انفصال وول ستريت عن الاقتصاد الحقيقي

مشاركة
صورة أرشيف صورة أرشيف
واشنطن_ شريف عثمان 12:19 ص، 21 مايو 2020

يقف المرء مذهولاً أمام ما يراه من أحداث، بعد ظهور جائحة كورونا وحصدها أرواح ما يقرب من ثلاثمائة ألف شخص حول العالم، في سيناريو لم يتوقعه أحد، رغم سماعنا، بعد انتشار الفيروس، بوجود أكثر من فيلم سينمائي، تم إنتاجها قبل أعوام، وكانت فيها إشارات لفيروسات مشابهة، تحصد الأرواح وتشيع الفزع بين الملايين.

وفي حين كانت هناك العديد من المفارقات غير المفهومة، من قبيل ارتفاع عدد الإصابات والوفيات في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين ودول الاتحاد الأوروبي، وانخفاضها في منطقة الشرق الأوسط وقارة إفريقيا، وقيام بعض الدول منخفضة الدخل، مثل مصر، بإرسال مساعدات طبية إلى أكبر اقتصادات العالم، بما فيها الولايات المتحدة والصين وايطاليا، إلا أن هناك ظاهرة حيرت الاقتصاديين والمستثمرين واستحوذت على مساحة كبيرة مما تناقشه أغلب وسائل الإعلام في الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، وهي ظاهرة ارتفاع مؤشرات الأسهم الرئيسية، رغم تراجع الاقتصاد بصورة واضحة.

 

وخلال الأسابيع السبعة الأخيرة، قدم ثلاثة وثلاثين مليون أميركي طلبات للحصول على إعانات البطالة، وارتفع معدل البطالة في أبريل / نيسان الماضي إلى 14.7%، بعد أن كان 3.6% قبل شهرين فقط، وتوقع ستيفن منوشن، وزير المالية الأميركي، ارتفاعه أكثر خلال الفترة القادمة، وقال محللون أنه ربما يتجاوز معدل 24.9%، الذي تم تسجيله خلال سنوات الكساد العظيم قبل ما يقرب من 90 عاماً، وتشير التقديرات إلى تراجع الاقتصاد الأميركي خلال العام الحالي بنسبة تتراوح بين 8% - 10%، مقارنة بالعام الماضي.

ورغم تلك الأرقام السيئة، وما تمثله من خسائر تعرض لها الاقتصاد الأميركي، ارتفعت مؤشرات الأسهم الأميركية، خلال نفس الأسابيع السبعة،  بصورة واضحة، فحقق مؤشر داو جونز الصناعي الأشهر مكاسب تتجاوز 30%، وقفز مؤشر اس آند بي 500 بنفس النسبة تقريباً، بينما تجاوزت مكاسب مؤشر ناسداك، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، نسبة 33%، تجاوز بها مستواه عند بداية العام، وقبل أن يعرف الأميركون أي شيء عن فيروس كورونا.

وفي الوقت الذي كانت فيه العديد من الشركات الكبرى، في قطاعات الطاقة والطيران والفنادق وصناعة الطائرات تقترب بصورة كبيرة من الإفلاس، تمكن العديد منها، من بيع سندات وجمع سيولة يتغلب بها على نقص الإيرادات وتوقف الأعمال، رغم ارتفاع المخاطر فيها، وتراجع تصنيفها، واعتبار بعضها من سندات الخردة Junk Bonds، التي يصعب بيعها حتى في الظروف المعتادة، عند استقرار الأسواق. وبعد أن أصيبت إصدارات السندات بالشلل التام خلال شهر فبراير / شباط الماضي، نجحت الشركات الأميركية، خلال الأسابيع الستة الماضية، بما فيها شركات الرحلات البحرية المنكوبة بالفيروس أكثر من أي شركات أخرى، في بيع ما تتجاوز قيمته 560 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من ضعف القيمة المعتادة في الفترات المماثلة.

 

وبينما اصطف الملايين في طوابير امتدت لأميال، للحصول على وجبات وعصائر مجانية، في مختلف الولايات الأميركية، من أفقرها لأغناها، رغم المبالغ الضخمة التي تم تخصيصها لتعويض المتعطلين عن العمل، ومن فقدوا دخولهم، وتعرَضَ ما يقرب من خمس الأطفال في الاقتصاد الأكبر في العالم لنقص في التغذية، بسبب عدم قدرة ذويهم على توفير الطعام لهم، استحوذت أسهم شركات التكنولوجيا الخمسة العملاقة على النسبة الأكبر من التدفقات المالية الهاربة من أسواق السندات منخفضة العائد، فارتفعت أسعارها ووصلت قيمتها إلى 20% من قيمة مؤشر اس آند بي 500 الأشمل للأسهم الأميركية.

ورغم أن بعض المحللين اعتبر أن الانفصال الحادث بين وول ستريت والاقتصاد الحقيقي ربما يعبر عن حقيقة أن الأول يعكس صورة ما يُتوقع أن تكون عليه حال الشركات خلال الشهور الستة القادمة، بينما تشير أرقام الثاني إلى ما حدث خلال فترات ماضية، إلا أن نظرة واقعية للأمور تشير إلى أن ارتفاع مؤشرات الأسهم كان في أغلبه نتيجة لإعلان بنك الاحتياط الفيدرالي تدخله بكل قوة لإنقاذ الشركات المهددة بالإفلاس، وضخ السيولة في سوق سندات الشركات، وإقراض ملايين الشركات الصغيرة مليارات الدولارات. تلقف المستثمرون وصناديق الاستثمار إشارة البنك الفيدرالي، وسارعوا بشراء أسهم الشركات، رغم وجود شبه إجماع على تعرض العالم كله، بما فيه الولايات المتحدة بالطبع، لركود اقتصادي وتراجع في الطلب على أغلب السلع والخدمات، خلال الفترة القادمة، كما لم يحدث منذ سنوات الكساد العظيم.

ومع ما توحي به حركة الأسهم من توقعات بعودة الاقتصاد إلى طبيعته السابقة، مع بدء تخفيف أوامر البقاء بالمنزل، وفتح الكثير من الولايات الأميركية اقتصادها من جديد، كانت هناك تخوفات من التعرض لموجة انتشار جديدة للوباء، فعدل المحللون توقعاتهم لشكل منحنى الاقتصاد الأميركي، الذي أخذ شكل حرف L مع بداية الأزمة، وتطور إلى حرف U تعبيراً عن التعافي بعد مرور بعض الوقت، ثم حرف V الذي واكب بداية مرحلة ارتفاع مؤشرات الأسهم، قبل أن يتحول إلى حرف W بعد ظهور البيانات الاقتصادية الكارثية من معدلات بطالة وانكماش وجوع!

اقرأ ايضا: توقعات حديثة.. أرقام مخيفة بشأن خسائر الاقتصاد العالمي جراء كورونا

الخلاصة إذاً أن انفصال السوقين هو في الأرجح تعبير عن وجود تراجعات جديدة تتمحور حالياً، وربما تستمد قوتها من حدوث موجة أخرى من الإصابات، تؤثر في الاقتصادات الكبرى، ولا تتمكن الاقتصادات النامية والناشئة، ومنها اقتصادات الدول العربية، من تفادي آثارها. فهذه الاقتصادات هي التي تشتري النسبة الأكبر مننفط وغاز المنطقة، وهي التي تمر سفنها في قناة السويس وتقف في موانئ دبي، وهي التي يزور مواطنوها المنطقة سائحين ومستثمرين، فإذا عطست هذه الاقتصادات، مرضت الدول العربية. وإذا كان الأمر كذلك، فربما يتعين علينا أن نحاول التفكير في كيفية التعامل مع بيئة اقتصادية جديدة،  تدخل فيها تلك الاقتصادات غرف العناية المركزة، ويتم وضعها على أجهزة التنفس الصناعي، ولا يعلم أحد الوقت الذي تحتاجه قبل أن تتماثل للشفاء.