الترجمة المعاصرة لمعاني القرآن ضرورة في ظل تخلفنا

مشاركة
* د. صافي قصقص 12:19 ص، 21 سبتمبر 2020

عندما بدأت العمل على ترجمة معاني القرآن إلى لغة انجليزية سهلة القراءة وسهلة الفهم كان جمهوري المستهدف هو الشباب الأمريكي ذو التعليم الثانوي والعديم المعرفة العميقة بالعالم، ولكنه متحمس لفهم الإسلام الذي أتاهم إلى عقر دارهم واعتدى عليهم في قلب عاصمتهم الإقتصادية، نيويورك.

اقرأ ايضا: القرآن والتراث: وحكم من يؤذي النبي شعرًا أو رسمًا

ولكن أحد الأصدقاء قال لي بعد إتمامي العمل ونشر الترجمة سنة 2015 " أن ما قمت به هو ثورة لم نكن نتوقعها"، فسألته عما يقصده؟ قال: إن أولادي يقيمون معي في جدة ولكن دراستهم كلها باللغة الإنجليزية، ولم يكن من الممكن أن يقرؤوا القرآن مهما حاولت معهم فهم لا يفهمون ما يقرؤون أبدا. ثم إبتسم وقال لي ولكنك لن تصدق ماذا حدث عندما أعطيتهم ترجمتك لمعاني القرآن،  لم أطلب منهم قراءتها، ولكن كل ما فعلته هو إعطاء كل منهم نسخة، وبعد يومين أوقفتني إبنتي قبل خروجي للعمل وشكرتني على إعطائي لها ترجمة معاني القرآن. قالت لي: كنت متشوقة لفهم ما يقوله القرآن ولكن لم يكن من الممكن لي أن أفهم ما يقوله باللغة العربية و لكن هذه الترجمة المكتوبة بالإنجليزية السهلة وبأسلوبها السلس، غيَّرَت ذلك الوضع،  لأنني للمرة الأولى أستطيع أن أقول بأنني أفهم ما أقرأه وأنا سعيدة بذلك، وأخبرني صديقي، بأن هذا حال أبنائه، لذلك إعتبرها ثورة حقيقية لم يكن يحلم بها.

فالقرآن (الكتاب)  الذي كان مهددا بأن يهجره المسلمون سيعودوا له إن شاء الله ولو بلغة أخرى،  وسيفهمونه مما سيشجعهم على تعلم اللغة العربية بإندفاع و شغف كبيرين،  ذلك أن لديهم  الآن سبب أساسي لتعلمها، وهو  أنهم يريدون فهم كتاب الله بلغته الأصلية.

وكنت أعتقد أن قصة صديقي خاصة به، ولكن الأيام أثبتت أن الأمر لا يتعلق به لوحده، فعدد نسخ تفسير القرآن التي طلبتها مني عائلات تسكن في دول الخليج كان مفاجئةً حقيقية لي، والسبب أن أولادهم يجيدون اللغة الإنجليزية ولا يجيدوا اللغة العربية.

لقد أسعدني كثيرا أنني تمكنت من  خدمة هؤلاء الشباب وأعطيتهم فرصة غير متوقعة للتعرف على معاني القرآن. ولكن السؤال،  هل سترشدهم ترجمتي إلى الصراط المستقيم؟ هل ستمنحهم الهداية المرجوة؟ وهنا تذكرت قوله تعالى: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " القصص، آية 56 .

وبالرغم من سعادتي بالطلب المتزايد على الترجمة من مصادر ليس في الحسبان، إلا أن ذلك جعلني أدرك أن العالم العربي يمر بأزمة إن لم تعالج بسرعة وبوسائل ناجعة فإنها وبلا شك ستتفاقم. أما كيف نعالج هذه الأزمة فهذا موضوع آخر وقد نعالجه في مقال آخر.

 المفاجئة الأخرى لي، كانت عند عرضي للترجمة  أثناء المؤتمر السنوي للمسلمين في شمال أمريكا، حيث أن الطلب عليها كبيراً من المسلمين غير العرب وخاصة من مسلمي شبه القارة الهندية.

ويبدو أن هناك حاجة ملحة لفهم معاني القرآن الكريم من المسلمين الأمريكيين ومن جميع المسلمين حيث تسود اللغة الإنجليزية في المجتمع، بالرغم من أن الغرض الأساسي لهذه الترجمة كان الدفاع عن الإسلام والمسلمين ضد هجمات الإسلاموفوبيا.

والحقيقة أني أردت أمراً ،و الله سبحانه وتعالى كانت له إرادة أخرى، فشكرته سبحانه على نعمه.  وعلمت أن الله لا يُؤخّر أمراً إلا لخير ولا يأتي إلا بالخير.  قال تعالى: "لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا" .. فقلت لنفسي اطمئن فأمورك كلها بين يدي الله، وهو الذي يصرفها لكل خير.

الإسبوع الماضي تم نشر مقال بعنوان "الترجمة الموضوعية للقرآن ضرورة ملحة في ظل الإسلاموفوبيا" مما دفعني للتفكير في الوسيلة الأنجع لمتابعة الزخم الذي أحدثه هذا المقال. وبدأت أفكر ثم أخذت أتساءل عن السبب الذي من أجله قمت بترجمة معاني القرآن. هل كانت الترجمة فقط من أجل أن أبرهن للأمريكيين أن القرآن كتاب سلام لا يدعو أبدا للعدوان؟  أم أن السبب الحقيقي هو أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم؟ وإننا كمسلمين في الولايات المتحدة أقدر على التعبير عن أفكارنا بدون خوف، وأنني وجدت أن الإرهاب أو ما يسمى بالفكر الضال أساسه الحجر على عقولنا وعدم السماح للمسلمين بالتعبير بحرية عن الحاجة إلى فهم جديد للقرآن ينقلنا من القرن العاشر إلى القرن الواحد والعشرين؟

 أن أكبر تحدي يواجه التفاسير التراثية هو عدم قدرتها علي ربط القرآن بالواقع الراهن الذي يعيشه الناس يوميا ، ويعتبر هذا الربط من أهم أهداف القرآن العظيم الذي جاء للبشر كي يعيشوا مبادئ القرآن وكي يصبح القرآن هاديًا لهم في حياتهم اليومية.

وبما أن الأمة الإسلامية تمر اليوم بظروف قاسية ومؤلمة، أعتقد أن أهم أسبابها هو بُعد الأمة عن مصدر إلهامها وهو القرآن الكريم ، وبما أن العلاج لن يكون إلا بالعودة إلي هذا المصدر والتمسك به،  لأنه النور الذي يبدد ظلام الجهل والتخلف. لذلك قمت بهذه الترجمة سهلة الفهم، والتي تخاطب الشباب بلغة العصر بدون تكلف، ولكن بحرص شديد على نقل المعنى الذي أراده رب العالمين على قدر فهمنا له وعلى قدر توفيق الله.

والعمل الأجدى الآن هو أن أجعل هذه الترجمة لمعاني القرآن متاحة لكل من يرغب فيها وبدون مقابل حتى تعم الفائدة، وحتى تكون صدقة جارية إن شاء الله.

وهذا هو الرابط:

http://kaskas.com/wp-content/uploads/2019/01/quran-translation_FULL.pdf

اللَّهُمَّ ارْحَمْنِا بالقرآن وَاجْعَلهُ لِنا إِمَاماً وَنُوراً وَهُدًى وَرَحْمَةً. اللهم ذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار وأجعله لنا حجة يا رب العالمين.

* مخطط استراتيجي ومؤسس جامعة المشرق والمغرب بشيكاغو

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"