ماذا بعد؟ هل الفهم المعاصر للقرآن فعلا دواء ناجع لتخلفنا؟

مشاركة
* د. صافي قصقص 11:14 م، 30 سبتمبر 2020

لقد اعتبرت أن العزلة الاختيارية في الأشهر الماضية بسبب فيروس كورونا نعمة من الله سبحانه وتعالى وفرصة لمراجعة ترجمتي لمعاني القرآن، وقد مضى على صدور الترجمة خمس سنوات فهل انتهى العمل؟ أبدا فالعمل على تحسين الترجمة لازال مستمرا وقد وصلنا بعد التفكر والتأمل للقناعات التالية:

أولا- لا يمكن لشخص واحد مهما كثر علمه وتفانيه في ترجمة معاني القرآن أن يفي القرآن حقه عند ترجمة معانيه.

ثانيا- يجب أن تتشكل مجموعة من العلماء المتخصصون منهم بالعلوم القرآنية، والمتخصصون بشتى أنواع العلوم الطبيعية بما فيها العلوم الإنسانية، من أجل القيام بالعمل سويا على تقديم فهم معاصر لمعاني القرآن الكريم يتشارك فيه الجميع، كل حسب تخصصه.

ثالثا- فهم معاني القرآن مسئولية متصلة لا تنتهي، لأنه طالما فهمنا للكون من حولنا يتعمق و يتسع، فإن فهمنا للقرآن سيتعمق و يتسع. وعلى هذه المجموعة التي شكلناها أن تعطينا ترجمه من خلال عملها المتواصل من أجل فهم أعمق وأوسع لمعاني القرآن ما يفوق ما وصلنا اليه كأفراد.

رابعا- أن فهمنا للقرآن يجب أن يكون دائما فهما معاصرا. فكتاب الله هو الأساس والعلوم التي وصلت إليها الإنسانية كلها تفصيل، لذلك فإن فهمنا يجب أن يعكس آخر ما توصلت إليه العلوم جميعا سواء في علاقات الناس ببعضها، أو في فهمنا لنشؤ الكون والنظام الشمسي أو النعم التي منحنا اياها رب العالمين جلّ وعلا عندما اختار لنا كوكب الأرض بالذات لنحيا فيه ونبني الحضارات، أو في مجال تطوير العلوم البحتة من أجل خدمة الإنسانية، وكيف نعيد تحفيز المسلم لإعادة بناء حضارة كتلك التي بناها أجداده بل تتفوق عليها. ذلك لأنه  بدون الفهم المعاصر لمعاني القرآن،  لن نستطيع كمسلمين النفاذ من عنق الزجاجة التي علقنا داخلها لعدة قرون مضت ولا زلنا عالقين.

خامسا- من أجل ذلك كله أنشأنا اتحادا جديدا يسمى "الاتحاد العالمي لأبحاث القرآن  "International Qura’nic Research Association (IQRA".

وستكون مهمة هذا الاتحاد العمل المتواصل من أجل تقديم فهم معاصر للقرآن سواء عن طريق الأبحاث أو الكتب أو الترجمات الحديثة او الأفلام الوثائقية أو الفيديوهات التعليمية.

إنّ قراءتنا المعاصرة لكتاب الله جاءت من منطلق كونه الرسالة الخاتمة ، فتمعنّا فيه بعين وعقل عصر ما بعد الرسالات على أساس أن الخطاب الإلهي الذي جاء فيه يستوعب كلّ المستويات الإنسانية، بحيث جاء مستوعباً لمستوى الأوّلين الذين قرؤوه بعيونهم وبمستوى معارفهم، وجاء مستوعباً لمستوانا، وبالتالي علينا أن نقرأه بعيوننا وبمستوى معارفنا، كما جاء مستوعباً لمستويات مَن بعدنا من الأجيال الذين يجب عليهم أن يقرؤوه بعيونهم وبمختلف مستوياتهم المعرفية، وهذا يؤكّد مصداقية الرسالة المحمّدية على أنّها رسالة إلهية وأنّها الخاتم وصالحة لكلّ زمان ومكان، إذ لا يمكن أن تكون صلاحيتها إلى يوم الدين إلّا بهذه الصورة.

إن موضوع فهم معاصر لمعاني القرآن ليس موضوع ترف فكري ولا فزلكة أكاديمية، فحال الأمة بجميع مكوناتها في خطر داهم ولا منقذ لنا من هول ما يدبره لنا أعداء الأمة إلا الله سبحانه وتعالى. ففهمنا على اختلاف مستوياتنا الفكرية لما يريده منا رب العالمين هو الطريق الوحيد لتجديد فهمنا للإسلام ككل ولتجديد الخطاب الديني على أسس قرآنية.

