كورونا.. وتجارب الحياة في الحظر المنزلي

مشاركة
* جيهان فاروق الحسيني 01:34 ص، 28 سبتمبر 2020

«مفيش مدرسة بكرة» هذا ما تبادر إلى خاطري فور علمي أن الرئيس أنور السادات فرض حظر التجوال في مصر، من أجل مجابهة أحداث 18/ 19 يناير عام 1977.

بالنسبة لي حظر التجوال كان حدثا مميزا، فلقد تمكنت فيه وعلى غير العادة، من مشاهدة التلفزيون حتى ساعة متأخرة، فالنظام المتبع في منزلنا لم يكن يسمح بالسهر خلال أيام الأسبوع.

استيقظت في الصباح التالي براحتي، ونظرت من الشباك فرأيت جارتنا «شهيرة» بشعرها الملفوف بالرولو وبملابس البيت تقطع الشارع باتجاه بيتنا، فلقد كنا نقيم في بيت يبعد عن السوق في شارع فرعى هادئ في حي مصر الجديدة. وكانت شهيرة (رحمها الله) تقطن في المنزل الذى أمامنا، تأتى دائما بدون موعد مسبق، فلقد أصبحت (بحكم العشرة) واحدة من العيلة.

كان وجودها كافيا لإضفاء أجواء المرح والبهجة على المكان، فلقد كانت مفعمة بالحيوية، لها طلتها وحضورها المميزان، ودائما في جعبتها الكثير من القصص الشيقة والمتنوعة والتي لا يخلو معظمها من الأكشن. والجلوس معها فى غالب الأمر يتحول إلى قعدة فى ركن هادئ من البيت، وحديث هامس، يتخلله ضحكات خافتة وخصوصيات نتبادلها بصوت منخفض كى لا يسمعها أحد، بالرغم من أن شهيرة لم تكن تعترف بالأسرار فحياتها كانت كتابا مفتوحا.

***

تجارب الحظر المنزلي المفروضة علينا من أجل مواجهة فيروس كورونا، أعاد إلى ذاكرتي تجارب الحظر التي بدأت في مصر الجديدة.

تجربتي الثانية مع حظر التجوال كانت على طرف النقيض من تجربتي الأولى، وذلك عندما كنت فى زيارة لأقاربي فى فلسطين المحتلة، وكان من المفترض ألا تتجاوز العشرة أيام، لكنني علقت هناك، وامتدت الزيارة لأربعين يوما، لم يكن الأمر بإرادتي، فلقد وقعت عملية فدائية فى الضفة الغربية فور وصولي، فأغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي جميع المنافذ والجسور والمعابر ومنعت الفلسطينيين من السفر.

هذا العقاب الجماعي إجراء متعارف عليه تقوم به إسرائيل عقب حدوث أي عملية فدائية، وخلال الأعياد اليهودية.

تم إعلان حظر التجوال لعدة أيام... في بداية الأمر شعرت بأنني حبيسة بين جدران المنزل فى الداخل وبين سجن كبير في الخارج، أرى الخطر يهددني، فهناك لا توجد للبيوت حرمة، قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم المنازل ليلا ونهارا وأحيانا يقومون بذلك فقط بغرض استفزاز الفلسطينيين، تحت ذرائع أمنية.

وبدأت أبحث عن سبيل يخرجني من هذا المأزق، نصحني عدد من أقاربي بألا أهدر وقتي وطاقتي بلا طائل، لكنني لم أستسلم، وبالفعل أجريت اتصالات بعدد من الشخصيات الفلسطينية الوازنة منها فيصل الحسيني والدكتور حيدر عبدالشافي وإلياس فريج (رحمهم الله).. جميعهم بلا استثناء عبروا لي عن دهشتهم إزاء ما أتطلع لتحقيقه، وكأنني جئت من كوكب آخر، فهذا احتلال غاشم قبيح أصم قطعا لن يكون هناك أي صدى لما أسعى له، وبالفعل جميع محاولاتي باءت بالفشل لاصطدامها بأوامر الحاكم العسكري الإسرائيلي.

قضيت معظم أوقاتي بين مدينتي رام الله ونابلس، وأذكر في أول يوم بعد رفع حظر التجوال خرجت إلى الشارع، رأيت دوريات الجيش الإسرائيلي تجوب الحى مدججة بالسلاح ومحملة بجنود يصوبون بنادقهم تجاه المارة وأصابعهم على الزناد، وبينما كان الفلسطينيون يتعاملون مع الأمر وكأنه عادى، كنت أراه مرعبا، ذكرني بالمشاهد التي نراها فى أفلام الرعب.

***

وفى يوم ذهبت إلى السوق وتم إلقاء قنبلة غاز، وكدت أختنق، وسمعت إطلاق نار عشوائي، قريبتي قالت لى: هذه طلقات مطاطية، وكأنه بإمكاني أن أميز بين طلقات الرصاص وبين الطلقات المطاطية، التى أصلا لم أكن أعرف ماهيتها؟

ومازالت أذكر في نابلس عندما سقط ابن أحد الجيران شهيدا، وخرج جميع الجيران ووقفوا أمام منازلهم يهتفون بالروح بالدم نفديك يا شهيد، وهتفت معهم ودموعي تساقطت بالرغم من عدم معرفتي بالشهيد أو بأهله، لكن جلال المشهد هزني ولم أنسه حتى اللحظة!

وفى رام الله شاهدت أسرة تركض مسرعة من أجل سحب جثمان ابنهم الذى استشهد للتو، خشية من خطف الجنود الإسرائيليين لجثمانه، لاستخدامه في عمليات زراعة الأعضاء في المستشفيات الإسرائيلية.

***

لقد أصبحت أعيش الحدث، بل وتوحدت معه وصرت جزءا منه، وأدركت أن هذا ليس كابوسا بل تجربة فريدة جعلتني أشعر بكم المعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون، ورغم ذلك فإن إرادة صمودهم كانت أقوى من الانكسار.

لقد اكتشفت بأنني كنت مغيبة.. فبالرغم من حرصي فى السابق على متابعة أحداث الانتفاضة الفلسطينية على شاشات الفضائيات وتعاطفي الشديد وحماسي لها، إلا أنى كنت أنشغل واستكمل حياتي اليومية كالمعتاد لا يوقفني شيئا، لكن بعد رفع منع السفر وعودتي إلى القاهرة بسلام، منذ ذلك اليوم تلاشى هذا الحاجز، بت أشعر بعذابات الآخرين، فما عشته في الضفة الغربية من أيام عصيبة معدودة، لم أتصور أننى سأطيقها، هو نهج حياة في قطاع غزة.

ناهيك عن الحصار غير الآدمي الذى يخضع له مليونا إنسان من أبناء غزة منذ أكثر من 14 عاما، فهم محرومون من السفر، حتى ولو بغرض العلاج أو التعليم أو من أجل لم شمل الأسرة، عدد كبير فقد وظائفه وفقدوا إقاماتهم فى الخارج، ناهيك عن المشاكل الاجتماعية التي استفحلت جراء هذا الحصار المجحف.

صديق لى لم يتمكن بسبب الحصار من الذهاب إلى غزة لوداع أمه التي كانت على فراش الموت، ولم يتمكن من الذهاب إلى غزة للوقوف بجانب والده لتقبل العزاء بوالدته.. وهناك مآسى أفظع من ذلك بكثير، وكلما كنت أسمع عن قصص المآسي من الأقارب والأصدقاء الذين يعايشونها فى قطاع غزة، أشعر بالغيظ من تجاهل المجتمع الدولي، وأتساءل كما تساءل نجيب محفوظ فى إحدى رواياته «أما آن لهذا العذاب من نهاية»؟

لقد استطعت أن أتصور بشاعة الحادث الذى أخبرتني عنه صديقتي العراقية (نيران) وهى تصف لي كيف سقط عشرات الشباب قتلى ضحايا لتفجير إرهابي فى بغداد.

وتمكنت من تخيل حجم المأساة عندما ذهبت لدار عزاء أصدقاء سوريين هنا فى واشنطن، قتل شقيقهم في حلب بعد إصابته برصاصة طائشة أثناء تبادل النيران بين الشرطة ومجموعة إرهابية في الحى الذى يقطنون فيه.

 

نحن اليوم جميعا نواجه مصيرا مشتركا، معظمنا يقبع آمنا في منزله بمعزل عن الآخرين من أجل الحفاظ على سلامته، لكن هناك أصوات كثيرة لا تكف عن الشكوى من الملل ومن الوحدة ومن الانزعاج ومن ضجيج أطفالها ومن الشعور بالاكتئاب.. إلخ.

لعلها فرصة سانحة أتاحها لنا فيروس كورونا لكى ننفض عن هذا الكم من الفردية، وأن نخلع عباءة الذات التي تكبلنا، وأن نتحرر من جميع القيود وأن ننظر حولنا.

ليس بالضرورة أن تعيش تجارب الآخرين كي تشعر بهم، يكفى أن تعيش تجربة واحدة وإن كانت مختلفة، حتى تتعايش مع مآسي الآخرين.

* صحافية وكاتبة من أسرة دار الحياه