هل سيجلب انتخاب جو بايدن الجديد للفلسطينيين؟

مشاركة
د. سنية الحسيني 12:53 ص، 26 سبتمبر 2020

رغم التغيير الذي قد يحدثه انتخاب (جو بايدن)، مرشح الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي، على الأوضاع الداخلية للولايات المتحدة، إلا أن ذلك ليس الحال بالنسبة للفلسطينيين. ففي حين يتضح عمق الفجوة ما بين أجندة الحزبين الديمقراطي والجمهوري فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، تقترب أجندة الحزبين فيما يتعلق بموقفهما تجاه إسرائيل بما ينعكس على القضية الفلسطينية. فلن يعيد (بايدن) في حال انتخابه رئيساً للولايات المتحدة نهاية هذا العام السفارة الأمريكية من القدس إلى تل أبيب، كما أنه لن يجبر إسرائيل على التراجع عن ضم أكثر من ثلث الضفة الغربية، في حال أقدمت إسرائيل على تنفيذ الشق الخاص بالضم الذي حددته خطة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) والتي أطلق عليها "صفقة العصر"، إلا أنه لن يعترف به  أيضاً. وهناك شكوك بإمكانية لإقدام إسرائيل على ضم تلك الأراضي، قبل موعد الإنتخابات الأمريكية والمقررة في شهر نوفمبر من هذا العام. فتنفيذ الضم في ذلك الوقت من شأنه أن يزيد من فرص انتخاب (ترامب) في اللحظات الأخيرة، وتحييد قرار (بايدن) المعارض للقرار الإسرائيلي بالضم، في حال انتخابه رئيسا للولايات المتحدة، بالإضافة إلى تحسين فرص (نتنياهو) الإنتخابية.

وقد تكون قضية الوحدة بين مكونات المجتمع الأمريكي المتصارعة هي القضية الأولى التي يوليها (بايدن) اهتمامه في دعايته الإنتخابية. وقد جاء لذلك كنتيجة لما شهدته حقبة الرئيس (ترمب) من تصاعد لحالة من الإنقسام أشعلت الشارع الأمريكي أكثر من مرة، وأوصلت البلاد إلى حالة احتقان غير مسبوقة. فاستعان (بايدن) في حملته الإنتخابية شعار "استعادة روح أمريكا"، والتي استمدها من حادثة شارلوت فيل عام ٢٠١٧، عندما قتل أحد المتظاهرين المعارضين للعنصرية على يد أحد العنصريين البيض، والذي فتح الأبواب على مصراعيها لسلسلة حوادث القتل العنصري في الولايات المتحدة على يد أفراد من الشرطة أو المتعصبين البيض، والذي لم ينجح (ترامب) في إخفاء تعاطفه معهم. ولا تعتبر قضية الإنحياز إلى القومية البيضاء من قبل الحزب الجمهوري أو دعم مكانة المواطنة للملونين الأمريكيين بالقضية الجديدة، بل شكل ذلك التمايز أساسا للتمييز بين الحزبين في العقود الأخيرة. إلا أن حالة الإستقطاب الشديدة التي شهدتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس (ترامب) وتكرار الجرائم العنصرية، جعل منها قضية مركزية في الدعاية الانتخابية الآنية.

عين (بايدن) كنائب له (كامالا هاريس)، وهي المرة الأولى التي تترشح فيها امرأة وملونة لهذا المنصب. كما حرص الحزب الديمقراطي على اختيار ممثلين عنه خلال فترة دعايته الإنتخابية بما عكس حالة التنوع السكاني التي يتصف بها المجتمع الأمريكي. في حين ركزت الدعاية الإنتخابية للرئيس (ترامب) وحزبه الجمهوري على تقديس القومية البيضاء. فمثل الحزب الجمهوري في دعايته الإنتخابية عموماً رجال ومن أصل أبيض وكبار في السن. كما عمل (ترامب) على تسيس الحكم في سابقة جديدة، بعد مشاركة اثنين من وزرائه في القاء خطابات خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، بما يخالف القانون الذي يمنع الموظفين الحكوميين من لعب أدوار سياسية حزبية.