إن كتاب الله هو أصل الأصول كلها، وبه صلاح أمور الدين والدنيا والآخرة، وهو إنما نزّل {لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية 13) و{لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة 164) وليعمل به، ولا يمكن أن نعمل بشيء لا نفهمه. ولا ينقص المسلمين اليوم التقدير والتبجيل لكتاب الله، فجميعهم يجله ويحترمه من أقصى قرية في وزيرستان إلى أكبر الحواضر الإسلامية، ولكنه لم يعد نبع المعرفة الذى نستقي منه دستور حياتنا. فكأننا نسينا أنه معاصر باستمرار، سابق لعلوم الدنيا التي لا يمكن لها أن تسبقه لو فهمنا أن علينا استقرأ معانيه المعاصرة ما حيينا. لذلك فأن كيفية تناولنا للنص القرآني هي التي ستحدث الفارق، وستؤدي الى النتائج المرجوة.

والسؤال هو، هل نعتبر النص حرا نتناوله وكأنه أنزل علينا بالأمس فنتفاعل معه، أم أننا سنكون مكبلين بفهم من سبقنا بدون أن نحيد عنه على اعتبار أن فهمهم كان كاملاً؟

إن عدم فهم القرآن والرضى بالأمر الواقع، واعتقادنا بأن فهمنا التراثي للقرآن كامل، يعنى ذلك عدم ارتفاع العلم بل وزواله، فزوال العلم يكون بعدم وجود من يسعى لتحصيله باستمرار، ويكون بعدم العمل به، فمن لم ينفع الناس ولم يعمل بالعلم الذي اكتسبه في حياته، فلا جدوى من علمه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن العلم يرفع من الناس، رغم  أن أصله موجود، لكن لمّا لم يستفد الناس منه، ويفهموه حق فهمه كان وجوده وعدمه سواء.

وفي اعتقادي أن الأمة التي تعرض عن تعلم القرآن وفهمه مع كونها ملتزمة بالشعائر، قد يبتليها الله تعالى بالإنشغال عن القرآن والإنصراف إلى غيره. فإن الله أخبر في كتابه أن من جاءه العلم ثم أعرض عنه وهجره فإن الله يورثه جهلاً ويصرف قلبه عن فهم العلم والتعلق به ويعاقبه. وهذا في اعتقادي هو السبب الأساسي في ما نحن عليه اليوم من هوان وفرقة وتفتت وضعف.

وقد يعلم كل من شغل قلبه بأحوال المسلمين إن حالهم اليوم سيء جدا فنحن اليوم شعوب متشرزمة، متناحرة، مستهلكه لا تنتج شيئا، وقد تكالبت عليها الامم من كل حدب وصوب.

والأهم من ذلك كله هو أن الانسان المسلم يعاني من الهزائم المتكررة سواء من الطامعين بثرواته من الخارج أو من المستبدين في الداخل.

إن الحضارة لا يبنيها الإنسان المهزوم الممتهنة كرامته والمسلوبة حقوقه. فلو عدنا إلى القرآن لوجدنا أن من مقاصده الأساسية أن يعلمنا أنه لا عبودية الا لله، و أن الحرية هي الأساس لبناء الإنسان السوي الذي يعبد ربه بإرادته الحرة و باختياره. ولن يستطيع المسلم أن يكون إنسانا فاعلا في هذا الكون إلا لو استرد حريته وأحس بكرامته وبقدرته على التغيير. 

وفي تقرير للأمم المتحدة عن التنمية، أشيرَ إلى أن ما يترجمه بلدٌ مثل إسبانيا في عام واحد يعادل كلَّ ما تُرجِمَ من كتب إلى اللغة العربية – وهي أهم لغات العالم الإسلامي – خلال عشرات السنين الماضية!

 ومن المثير للأسى أن مشاكل العالم الاسلامي معقدة وهي لن تنتهي بمشروع كالذي نحن بصدده، ولكنها الخطوة الأولى في مسار الألف ميل وعلينا أن نخطوها ونأمل أن يكون فهم القرآن حق فهمه سبب لوجود الألفة، واجتماع القلوب، وزوال الخلاف المذموم، وهذا هو المطلوب الآن.

إضافة إلى ما أسلفنا، فإن آفاق خروج العالم الإسلامي من مأزقه الراهن يتوقف على نشر ثقافة بديلة وترسيخها؛ ثقافة تحلُّ محلَّ الثقافة اللاعقلانية التي تحكم العالم الإسلامي اليوم في مجالات السياسة والقانون والاقتصاد والتعليم الموروث والقيم الثقافية والاجتماعية، لأن هيمنة الثقافة اللاعقلانية التي تنتمي إلى فضاء القرون الوسطى أفضى إلى إلغاء الحريات وتبرير الجهل والتخلف وانتشار الاستبداد السياسي والديني.

إن غاية الثقافة العقلانية المتنورة البديلة تتلخص في فرد مستقل قادر على التفكير، ومجتمع حر قائم على تعاقُد اجتماعي بين أفراد أحرار تماما، كالعقد الاجتماعي الذي اعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسكان يثرب قبل ان يغير اسمها للمدينة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اعتمادنا عليه ويقيننا فيه واستسلامنا له وثقتنا به وتفويضنا إليه.

اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك ومن التفويض إلا إليك ومن التوكل إلا عليك ومن الإنابة إلا لك ومن الرجاء والأمل إلا من بين يديك الكريمتين، اللهم اهدنا سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.

* مخطط استراتيجي ومؤسس جامعة المشرق والمغرب بشيكاغو