السلام الفلسطيني العادل في مواجهة سلام نتانياهو

مشاركة
* اللواء محمد إبراهيم الدويري 11:13 م، 05 أكتوبر 2020

عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن حقيقة الرؤية الإسرائيلية للسلام خلال خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 سبتمبر الماضي، حيث أكدت هذه الرؤية على النقاط الست التالية:

النقطة الأولى، أن دائرة السلام آخذه في الاتساع، ولا تمس بفرص تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين فقط بل على العكس فهي تعزز من تلك الفرص.

اقرأ ايضا: بريطانيا أمام القضاء الفلسطيني

النقطة الثانية، أن إسرائيل ستكون على استعداد للتفاوض على أساس خطة ترامب للسلام من أجل وضع حد للصراع الدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

النقطة الثالثة، أن الخطة الأمريكية للسلام اتخذت طريقاً آخر نحو تحقيق السلام على أرض الواقع، حيث اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان. كما قدم خطة سلام عملية تلبى كافة احتياجات إسرائيل الأمنية.

النقطة الرابعة، أن الخطوات التي اتخذها الرئيس ترامب دفعت السلام للأمام، حيث قررت دولتان عربيتان إقامة السلام مع إسرائيل، وسوف تتبعهما دول أخرى في الفترة القادمة.

النقطة الخامسة، أن الفلسطينيين سوف يعترفون بأنهم لم يعودوا يمتلكون حق الفيتو على السلام والتقدم في المنطقة، وسيقررون في نهاية المطاف صنع السلام مع الدولة اليهودية.

النقطة السادسة، أنه تم التصدي للمطالب الفلسطينية غير الواقعية مثل المطالبة بإنسحاب إسرائيل إلى خطوط 1967 أو عودة اللاجئين، ولن تستطيع أية حكومة إسرائيلية قبول هذه المطالب.

ولا شك أن هذه الرؤية التي أعلنها نتانياهو أمام المجتمع الدولي تعكس بوضوح المفهوم الإسرائيلي للسلام الذي من المؤكد أنه يبتعد تماماً عن المفهوم العربي والفلسطيني للسلام، خاصة فيما يتعلق بقضايا القدس والإنسحاب وحق العودة، وبما يعنى أن الفجوة أصبحت أكثر اتساعاً بين الجانبين الإسرائيلي الفلسطيني، وأن السلام لم يعد قريباً بل أصبح يبتعد أكثر وأكثر. وأصبحت عملية التقريب بين هذه المواقف شديدة التباعد أمراً شبه مستحيل في ظل ثبات المواقف والسياسات الحالية على المستويات العربية والإسرائيلية والأمريكية.

من الواضح أن الفترة الأخيرة رتبت مزيداً من المكاسب لصالح إسرائيل من أهمها المكسبين الرئيسيين التاليين:

المكسب الأول، طرح الرئيس الأمريكي خطة سلام تلبى بشكل كامل المطالب الإسرائيلية وتتنقص من أهم المطالب والحقوق الفلسطينية، فهي تتحدث عن إقامة شبه دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومؤجلة ومشروطة، بينما تسمح لإسرائيل بضم أكثر من ثلث أراض الضفة الغربية.

المكسب الثاني، توقيع كل من الإمارات والبحرين إتفاق سلام مع إسرائيل دون أن تقدم الأخيرة أية تنازلات لصالح القضية الفلسطينية أو أن تغير من رؤيتها المتشددة والمرفوضة لتحقيق السلام. بل سارع المسئولون الإسرائيليون -ومعهم السفير الأمريكي في إسرائيل- إلى التأكيد على أن ضم منطقة غور الأردن قد تأجل فقط ولن يتم إلغاؤه مهما كان المقابل. وفى رأيي أن أي إنجاز حقيقي يتعلق بوقف الضم الإسرائيلي لجزء كبير من الضفة الغربية يجب أن يبدأ أولاً من إسقاط هذا المبدأ من الخطة الأمريكية للسلام.

وإذا كانت مبادرة السلام المطروحة في قمة بيروت 2002 لازالت تمثل الرؤية العربية للسلام الشامل مع إسرائيل، فمن المؤكد أن الجانب العربي لم يستطع أن يخرج عن الدائرة المغلقة التي تؤكد على استمرار تبني المبادرة ذات العقدين من الزمان دون أن ينجح في تحويلها إلى آلية قابلة للتنفيذ حتى أصبحت المبادرة في النهاية مجرد أحد المرجعيات المتعددة شأنها شأن أية مرجعية سابقة دخلت في سجل التاريخ الطويل للقضية. ولم يعد العرب يمتلكون عناصر القوة اللازمة لفرضها أو حتى تسويقها، وستظل بمثابة مبادرة شرفية مجمدة لحين إشعار آخر غير منظور.

وفى الجانب المقابل نجد أن إسرائيل استطاعت أن تفرغ مبادرة السلام العربية من مضمونها، حيث تحقق لها ذلك ليس فقط من خلال رفض المبادرة أو دفع الولايات المتحدة لرفضها أيضاً، ولكن من خلال النجاح في قلب مفهوم المبادرة رأساً على عقب وإعادة ترتيب أولوياتها طبقاً لرؤيتها، حيث تم البدء فعلياً في تنفيذ مرحلة التطبيع الإسرائيلي قبل مرحلة إقرار السلام، وهو ما يتعارض تماماً مع جوهر المبادرة التي تحدثت بواقعية عن سلام وانسحاب شامل مقابل تطبيع شامل، وهو ما لم يحدث. وللأسف أرى أنه لن يحدث في ظل الوضع الراهن.

ومع أهمية تأكيدنا على الأمل في أن يؤدى التطبيع الإسرائيلي الأخير مع بعض الدول العربية إلى إقرار السلام الشامل والاستقرار في المنطقة، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه التطورات الأخيرة لن تساهم في تحقيق السلام المنشود، خاصة في ظل تصاعد قوة اليمين الإسرائيلي المتطرف صاحب إنجازات التطبيع، وعدم وجود أية دلائل على إمكانية أن تتجه الحكومة الإسرائيلية الحالية ولو قليلاً إلى طريق السلام العادل.

وبالتالي، من الضروري أن نقرأ الموقف الراهن بواقعية تامة ودون مبالغات أو عواطف حتى نحدد خطواتنا القادمة على أسس واضحة. وسوف تتحرك إسرائيل بقوة خلال المرحلة القادمة من أجل أن تتسع دائرة السلام الإسرائيلي العربي والإسلامي دون أن تقدم أية تنازلات لصالح القضية الفلسطينية. بل على العكس سوف يتواصل التشدد الإسرائيلي مادام التطبيع أصبح أمراً سهلاً بالنسبة لها ولا يرتب عليها أية التزامات.

ومع قناعتي الكاملة بحق كل دولة عربية في أن تحقق مصالحها طبقاً لحساباتها الخاصة مع أهمية أن يتوقف انتقاد سياسات الدول التي تطبع علاقاتها مع إسرائيل، والتي سيزداد عددها تباعاً لاسيما في ظل موقف عربي يتعرض كل يوم إلى مزيد من الضعف والانقسام، فلا شك أن المسئولية المصرية في المقام الأول، ثم المسئولية العربية عن القضية الفلسطينية، لابد أن تظل حاضرة بقدر المستطاع. ولا يجب أن تنتهي هذه المسئولية مهما كانت طبيعة الوضع العربي، فليس من الإنصاف أن تجنى إسرائيل ثمار تشددها في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون بسبب عدالة قضيتهم.

وإذا كنت اعتبر نفسي من أشد المطالبين بضرورة استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في أقرب فرصة طبقاً لمرجعيات متفق عليها، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا الأمر أصبح بعيداً عن إمكانية التحقيق في ظل التعقيدات الحالية ووجود صعوبات حتى أمام مجرد عقد اجتماع عربى للتوافق على موقف موحد. ومن ثم، فإن هناك تحركات عاجلة تقع مسئوليتها بالأساس على الجانب الفلسطيني الذي يجب عليه أن يتحرك في المدى القصير لإنجاز نتائج مؤكد أنه قادر على تحقيقها في الإطار الفلسطيني/ الفلسطيني وذلك كما يلي:

– تفعيل التحركات الأخيرة لإنهاء الانقسامات التي شهدتها اجتماعات الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، وكذا اللقاءات الثنائية والتفاهمات التي تمت بين حركتي فتح وحماس وضرورة تحويلها إلى مصالحة حقيقية تنهى الإنقسام ويجنى المواطن الفلسطيني نتائجها الإيجابية على الأرض. ومن المؤكد أن القيادات الفلسطينية المسئولة تعلم أن الفرصة المتاحة حالياً لإنجاز المصالحة لن تتكرر مرة أخرى.

– التوافق على رؤية سياسية موحدة تتبناها كل من الرئاسة الفلسطينية وكافة الفصائل، ويتم تسويقها فلسطينياً على المستويين الإقليمي والدولي قدر المستطاع، تركز على حل الدولتين بالمفهوم الذي توافق عليه المجتمع الدولي وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية تعيش جنباً إلى جنب في أمن وسلام واستقرار بجانب دولة إسرائيل.

– إبداء استعداد الفلسطينيين الكامل للانخراط فوراً في مفاوضات سلام تستند على هذه الرؤية السابقة، أما دون ذلك فلن تكون هناك أية فرصة لقبول أية تسوية أو خطة أو صفقة مطروحة من أى طرف تتعارض مبادئها وبنودها مع هذه الرؤية.

– التأكيد على الموقف الفلسطيني الرافض للعنف والمعارض للإرهاب بكل أشكاله حتى يظل المجتمع الدولي -رغم محدودية تأثيره- متعاطفاً مع القضية الفلسطينية، مع مراعاة أن تظل المقاومة الشعبية السلمية هي العنوان الرئيسي الذي يعكس ويؤكد سلامة وقوة الموقف الفلسطيني.

وفى النهاية فإن طبيعة الموقف الحالي بصفة عامة تقترب من القضاء التام على مبدأ حل الدولتين طبقاً للمفهوم العربي والفلسطيني والدولي وليس طبقاً للمفهوم الإسرائيلي والأمريكي، مع تأكيدي على أهمية تجنب الحديث عن الفكرة المشوهة والخبيثة والمرفوضة الخاصة بالدولة الواحدة والتي أرى أنها تعنى باختصار إنهاء أو شطب كلمة الدولة الفلسطينية المستقلة من القاموس السياسي للأبد.

وبالتالي، فإن قراءة الواقع تفرض على السلطة الفلسطينية أن تمتلك زمام المبادرة التي بدأتها بشأن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بالشكل الذي يرتضيه ويتقبله الجميع، بحيث يكون هذا هو التحرك الذي يجب أن يحظى بالأولوية والذي نتوقع أن نرى نتائجه قريباً. أما دون ذلك فلا نملك إلا الترقب لأية تطورات قد تحدث وتغير من المشهد الحالي. وفى رأيي يجب ألا نراهن كثيراً على خيار التغيير، بل نركز على كيفية تحصين مواقفنا في مواجهة مزيد من التطورات والتحديات القادمة.

نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

اقرأ ايضا: المأزق الفلسطيني الوطني وفصل المقال في مقالة سري نسيبة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"