ركز (بايدن) في دعايته الانتخابية على أن الرئيس (ترامب) فشل في حماية الشعب الأمريكي من فايروس كورونا، تماما كما فشل في حمايته من الإنقسام المجتمعي. فتعهد (بايدن) بالعمل على إقرار تفويض وطني للتعامل مع الوباء وفرض الزام عام بارتداء القناع بغرض الحماية منه.  وشكلت مسألة ارتداء القناع للوقاية من الوباء، حالة من الإنقسام المجتمعي أيضا ما بين أنصار الحزب الجمهوري بقيادة الرئيس (ترامب) وادارته، الذين رفضوا ارتداءه، معتبرين أن ذلك يعكس حرية قرارهم بما ينسجم مع النزعة الفردية التي تمجدها المبادئ الأمريكية، بينما تبنى الديمقراطيون وأنصارهم ضرورة ارتداء القناع حفاظاً على سلامة البلاد من انتشار الوباء.

أما فيما يتعلق بفلسطين والشرق الأوسط، فشدد (بايدن) خلال دعايته الإنتخابية على ضرورة الإلتزام بأمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، وضرورة ضمان تفوقها العسكري النوعي مقارنة بدول المنطقة. ورغم تأكيد (بايدن) التزامه بحل الدولتين، ومعارضته أيضا لأي خطوات أحادية الجانب بما فيها خطوة الضم، أسقط (بايدن) أي إشارة لإسرائيل كدولة احتلال. ورغم تأكيد (بايدن) نيته بإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية عند توليه الحكم، وإعادة السماح لبعثة منظمة التحرير بالعمل في واشنطن، إلا أنه لم يعلن عن نيته بإعادة السفارة الأمريكية إلى تل أبيب التي نقلها سلفه إلى القدس، كما أنه لم يتطرق إلى تعديل الوضع القانوني لبعثة منظمة التحرير في واشنطن، والقائم على أساس اعتبارها منظمة إرهابية، يسمح لها بالعمل بشكل استثنائي بناء على تفويض رئاسي يجدد كل ستة شهور.

ولا يعارض الديمقراطيون حصار غزة، ويتعاملون معه كقضية إنسانية، دون توجيه أصابع الإتهام لإسرائيل. ولا تخرج مقاربة الحزب الديمقراطي تجاه غزة عن مقاربته العامة للمنطقة، فالديمقراطيون يميلون إلى المبادرات السطحية التي تقوم على أساس شكلي دون محاسبة أو حتى معاتبة للمتسبب في تلك السياسات خصوصاً إذا كان وراؤها إسرائيل، بما يعكس دبلوماسية القبول والدعم لتلك السياسات لكن دون تحمل تبعات ذلك القبول. فدعا (بايدن) إلى ضرورة إيجاد حل سياسي في سوريا ودعم التوجهات الدبلوماسية لحماية الإحتياجات الإنسانية فيها، لكن دون التطرق إلى العقوبات الأمريكية عليها، تماما كدعوته إلى مساعدة اللبنانيين لتطوير مستقبل سياسي واقتصادي مشترطا أن يكون ذلك دون وجود فساد.

