الترجمة الموضوعية للقرآن ضرورة مُلحة في ظل "الإسلاموفوبيا"

مشاركة
د. قصقص مع روبرت كرين مستشار الرئيسين نيكسون وريجان أثناء تسليمه نسخة من ترجمة القرآن د. قصقص مع روبرت كرين مستشار الرئيسين نيكسون وريجان أثناء تسليمه نسخة من ترجمة القرآن
* د. صافي قصقص 09:55 م، 16 سبتمبر 2020

كَرَمنا الله تعالى بتنزيل القرآن الكريم وإنزاله على قلب نبينا محمد، وخصنا بشرف أعظم كتبه.

بعد أحداث 11 سبتمبر والهجمة الموجهة ضد المسلمين في الغرب، أدركت أنه من الواجب أن نعمل على تقديم ترجمة تكون سهلة اللغة وسهلة الفهم وموجهة بالدرجة الأولى للأمريكيين العاديين ذوي الثقافة العادية حتى تكون مفاهيم القرآن بمتناولهم بعيدة كل البعد عن التعصب الاعمى التي اشتهرت به أكثر الترجمات توزيعا في الولايات المتحدة بالمجان وهي ترجمة هلالي وخان المعروفة بـ "النوبل قرآن" التي كتبت وطبعت في المدينة المنورة ووزع منها الملايين في الغرب، وهي توزع على أبناء المسلمين في جميع أنحاء العالم فتؤثر فيهم سلباً وتزيدهم تشدداً، وتقع بين أيدي أعداء الاسلام فيجدوا فيها باباً مفتوحاً على مصراعيه لنقد القرآن.

اقرأ ايضا: الترجمة المعاصرة لمعاني القرآن ضرورة في ظل تخلفنا

ووزعت ترجمة هلالي وخان، بكثافة في الولايات المتحدة الامريكية ولكنها شكَلت لنا مشكلة مع جيراننا المسيحيين واليهود الذين حصلوا على هذه الترجمة من المساجد ومن جيرانهم الذين لم يعوا عظم وخطورة المشاكل المخبئة داخلها.

ولا يخفى على أحد أن المسلمين في الولايات المتحدة يخوضون منذ الحادي عشر من سبتمبر حرباً شعواء تشن عليهم من قوى غاشمة ظالمة جندت الأقلام، ووسائل الإعلام لمهاجمة الاسلام نفسه والمسلمين جميعهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم وكتابهم وهنا بيت القصيد،  مستعملين ترجمة هلالي وخان المتشددة والرافضة للآخر، وكأنها القرآن نفسه، فوجود ترجمة جديدة تعتمد نقل المعنى القرآني كما هو، كان ردنا العملي على دعوات الكراهية سواء كانت من الانجيليين أو المسلمين المتشددين ومنهاجنا هو ما جاء في كتاب الله في الآية 46 من سورة العنكبوت:

"وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون." 

وبعد ست سنوات من العمل المتواصل تمكنا من انجاز الترجمة وتم توزيعها على جميع أعضاء الكونجرس وعلى حكام الولايات وقد لاقت نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة. ونجاح الترجمة لم يأت من فراغ، بل لأننا اعتمدنا منهجا واضحا في فهم القرآن يعتمد افتراضات انطلقنا منها في محاولة فهم معاني القرآن قبل وضع الترجمة وهذه أهمها:

1. القرآن الكريم هو كلام الله، فوجب بالضرورة أن يكون مكتفٍ بذاته، وهو كالوجود لا يحتاج لأي شيء من خارجه لفهمه. ومع ايماننا بأن مفاتيح فهم القرآن هي بالضرورة داخله، ولكننا أستأنسنا بكل من سبقنا، ومع أهمية الاطلاع وفهم التراث جميعه الذي كان بالنسبة لنا نقطة البداية.

2. إن فهم المصطلحات على أعلى درجات الاهمية، لذا أوردنا فصلاً خاصاً بها، كمصطلح تقوى وتقى ومتقين الذي تردد كثيرا في كتاب الله وكذلك كفر وكافر والكافرين، ومصطلح ظلم وظالم والظالمين. كما لم تفتنا ملاحظة أن رب العالمين اطلق على الناس مصطلح عباد، ولم يسمهم عبيد ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. وعباد الرحمن) والكثير الكثير من المصطلحات الأخرى.

3. بما أن الله سبحانه وتعالى يعلم بعلمه الكلي اختلافنا في الأرضية المعرفية وفي المدركات، فقد أوحى نصا يتميز دائما بخاصية التجدد، فلو قرأته كل يوم لفهمت منه معاني لم تدركها في اليوم السابق فهو جديد متجدد باستمرار، ولذلك فإن علينا ألا نطالب المترجم بما هو فوق طاقته لأنه محدود يتعامل مع اللامحدود.

4. حين يخاطب أحدنا جمهوراً، فهو لا يقصد إفهامه معاني الكلمات المفردة، بل موضوعا متكاملا. لذا فالثقافة المعجمية غير كافية لفهم أي نص لغوي، فما بالك إذا كان النص هو القرآن الكريم. والمعاني موجودة في السياق، وليس في الألفاظ كل على حده. كما أن في اللغة ما نطلق عليه المسكوت عنه أي ما يفهم من سياق النص و الالمام به ضرورة للمترجم.

5. اللغة حاملة للفكر، وتتطور معه. وهناك تلازم لا ينفصم بين اللغة ووظيفة التفكير عند الإنسان. لذلك فإن على المترجم أن يلم الماما جيدا جدا باللغتين العربية والاجنبية، وما في اللغتين من تعابير مستحدثة فلا يلقي بالاً للمستحدث في فهمه للنص القرآني ويركز على المستحدث في اللغة الأجنبية لنقل المعنى على أحسن وجه.

6. لقد بنيت الترجمة على افتراض أن اللغة القرآنية خالية من الترادف في الألفاظ، فخالق غير مبدع وغير فاطر، والوالد غير الأب ومعنى دخل يختلف عن معنى ولج وجائكم غير اتاكم الخ..

7. القرآن دقيق في تراكيبه ومعانيه، فالدقة فيه لاتقل عن مثيلتها في الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات، وهذا أمر طبيعي، فصانع هذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، وخالق هذا الإنسان بأعصابه وأوردته وشرايينه وعظامه ولحمه وجلده وشعره وأجهزة السمع والبصر والإدراك، هو ذاته صاحب التنزيل، الذي لابد وأن تتجلى في دقته وحدة الصانع، لذلك فقد كان لزاما علينا أن نتحرى الدقة في كل كلمة نستعملها في ترجمتنا.

8. ننطلق في ترجمتنا من فهمنا للإسلام ككل ولدوره الحضاري، فالعالم بالنسبة لنا فسطاطان وهما ليسا دار الاسلام ودار الحرب، بل دار الاسلام ودار الدعوة. وتعكس الترجمة هذا الفهم المتصالح بين الانسان ونفسه وبين الانسان وربه وبين الانسان والآخر، فأنا في بلاد الغرب داعية أحمل أفكارا تنبع من هذا الدين، وأنا في سلام مع الآخر ما دام يعاملني على هذا الأساس وأدعوه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبأن أحاول ما استطعت أن أكون سفيرا لديني وممثلا لرسولي صلى الله عليه وسلم. 

9. كما أنني أفترض أن سبب وجودنا على هذه الكرة الأرضية هو ممارسة الاختيار، فإن أخترنا الله سبحانه وتعالى فقد فزنا. "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29الكهف).

وأساس الاختيار هو الحرية، وهي القيمة العليا التي تكمن فيها عبادية الناس لله، والعبودية على الأرض غير مطلوبة أصلاً، فنحن عبادا و لسنا عبيدا، وإن كان هناك على الأرض عبودية فهي لغير الله حتماً،  أما يوم الحشر فكلنا عبيد، لذلك فأننا نحاول أن نظهر هذه المعاني في الترجمة ما أمكن.

ولاقت الترجمة نجاحاً كبيراً داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما اختارتها "دار افريقيا" لطباعة القرآن الكريم لتكون الترجمة الأولى والوحيدة المعتمدة بعد أن تمت مناقشتها مع المؤلف من قبل لجنة تحكيم مؤلفة من ثلاث جامعات إسلامية، وعدد من اساتذة الدراسات الاسلامية وبحضور رؤساء تلك الجامعات.

مخطط استراتيجي ومؤسس جامعة المشرق والمغرب بشيكاغو

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"