تاه ‏بنو إسرائيل أربعين سنة ونحن تائهون منذ مئة عام بعد قرون من الجمود

مشاركة
* د. عبدالحي زلوم 12:20 ص، 28 سبتمبر 2020

نحن اليوم على عتبة قرن ثوري واصلاحي جديد بعد ان اشهر النظام الرسمي العربي إفلاسه

نحن ما بين عصرين:

اقرأ ايضا: ما بعد حديث الانتخابات الفلسطينية

بدأ عصر التيه مع بداية القرن العشرين وتم تكريسه بطريقة مؤسسية في الوطن العربي و بلاد فارس بدول وظيفية انتهت مهماتها وأصبحت بلا وظائف ولعل آخر مهامها هو ما يسمى بالتطبيع بعدها يتم قراءة الفاتحة على الواحدة منها بعد الاخرى.

 بدأ التمهيد للنظام الشرق أوسطي الجديد قُبيل الحرب العالمية الأولى ذلك بخلع السلطان عبد الحميد الثاني في الدولة العثمانية سنة 1908  والشاه محمد علي  في الدولة القاجارية الفارسية   سنة 1909 ولنفس السبب لأنهما لم يلتزما بدستور وضعه عملاء الحركات السرية المشبوهة .  وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت مأسسة  النظام الرسمي العربي بتقسيم  الوطن العربي إلى دول (قومية_ Nation State ) . وكانت البداية بقيام الإستعمار بواسطة حركاته السرية الماسونية بإيصال كمال أتاتورك في تركيا إلى رئاسة الدولة والغاء الخلافة سنة 1924 وبالتوازي إيصال رضا بهلوي في الدولة القاجارية إلى رئاسة الدولة وإلغاء الحكم الديني القاجاري سنة 1925. كذلك تم اسبدال أسماء الولايات العربية إلى دول تحمل أسماء ما قبل الإسلام وتم ابدال اسم بلاد فارس لتصبح ايران  .

يمكننا أن نسمّي عصر التيه العربي بأنه عصر حكم الماسون وعصر الدولة القومية، فقد كان كمال أتاتورك من يهود الدونمة وكان ماسونيا كما كان نظام الشاه رضا بهلوي ماسونياً وأعلن محمد رضا بهلوي رسمياً أنه ماسوني في 25فبراير عام 1951، وفي 25 ابريل 1952 نال القطبية الفخرية للشرق. كما سيفاجئ الكثيرون بأن زعماء حركات وأحزاب الثورة على تركيا  كانوا من الماسون وأن ما يسمّى بقادة ونخبة الحكم في النظام الرسمي العربي كانوا أعضاء  في هذه الحركة التي لا تخفي أن هدفها الأعظم هو إعادة بناء هيكل سليمان على جبل الهيكل أي المسجد الأقصى.

حارب أتاتورك ورضا بهلوي كل ما له علاقة بالإسلام واللغة العربية لدرجة أن رضا بهلوي أمر جنوده بنزع الحجاب عن رؤوس النساء بحراب بنادقهم . وارادا قطع أي علاقة بين بلديهما  والتاريخ الاسلامي والعرب.

قامت محاولات حركة تحرر وطنية على اسس قومية وخصوصا في بداية الخمسينات كما في حركة محمد مُصدّق بتأميم النفط  سنة 1951  ، وبعدها بسنة فقط بحركة الضباط الاحرار سنة 1952 بمصر والتي بدأت كحركة وطنية محدودة الاهداف بطرد الانجليز. من الموثق أن كيم روزيفلت عميد مخابرات الCIA كان له دور مباشر معروف في الإنقلابين ومن الملاحظ أيضا أن هناك مايسترو يخطط وينفذ من وراء ستار في كافة أقطار الشرق الأوسط بالتوازي . إلا أن حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر اكتشفت أن الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية فبدأت تتطور من حركة وطنية الى حركة قومية بل ومحاولة ان تكون حركة اشتراكية عقائدية .