ورغم أن (بايدن) يدعم المساعي الدبلوماسية للتعامل مع الملف النووي الإيراني ويؤيد الحوار مع إيران، وصرح عن نيته باستعادة الخطة المشتركة للعمل معها بإعادة إحياء الإتفاق النووي، الذي أبرم في زمن الرئيس الأمريكي الأسبق (باراك أوباما)، كما يعارض السياسة الأمريكية القائمة على أساس تغيير النظام فيها، إلا أنه يرفض تطوير إيران لنظامها الصاروخي البالستي، وينتقد تدخلها في دول المنطقة كما ينتقد سياساتها الداخلية القائمة على أساس قمع المعارضة. وفي حين أكد (بايدن) على عدم نيته دعم الأنظمة الإستبدادية بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة، وعدم دعمه لإستمرار الحرب في اليمن أو الصراعات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط أو الحروب بالوكالة فيها، إلا أنه شدد على توجهه لدعم التحديث السياسي والإقتصادي في السعودية، وتمكين الحلفاء الخليجيين في العراق، خصوصاً في ظل توجه الولايات المتحدة لخفض التواجد الأمريكي في العراق وسوريا، مؤكدا على ضرورة الإعتماد الأمريكي على وجود الحلفاء بالمنطقة.

ورغم عدم إشارة (بايدن) إلى قضية التطبيع بين العرب وإسرائيل، إلا أن مجرد تأكيد النية الأمريكية بالإنسحاب من المنطقة يدعم هذا التوجه في إطار التصدي للخطر الإيراني المروج له. من الواضح أنه ليس هناك جديد في سياسة (بايدن) الخارجية تجاه الشرق الأوسط عموما والقضية الفلسطينية خصوصا، باستثناء الإنفتاح في اطار الملف الإيراني، في تطابق مع توجه سلفه وشريكه الديمقراطي (أوباما). فجاء تركيز (بايدن) على استبدال سياسة (ترامب) غير الدبلوماسية تجاه إيران بأخرى أكثر دبلوماسية، لكن دون أن يتخلى عن تحالفه مع دول الخليج، ودون تغيير لمعادلة التوازن القائمة حاليا في المنطقة. ويبدو أن (بايدن) يركز خلال دعايته الإنتخابية على معاكسة السياسة التي انتهجها (ترامب)، كتصريحه حول نيته إعادة ترميم العلاقات التي أفسدها (ترامب) سواء كان ذلك مع الصين أو تركيا أو حتى مع الأحلاف الأوروبيين، إلا أنه ليس لديه فعلياً أي توجه لتبديل السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو أنه في حال انتخاب (بايدن) ليكون الرئيس القادم للولايات المتحدة ستعود العلاقات الأمريكية مع الفلسطينيين كسابق عهدها كما كانت في ظل الرئيس الديمقراطي الأسبق (أوباما)، لكن ضمن الاعتبارات الجديدة التي جاءت بها سياسات (ترامب). ففي ظل أغلبية ديمقراطية تسيطر على الكونجرس، وربما على مجلس الشيوخ أيضاً، سيعود التركيز الامريكي على المفاوضات وحل الدولتين.  فشكل حل الدولتين المقاربة السياسية التي تبناها الحزب الديمقراطي لحل القضية الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين، وتحمل مهام تحقيقها منفردا كوسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وتعكس تلك المقاربة أيضا تأييد أكثر من ٧٠٪؜ من يهود الولايات المتحدة. ويعارض  (بايدن) والديمقراطيون ومعضم يهود الولايات المتحدة "صفقة العصر" التي طرحها (ترامب) وسياسة الضم التي يتبناها (نتنياهو)، على اعتبار أنها تضر بمصلحة ومستقبل إسرائيل من وجهة نظرهم.

وفي ظل عدم نجاح حل   الدولتين في  تحقق أي اختراق يذكر طوال تلك السنوات، وفي ظل التغيرات التي فرضها (ترامب) على مجريات القضية الفلسطينية، خصوصا فيما يتعلق بانطلاق قطار التطبيع العربي مع إسرائيل، والذي يخدم المعادلة الأمنية والسياسية الامريكية والإسرائيلية في التصدي للنفوذ الإيراني في  المنطقة، ليس من المتوقع حدوث اي اختراق هام في حل الدولتين في المستقبل المنظور.

 

* أكاديمية وكاتبة فلسطينية

اقرأ ايضا: ترامب - بايدن والانتخابات الفلسطينية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة