بوب وودوارد أحد الذين أسقطوا الرئيس نيكسون، ينشر كتابا قد يُدمّر ترامب

مشاركة
* مفيد الديك 02:37 ص، 15 سبتمبر 2020

نُشرت الكثير من الكتب الفضائحية عن دونالد ترمب في سدة الرئاسة الأميركية خلال الأشهر القليلة الماضية، وهي كتب يعتقد المحللون أنها لا بد أن تترك أثرا سلبيا على الناخبين الأميركيين قبل أقل من 60 يوما على الإنتخابات الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. والأدل على ذلك أن استطلاعا جديدا للرأي نشر اليوم يشير إلى بدء تفاعل الأميركيين سلبيا مع ترامب بمجرد تسريب نسخ أولية من الكتاب للصحافة الأميركية.

أبرز هذه الكتب هو كتاب Disloyal "الخائن" الذي سيصدر خلال أيام قليلة للمحامي السابق لترمب مايكل كوهن، وهو كتاب مدمر لترمب يقول فيه كوهن، الذي قد يُعتبر واحدا من أقرب الناس إلى ترمب إن الأخير "سيفعل كل ما بوسعه لعدم خسارته الانتخابات المقبلة لأنه يدرك أنه إذا خسر فإنه سيذهب إلى السجن." والكتابان المهمان الآخران هما كتاب ابنة شقيق ترمب الأكبر، ماري ترمب، الفضائحي، الذي باع أكثر من مليون نسخة في اليوم الأول لنشره: Too Much and Never Enough: How My Family Created the World's Most Dangerous Man  "أكثر من اللازم وغير كاف مطلقا: كيف أنتجت عائلتي أخطر رجل في العالم"، وكتاب The Room Where It Happened: A White House Memoir  "الغرفة حيث وقعت الأحداث: مذكرات البيت الأبيض" لمستشار ترمب السابق للأمن القومي جون بولتون الذي وصل إلى قائمة "الكتب الأفضل مبيعا" لنيويورك تايمز.

غير أن الكتاب الجديد الذي سيصدر خلال أيام قد يكون الأكثر تدميرا لترمب وهو كتاب الصحفي الأميركي الأسطوري في صحيفة الواشنطن بوست بوب وودوارد  Rage  (الغضب). ذاع صيت وودوورد وأصبح يوصف في الصحافة الأميركية بـ "الصحفي الأسطوري" بعد أن نشر مع زميله السابق في الواشنطن بوست كارل بيرنشتاين) في العام 1972 كتاب All the President’s Men (كل رجال الرئيس) الذي يعزى إليه وإلى كتابات الصحفيين المشهورين الفضل في الكشف عن فضيحة ووترغيت التي أسقطت رئاسة ريتشارد نيكسون - وأصبح منذ ذلك الحين مؤلفًا غزيرًا للكتب التي توثق الإدارات الرئاسية. يُذكر أن هذا هو الكتاب الثاني عن إدارة ترامب لوودوورد، إذ كان الأول هو Fear )الخوف: ترامب في البيت الأبيض" ونشر في العام 2018).

ظهرت مقتطفات من كتاب "الغضب" منذ أيام قبل نشر الكتاب في 15 أيلول(سبتمبر)، وهي تقدم تفاصيل رهيبة - وفي بعض الحالات غير عادية - من 18 مقابلة أجراها وودوارد مع ترامب إما وجها لوجه في البيت الأبيض أو عبر الهاتف، بالإضافة إلى محادثات مع مصادر في الإدارة. من بين الإكتشافات التي يكشف عنها الكتاب الجديد اعتراف مذهل من ترامب بشأن تعامله مع جائحة فيروس كورونا، وأفكاره حول العلاقات العرقية والقيادة العسكرية الأميركية، وتفاصيل حول علاقته مع ديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون، والملاحظات اللاذعة من كبار المسؤولين السابقين ضد ترامب، بمن فيهم وزير دفاع السابق الجنرال جيم ماتيس وكبير مستشاريه الطبيين الدكتور أنطوني فاوتشي.

قلل ترامب من أهمية وباء كورونا عن قصد وكذب على الأميركيين علانية

ربما يكون الخبر الأكثر إثارة للغضب لدى الأميركيين الذي ظهر في الكتاب هو اعترافه بأنه حاول التقليل من أهمية الخطر الذي يمثله فيروس كورونا سريع الانتشار - وهو مرض استمر منذ ذلك الحين وأدى إلى إصابة أكثر من 6 ملايين منهم وقتل ما يصل إلى 200 ألف أميركي حتى الآن.

ويقتبس وودوورد عن ترامب في تسجيل صوتي في 19 آذار/مارس، "أردت دائمًا التقليل من شأنه"، وذلك بعد أسابيع فقط من إخباره للصحفيين بأن "كورونا سيختفي في النهاية ... مثل المعجزة".