لا أحد يستطيع أن ينكر أن عبد الناصر كان وطنياً ومخلصاً وصاحب  كاريزما .  ولا أحد يستطيع أن ينكر أنه حاول قيادة ثورة اجتماعية وسياسية وأنه استطاع أن يخطو بمصر لتصبح  قوة مؤثرة عربياً وافريقياً وعالمياً وأنه كان أحد أبرز ثلاثة من زعماء عصره .  ولا أحد يستطيع أن ينكر أن القوى التي حاربته كانت قوى عاتية يئست من محاولة افساده شخصيا ً لكنها تمكنت من اختراق نظامه بالطول والعرض بدءا بمن اختاره ليكون نائباً له وليس انتهاءا  بقيادة جيشه برئاسة البكباشي والذي أصبح مشيراً بقدرة قادر . ولا أحد يستطيع أن ينكر أن بطانة عبدالناصر كانت مخترقة من الأعداء بدءا من زوج ابنته وليس انتهاءا برجال حكمه الذين كانوا يقضون أيامهم بالحلال وبالحرام مع فنانات مشبوهات لم يكن بعيدات أو منزهات عن العمالة مع العدو.  ولا يمكن لعاقل إلا أن يستنتج أن قيادة العدو كانت مخترقة للقيادة العسكرية لدرجة أنها كانت تتحكم بأدق التفاصيل كترتيب الحفلات للطيارين قبل يوم الهجوم أو كسحب جميع قادة الألوية والعمليات من سيناء ليجتمعوا في أحد المطارات في نفس دقيقة وساعة قصف تلك المطارات والهجوم البري على جيش بدون قادة عملياته والويته .

 بعد هزيمة 1967 ومواجهة عبد الناصر للحقيقة بدأ بتغييرات عميقة انتجت جيش تحرير قناة السويس والذي كان يمكن أن يسترجع سيناء وما بعدها لولا التآمر السياسي لمن انتخبه هو شخصيا نائبا له والذي قام بمسح منهجي لجميع انجازاته.

****

بيع وطن مقابل قصاصة ورق:

كنت في صالة مطار  نيودلهي انتظر ركوب الطائرة الأردنية العائدة إلى عمان في منتصف كانون الثاني 2004 بعد إنهاء رحلة عمل  . سألني أحد المسافرين الجالس بجانبي ونحن في صالة  الإنتظار: لا أدري أين شاهدتك؟ ثم أضاف: “هل كنت في برنامج ( بلا حدود ) مع أحمد منصور في قناة الجزيرة في حوار حول احتمال  غزو الولايات المتحدة للعراق ؟  فأجبت بنعم. بعد صعودنا للطائرة كان رقم مقعدي 2ِ A طلب رجل  في الستينات من عمره من المضيفة أن يجلس بجانبي فقلت أهلاً وسهلا ً.  قال لي سمعت  حواركم في صالة الانتظار ولدي شركة تعمل في مجال الطاقة أرغب بعملها في العراق لو كان لكم اهتماما بذلك. فسألته لم نتعرف على بعض . فقال أنا الجنرال في الاحتياط فريدي زاك وكنت  القائد العسكري للادارة المدنية في الضفة الغربية، وأنا مسافر لتل أبيب عن طريق مطار عمان . ثم أضاف: إذا كان لديك مشكلة بالتعامل مع شركة إسرائيلية فلدي شركة أمريكية ايضاً.  فكرت أن أنهي الموضوع.

لكنني قلت ولم لا أعلم شيئا أكثر ولدينا 5 ساعات من السفر.  كان الأمريكيون قد اعتقلوا صدام حسين قبل ذلك بأسابيع . فسألته : كيف ترى الامور ؟ فأجاب سألني السفير الامريكي نفس السؤال قبل رحلتي للهند فأجبته من الأفضل أن تسلموه إلى العراقيين وتقولوا لهم جئنا لنحرركم منه وهذا هو والسلام عليكم .  استغرب السفير الامريكي ان يكون هذا رد جنرال اسرائيلي فأجابه الجنرال هذا رأيي المهني وليس رأيي بما احب وبما لا احب. سألته ما هي  اصوله  فأجاب انه من البصرة بالعراق  وان اسمه كان فريد قبل أن يغيره إلى فريدي . سألته كيف كانت معاملة العراقيين لليهود . قال كانت ممتازة الى ان  تم انشاء دولة اسرائيل . سألته  :  يقال أن أحد القناصة من جيشكم شاهد ياسر عرفات اثناء حصار بيروت وسأل القيادة هل يطلق عليه النار أم لا فأجابوه بلا . هل هذا صحيح ولماذا ؟

قال: صحيح ولكن لا أعرف السبب. سألته ما يشاع عن والدة سهى عرفات ريموندا الطويل أنها تتعاون مع المخابرات الاسرائيلية فهل هذا صحيح ؟ فأجاب: لو كنت أعرف لن أجيبك لكنها كانت امرأة ودودة وصديقة . عند اقتراب الطائرة للهبوط كتب لي بخط يده اسمه ورقم هاتفه وبريده الالكتروني وقال أن كان لك رغبة بالتعاون أرجو الإتصال بي فأنا أتردد الى عمان كعضو في لجنة المياه الاسرائيلية الأردنية المشتركة. طبعاً لم يسمع مني ولم أسمع منه .

في عصر التيه يتساءل المرء لماذا تذهب المخابرات الاسرائيلية إلى تونس لتغتال أبو إياد أو أبو جهاد، أو إلى دمشق لاغتيال عماد مغنية أو إلى بيروت لاغتيال القياديين الثلاثة ( كمال ناصر، كمال عدوان، محمد يوسف النجار ) ؟ لماذا

تستنفر المخابرات الأمريكية كل أجهزتها وأقمارها الصناعية لتحديد مركز سقوط طائرة ياسر عرفات في الصحراء لتعيده سالما غانما إلى منظمة ( التحرير ) الفلسطينية التي حولها النظام الرسمي العربي بجامعته ( العبرية ) إلى احدى مؤسسات النظام الرسمي العربي وبدون تخويل من أحد وبدون أي شرعية أن تصبح منظمة عرفات الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني لكي يتنازل في هذه الصفة اولا على 78%  من فلسطين مقابل قصاصة ورقة تقول أنه المفوض الشرعي لاقتراف هذا الذنب نفسه، ثم ليقوم عن طريق اتفاقية أوسلو بتحويل الأبطال المجاهدين من المغرر بهم وادخالهم إلى ما تبقى من فلسطين ليصبحوا حراسا للاحتلال ولعمليات استيطانه في ما تبقى من فلسطين . ثم يتساءل المرء كيف اختار محمود عباس نائبا له وهو يتفاخر أنه لم يحمل سلاحا في حياته ولا يعرف كيف يطلق رصاصة ؟ ثم لماذا ذهب إلى أوسلو وقد نصحه العارفون بدهاليز الإحتلال والولايات المتحدة مثل البروفيسور ادوارد سعيد مثلا فاختار موظف بنك ومدرس لتمثيل شعب فلسطين في أوسلو بينما كانت هناك مفاوضات علنية في مدريد  من  شرفاء أهل فلسطين كحيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني؟  ثم كيف تكون باكورة أعماله في سلطته بفلسطين قمع أشرف ثورة قام بها الشعب الفلسطيني وزج مقاوميها في سجونه من قبل أجهزة أمنية قامت مخابرات العدو المحتل والمخابرات المركزية الامريكية بإنشائها ؟ خلال سنة من أوسلو  قامت أكبر دولتان عددا في العالم وهما الصين والهند بالاعتراف بالكيان المحتل وتوالت الاعترافات وبدأ  اعتراف دول النظام الرسمي العربي التي كانت مطبعة من يوم انشائها في السر بالانتقال الى التطبيع خطوة خطوة إلى العلن فكيف  يطالب ادعياء الثورة الفلسطينية المطبعين والمتعاونين لحماية الاحتلال من غيرهم من النظام الرسمي العربي من عدم فعل الشيء المشين نفسه ؟ ثم لا يعرف احد كيف تعرّف على سهى عرفات. صحيح  أن ذلك أمر شخصي لكن عندما يكون الامر يتعلق برئيس حركة تحرير ويختار من  سيشاركه اسراراه يصبح الامر أمر عاما وخصوصا أنه حسب الاقاويل فإن هناك في الامر إنّ ….! لكن الآن قد أصبحت علانية فلقد اختارت أرملة ( الشهيد ) من باريس أن تلقي تصريحا عبر قناة تليفزيون اسرائيلية أن تطبيع بعض دول الخليج ليس به مشكلة فالسلطة نفسها مطبعة …!

حدثني صديقي الصدوق والموثوق  وهو من عائلات غزة المعروفة أنه ذهب لمقابلة ياسر عرفات بعد معاملة وحشية للأمن الوقائي لأحد أقاربه . وكان عدد من مسؤولي المنظمة ينتظرون في مكتب مدير عرفات رمزي الخوري وتأخر عرفات . دخل عليه صديقي وكان وقت آذان العشاء وكان الغضب واضحا جدا على ملامحه ووضع سجادة صلاة ليصلي العشاء . سأله صديقي ما الأمر فقال عرفات: أخبرني الأمريكان أن هناك مؤامرة على زوجتي وابنتي الوليدة في المستشفى الأمريكي في باريس وأنهم أخذوها لحمايتها إلى أحد ال(safe houses  ) أي أوكار ال CIA  التي يستعملها عملاءها.  ثم التفَت إلى الحضور في مكتب رمزي الخوري وقال لهم : ” الوقت ده وقت الصلاة … حتقول عنّا حماس ايه لو شافوكم قاعدين كده ! ” صلّى صديقي  مع عرفات . قلت لصديقي وهو يعلمني بهذه القصة يبدو أنه يخاف من حماس أكثر من خوفه من الله !

هل هكذا رجال يستطيعون ان يقودوا ثورة؟ ام عصابة؟

*****-

والخلاصة :

الفيلسوف والمؤرخ والانثروبولوجي والمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931 )جاء في كتابه حضارة العرب  ان الحضارة ترجع في النهاية إلى عدد محدود من المبادئ التي يجُمع عليها الأفراد. ومن أكثر المبادئ تأثيراً في الحضارة المبادئ الدينية، لأن أعظم الحوادث التي مرَت على البشرية عبر التاريخ كان منشأها الاعتقاد الديني.

 الحضارة العربية الاسلامية هي هوية جامعة  بناها عبر التاريخ  المسلم والمسيحي والعربي والفارسي والكردي والامازيغي  وهي هوية جامعة لكل هذه المكونات الدينية  تسمح للهويات الفرعية والدينية ان تمارس هوياتها في  سجام ووئام  (والكل على دينه الله يعينه) . وبهذا التعريف يكون الاب مانويل مسلم والبطريرك الارثوذكسي عطالله حنا   من ابناء هذه الحضارة وليس منها  من يقول الحرام حتى من منبر بيت الله الحرام !

نحن اليوم  في بداية عصر جديد، حددت معالمة الثورات بشكل حركات مقاومة  كما في حركات المقاومة الإسلامية في الوطن العربي، والاصلاحية في تركيا.

إن أكثر ما يرعب الغرب هو ليس في طقوس الدين الاسلامي وإنما في الثورة الاجتماعية  والاقتصادية التي جاء بها، لا أستطيع أن أبالغ بمدى ثورية مبدأ الغاء أن يولّد المال مالاً (الربا) دون الدخول في دورة الانتاج . هذا المبدأ وحده كفيل بنسف النظام المالي الإمتصاصي المتوحش الرأسمالي اليوم من أساسه ولهذا يتم محاربة الاسلام من أصحاب رؤوس الاموال  الصهاينة العالميين من يهود ومسيحيين ومسلمين. ويتشارك الدين المسيحي في ذلك  إذ حسب ما جاء في الإنجيل (مت 21: 12-19)” وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ، وَقَالَ لَهُمْ: “مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!”

* مستشار ومؤلف وباحث

المصدر: رأي اليوم

اقرأ ايضا: التسابق العربي نحو التطبيع : تحيا إسرائيل وتسقط فلسطين

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"