماشية وغير ذلك. فضلاً عن آلات البيانو والكتب والملابس والمجوهرات والأثاث والأجهزة الكهربائية والمحركات والسيارات".

ولم يركز راز في مصير الأرض والمباني التي خلفها 700 ألف عربي فروا أو طُردوا بين عامي 1947 و1949، صابّاً جم تركيزه على المنقولات آملاً أن يتناول آخرون توثيق نهب الأراضي والمباني.

لم يكن بن غوريون الشخص البارز الوحيد الذي تحدث عن "شيوع النهب بين اليهود"، فإسحاق بن تسفي، الذي أصبح لاحقاً ثاني رؤساء إسرائيل، يقول في رسالة موجهة إلى بن غوريون، بتاريخ 2 حزيران/ يونيو عام 1948، إن ما كان يحدث في القدس يُلحق ضرراً "مروعاً" بشرف الشعب اليهودي والقوات المقاتلة.

وأضاف: "لا يمكنني أن أبقى صامتاً بشأن السرقة، سواء تلك التي تنظمها الجماعات أو غير المنظمة من قبل الأفراد. أصبحت السرقة ظاهرة عامة. الجميع يتفق على أن لصوصنا يسطون على الأحياء المهجورة كما يسطو الجراد على حقل أو بستان".

وتضمن الكتاب شهادات "لا حصر لها" ترسم صورة تفصيلية لأحداث النهب في كل مدينة وقرية فلسطينية، منها الهروب الجماعي الناجم عن ذعر السكان العرب، تاركين وراءهم ممتلكات هائلة في آلاف الشقق والمخازن والمستودعات والورش، وهجر المحاصيل في الحقول والفاكهة في الحدائق والبساتين وكروم العنب، كل هذا وسط اضطرابات الحرب.

ومن تلك الشهادات، ما يلي:

انتشرت العصابات اليهودية وبدأت نهب المحالّ التجارية بالعشرات، وشرع اليهود في نهب منازل العرب ومحالهم، يوسف نحماني، من سكان طبريا وكان مؤسس منظمة الدفاع اليهودية.

اليهود شوهدوا يتجولون بين المحالّ المنهوبة ويأخذون ما تبقى بعد السرقة المخزية. قمت بدوريات في الشوارع ورأيت مدينة كانت طبيعية إلى حد ما قبل ذلك بوقت قصير. في حين أنها أصبحت الآن مدينة أشباح، تم نهبها، واقتحام محالّها ومنازلها الخالية من ساكنيها. كان المشهد الأكثر خزيّاً للناس وهم يتجولون بين الأكوام التي بقيت بعد السرقة الكبرى. يرى المرء المشاهد المهينة نفسها في كل مكان. فكرت: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ لم يكن ينبغي السماح بحدوث هذا"، ناحوم إف.

هذه الصور كانت معروفة لنا. كانت هذه هي الطريقة التي سارت الأمور بها دائماً. في الهولوكوست وطوال الحرب العالمية وجميع المذابح. كنا نفعل هذه الأشياء الفظيعة التي جرت لنا بالآخرين: حملنا كل شيء في الشاحنة - مع ارتعاش أيدٍ رهيب - لم يكن هذا بسبب الوزن. حتى الآن يداي ترتجفان، فقط من الكتابة عنها"، نتيفا بن يهودا، المقاتلة في البلماح التي شاركت في معركة طبريا.

-"أخذ الناس كل ما في وسعهم... فتح أصحاب المبادرة المتاجر المهجورة وحملوا البضائع في كل مركبة. سادت الفوضى. إلى جانب الفرح بتحرير المدينة والارتياح بعد شهور من الأحداث الملطخة بالدماء، كان من المثير للصدمة أن نرى حرص المدنيين على الاستفادة من الفراغ واقتحام منازل ناس حولّهم مصيرهم القاسي إلى لاجئين"، تسادوق إيشل، من لواء كرملي.

-"كبار السن والنساء، بغض النظر عن العمر والمكانة الدينية، جميعهم كانوا مشغولين بالنهب. ولا أحد يوقفهم. الخزي والعار يغمرانني. هناك رغبة في البصق على المدينة وتركها. هذا سينتقم منا وفي تربية الشباب والأطفال. لقد فقد الناس كل إحساس بالخجل، وأعمال مثل هذه تقوض الأسس الأخلاقية للمجتمع، يوسف نحماني، الذي زار حيفا بعد أن استولت عليها القوات الصهيونية.

-"لم يبق شيء يؤخذ من العرب. مجرد مذبحة… والقادة لديهم ذرائع. لقد وصلت للتو إلى هنا منذ أسبوعين، ليس هناك من أحتجزه، المدعي العام الذي رافق القوات المقاتلة في حيفا، موشيه بن بيرتس، في حزيران/ يونيو عام 1948.

على طول الطريق، لا يوجد منزل، ولا متجر، ولا مكان عمل لم يؤخذ منه كل شيء. أشياء ذات قيمة وعديمة القيمة، كل شيء، حرفياً!"، روث لوبيتز.

البحث عن الغنائم كان مكثفاً. كان الرجال والنساء والأطفال يندفعون هنا وهناك مثل الفئران المخدرة. تشاجر الكثيرون على واحدة من أكوام المسروقات، ووصل الإمر إلى حد إراقة الدماء، يائير غورين، أحد سكان القدس.

وكتب بن غوريون، بعد احتلال حيفا، في مذكراته عن "السرقة الكاملة والمتكاملة" في حي وادي النسناس، والتي ارتكبها "الإرغون" (ميليشيا قادها مناحيم بيغن): "كانت هناك حالات تم فيها العثور على أفراد من الهاغاناه، بمن فيهم القادة، ومعهم أشياء مسروقة". 

وفي نهاية دراسته، وصف راز نهب ممتلكات الفلسطينيين على أيدي اليهود بأنه "ظاهرة فريدة" لأن اللصوص كانوا يعرفون جيداً من يسرقون، فهم جيرانهم وليسوا "أعداء"، مؤكداً وجود "مؤامرة صمت" حول هذه الظاهرة من السلطات.