أيا كان ما قاله الرئيس للجمهور، فإن كتاب وودوورد يوضح حقيقة أنه كان على علم تام بالتهديد الذي يمثله المرض شديد العدوى والمحمول جواً. وفي إحاطة استخباراتية سرية للغاية في أواخر كانون الثاني/يناير، أخبر مستشار الأمن القومي روبرت سي أوبراين ترامب أن كورونا سيكون "أكبر تهديد للأمن القومي تواجهه في رئاستك".

ورغم أن ترامب أنكر ما قاله مستشاره للأمن القومي له في أواخر كانون الثاني/يناير، فإنه أقر لودوورد بذلك في 7 شباط/فبراير، واصفًا الفيروس بأنه "أكثر فتكًا من الأنفلونزا الشديدة" - حتى بعد أن كان قال مرارا للصحفيين إنه ليس أكثر ضررًا من الأنفلونزا الموسمية. واعترف في مقابلة مسجلة مع وودوورد في ذلك الوقت: "هذا وباء قاتل."

ومع ذلك، على الرغم من إدراكه لخطر فيروس قاتل "ينتقل عبر الهواء"، استمر ترامب في التهرب من الدعوات الموجهة إليه للترويج لاستخدام أقنعة الوجه، واستمر في تنظيم تجمعات حملته الإنتخابية بدون الطلب من المشاركين ارتداء الأقنعة حتى أواخر آذار/مارس.

فشل ترامب في الإعتراف بامتياز البيض ومحنة الأميركيين السود

في 19 حزيران/يونيو - ومع دخول الولايات المتحدة في خضم أكبر حركة احتجاجية عرقية منذ الستينيات، وبدء طرح أسئلة حول عنف الشرطة والعدالة العرقية في أميركا في أعقاب مقتل جورج فلويد - سأل وودوورد ترامب عن شعوره بشأن أن هناك مشاعر في الشارع الأميركي بأن هناك امتيازات للبيض في مقابل السود في أميركا. ورد ترامب على وودوورد "لا"، مضيفا للكاتب الأميركي بأنه "ربما صدق الكذبة التقليدية عن معاناة السود."  وبدلا من ذلك، أعاد ترامب على وودوورد ادعاءاته بأنه فعل للسود "أكثر من أي رئيس أميركي منذ أبراهام لنكولن." في محادثة لاحقة، قال لوودورد: "لقد فعلت الكثير لمجتمع السود. وبصراحة، أنا لا أشعر بأي حب منهم لي."

يصف ترامب "جنرالاته" بطريقة بذيئة، ويكشف عن تحفظ كبار العسكريين على الرئيس

وفقًا لما ذكره وودوورد، قال ترامب ذات مرة للمستشار التجاري للبيت الأبيض بيتر نافارو: "ناهيك عن أن جنرالاتي (كلمة بذيئة) هم حفنة من المثليين جنسيا. إنهم يهتمون بتحالفاتهم أكثر مما يهتمون بالصفقات التجارية."

كان السخط، وفقًا لوودوارد، متبادلاً بين ترامب وأمثال عدد كبير من جنرالات المؤسسة العسكرية الأميركية الذين خدم بعضهم في إدارته مثل وزير الدفاع السابق والجنرال المتقاعد جيم ماتيس والمدير السابق للمخابرات الوطنية دان كوتس. كانت هذه مخاوف وزير الدفاع السابق الجنرال ماتيس إلى حد أنه يكشف لوودوورد أنه زار كاتدرائية واشنطن الوطنية للصلاة من أجل مصير الأمة تحت قيادة ترامب، بينما أسر للمدير السابق لمجلس المخابرات الوطنية كوتس أيضًا: "قد يأتي وقت يتعين علينا فيه اتخاذ إجراء جماعي" ضد رئيس "خطير" و "غير لائق"، رئيس "ليست لديه بوصلة أخلاقية."

وبالمثل، ورد أن كوتس اتفق مع ماتيس قائلاً: "بالنسبة إلى [ترامب]، الكذبة ليست كذبة. هذا فقط ما يعتقده. إنه لا يعرف الفرق بين الحقيقة والكذب." وكشف ووردوورد أن كوتس أبلغه أنه ظل طوال فترة عمله مع ترامب في حيرة شديدة من الاحترام الزائد الذي يكنه لروسيا ورئيسها بوتين، وقال إنه كانت لديه "شكوك عميقة" في أن فلاديمير بوتين "كان لديه شيء" على الرئيس، أي شيء يمكن أن يستغله لابتزاز ترامب.

علاقة ترامب الملغزة مع كيم جونغ أون

يتحدث وودوورد بصورة موسعة عن علاقة الرئيس غير التقليدية مع ديكتاتور كوريا الشمالية، الذي سخر منه ذات مرة واصفا إياه "رجل الصاروخ الصغير". لكن الاثنين رأبا الصدع بينهما - كما يتضح من الرسائل الـ 27 التي تبادلاها خلال فترة رئاسة ترامب.

أفاد وودوورد أن الرسائل مليئة بلغة الإطراء بين الزعيمين، حيث وصف كيم ترامب مرارًا بأنه "صاحب السعادة" ووصفه بأنه "رجل دولة قوي وبارز". وكتب كيم أيضًا عن الاجتماعات التاريخية لهما على أنها "ذكرى ثمينة" أسست "صداقة عميقة ومميزة بيننا".

يبدو أن الإطراء نجح، حيث تفاخر ترامب لوودوارد باحترام كيم له ووصف ديكتاتور كوريا الشمالية بأنه "أبعد من الذكاء". كما تجاهل ترامب المخاوف من أنه تنازل عن الكثير من النفوذ لكيم نتيجة لعلاقتهما، وأخبر وودوارد أن وكالة المخابرات المركزية "ليس لديها فكرة" عن كيفية التعامل مع كوريا الشمالية.

والقضية الثانية التي لفتت أنظار المحللين في شؤون الأمن والتسليح كشفه لوودوورد عن إنتاج المؤسسة العسكرية الأميركية سلاحا نوويا جديدا لم يكن قد كشف النقاب عنه من قبل. وينقل وودوورد عن ترامب قوله له: "لقد قمت ببناء نظام أسلحة نووي لم يمتلكه أحد في هذا البلد من قبل. لدينا أشياء لم ترها أو تسمع عنها حتى من قبل. لدينا أشياء لم يسمع عنها بوتين وشي." ويقول وودوارد إنه تمكن لاحقًا من تأكيد وجود نظام الأسلحة الجديد السري هذا، لكنه لم يتمكن من الحصول على تفاصيل إضافية.

جاريد كوشنر: سر فهم شخصية ترامب تكمن في قصة "أليس في بلاد العجائب"

واللافت جدا في ما كشف عنه وودوورد من أسرار عن رئاسة ترامب هو المقتبسات التي نقلها عن صهر ترامب وواحد من أكثر المقربين منه، جاريد كوشنر الذي سلمه إدارة عملية السلام العربية الإسرائيلية وملفات أخرى معقدة، وهو الرجل الذي لا يشك أحد في واشنطن في أنه يمكن أن ينتقد ترامب يوما بسبب علاقات المصاهرة والمصالح المالية المتشابكة بين العائلتين. ونقل وودوورد عن كوشنر إشارته إلى رواية "أليس في بلاد العجائب" وهي رواية لويس كارول الخيالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر التي تحولت إلى فيلم رسوم متحركة من ديزني عام 1951 - كنص مهم في فهم ترامب ورئاسته.

وينقل عنه قوله أيضا في وصفه للتخبط الذي تدير بها إدارة ترامب الأمور بقوله: "إذا كنت لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، فإن أي طريق سيوصلك إلى وجهتك."

استطلاعات الرأي تشير إلى تأثير الكتاب فورا

وبعد نشر مقتطفات من نسخ مسربة من الكتاب للصحافة، أشار استطلاع جديد للرأي العام صدر يوم 12 أيلول/سبتمبر إلى تراجع دونالد ترامب بصورة أعمق أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن بعد التقارير المفاجئة التي أفادت بأن الرئيس ضلل الأميركيين عن قصد بشأن مخاطر وباء كورونا واستخفافه بالجنود الأميركيين القتلى بشكل خاص على أنهم "سخفاء" و "خاسرون"، وفقًا لاستطلاع جديد لـياهو نيوز ويوغوف.

وأظهر الاستطلاع، الذي أجري في الفترة من 9 إلى 11 أيلول/سبتمبر، أن بايدن يتفوق على ترامب بنسبة 10 نقاط مئوية بين الناخبين المسجلين، 49 في المئة مقابل 39 في المئة. وأظهر استطلاع ياهو نيوز/ يوغوف الجديد أن بايدن يتقدم بـ 6 نقاط فقط بعد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري.

وتشير النتائج إلى أن أسبوعًا من التقارير والكتب الفضائحية عن ترامب - بدءًا من تقرير مجلة "أتلانتيك" عن ازدرائه للأميركيين الجرحى أو القتلى في الحرب (الذي ظهر في 3 أيلول/سبتمبر) إلى تسجيلات بوب وودوورد التي اعترف فيها بأنه قلل من خطورة وباء كورونا، أضر بموقف الرئيس مع الناخبين.

وردا على سؤال عما إذا كان رأيهم في استجابة ترامب لفيروس كورونا قد تغير بسبب ما كشف عنه كتاب وودورد الأخير - شريط التسجيل الذي يعترف فيه ترامب سرا بأن الفيروس كان "وباء قاتلا" حتى عندما سعى علنا، كما قال في التسجيلات، "للتخفيف من حدته" - ما يقرب من الربع من الأميركيين (23 بالمئة) يقولون نعم. حتى 15 في المئة ممن صوتوا لصالح ترامب في العام 2016 يقولون إن الأخبار التي كشف عنها كتاب وودوورد غيرت رأيهم بشأن طريقة تعامل الرئيس مع الوباء.

*  دبلوماسي أمريكي سابق

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة