مكافحة الفقر في قطاع غزة، تستوجب تدخلات تنموية

مشاركة
بقلم: د. عمر شعبان: مدير مؤسسة بال ثينك للدراسات الإستراتيجية بقلم: د. عمر شعبان: مدير مؤسسة بال ثينك للدراسات الإستراتيجية
05:50 م، 18 مايو 2020

بقلم: د. عمر شعبان: مدير مؤسسة بال ثينك للدراسات الإستراتيجية

يزداد قطاع غزة فقرا مع إشراقة كل صباح، تضمحل فيه الطبقة المتوسطة، وهي الطبقة التي تلعب دورا هاما في حفظ التوازن والانسجام للمجتمع السليم، و تتضخم فيه شريحة الفقراء و المعوزين بحيث أصبحت هي الاغلبية. جميع التقارير المكتوبة الصادرة محليا و دوليا تؤكد أن أكثر من ثلثي سكان قطاع غزة هم فقراء و غير قادرين على توفير الحد الادنى من متطلبات العيش الكريم. كذلك فإن نسبة كبيرة ممن يعملون باجور منخفضة يندرجون ضمن شريحة الفقراء. هذه التقارير تصدقها الشواهد على الارض من انتشار مظاهر التسول و بروز أشكال جديدة من الانحرافات الاجتماعية و الجرائم الجنائية. انخفاض نسب الزواج و ارتفاع معدلات الطلاق خاصة بين المتزوجين حديثا و ارتفاع نسب التسرب من التعليم المدرسي و الجامعي. ناهيك عن التنامي الكبير في مفاهيم و سلوكيات التطرف و رفض الآخر. لاشك أن الحصار المفروض على قطاع غزة و الحروب المتعددة هي أسبابا أساسية لهذه الاوضاع المأساوية، كذلك التراجع الكبير في الاستثمار الخاص و المؤسساتي و تقلص الدعم الدولي للمؤسسات الاهلية و الدولية العاملة في قطاع غزة. كذلك هجرة رأس المال المحلي و الكفاءات البشرية.

لكن هذا لا ينفي أن برامج الدعم الاغاثي المنفذة في قطاع غزة منذ عدة سنوات لم تنجح في تخفيض نسبة الفقر أو حتى تجميدها. هذه المقالة تفترض أن حجم المساعدات النقدية و العينية التي دخلت إلى قطاع غزة، مضافا إليها الايرادات المحصلة محليا كبيرة …كان بالإمكان توظيفها بشكل أفضل بكثير. قبل الدخول في قلب الموضوع ، لابد من الاشارة إلى الجدل الذي يدور أحيانا بين ” الاغاثي و التنموي” و هو جدل في معظمه غير علمي، ففي الواقع العلمي و العملي لا فصل بينهما على الاطلاق. فجميع التدخلات ،مهما كانت تجمع بين البعدين:- الاغاثي لسد احتياج آني و التنموي لمواجهة احتياج مستقبلي. فإعطاء سمكة ضروري للحصول على بروتين و طاقة تمكن من تعلم و ممارسة صيد السمك لاحقا. حصول الطفل على ثلاث وجبات غذائية يوميا ضرورة لبناء جسم و عقل سليم. بناء مسرح يوفر آلاف فرص العمل و مداخيل نقدية للعاملين في بنائه.

في حالة قطاع غزة كما هي معروفة للجميع، كان من الضروري البحث عن تدخلات تحقق البعدين الاغاثي و التنموي بشكل متوازن. على سبيل المقارنة، يمكن بسهولة ملاحظة الفرق الهائل من حيث الاثار التنموية و الاستدامة بين مشروعي تأهيل شارع صلاح الدين و طريق الكورنيش، الذين غيرا شكل و قلب قطاع غزة و بين مشاريع الزواج للشباب و التي خلقت مشاكل اجتماعية غير متناهية. المشاريع الاغاثية وجدت كي تكون مؤقتة و مخصصة لشرائح ضعيفة جدا و لا يمكن لها أن تشكل بديلا عن التدخلات الاخرى.

في هذا المقال سأقدم مثلا على الاثار التنموية التي يمكن تحقيقها بضخ مبلغ 30 مليون دولار شهريا في تدخلات تنموية ذات تأثير طويل الامد. هنا بعض المقترحات، على سبيل المثال لا الحصر:-

  • بناء المدارس: قطاع غزة يعاني نقصا بمائة مدرسة بسبب الحصار و منع دخول مواد البناء لسنوات طويلة، مما سبب الازدحام الهائل في الصفوف المدرسية، كذلك هناك حاجة لبناء 15-20 مدرسة جديدة سنويا لمواجهة النمو السكاني العادي. متوسط تكلفة بناء مدرسة هو مليون دولار. مع ضخ 30 مليون دولار شهريا يمكن بناء20 -25 مدرسة جديدة شهريا( 220 مدرسة سنويا).
  • رصف الطرق:- مئات الكيلومترات من الطرق الرئيسية و البلدية و الزراعية ما زالت بحاجة لرصف و تأهيل و تحسين. متوسط التكلفة لرصف طريق هي 1 مليون دولار لكل كيلومتر واحد. بتخصيص 30 مليون دولار شهريا، يمكن رصف 20-25 كيلومتر شهريا أي 220 كيلو متر سنويا. هذا كفيل لوحده بتغيير وجه و قلب قطاع غزة. رصف و تأهيل الطرق أحد معالم التحضر و يقلل التلوث و يحسن الصحة العامة و يعزز النشاط الاقتصادي و من ضرورات التنمية المستدامة.
  • تنظيف و تجميل و زراعة شاطي بحر قطاع غزة: هذا المشروع لا يقل أهمية عن بناء المدارس، هذا المشروع يعني تخصيص مناطق خضراء و حدائق صغيرة على شاطي البحر من بيت حانون حتى رفح مع إزالة التعديات و المخلفات، بما يحول طريق البحر من مناطق لرمي النفايات و مخلفات البناء، في معظمه إلى حديقة خضراء على امتداد قطاع غزة . يمكن توظيف آلاف الشباب في هذا المشروع الذي سيعمل على تجميل قطاع غزة و خلق بيئة صحية سليمة و مؤهلة للسياحة خاصة و الانشطة الاقتصادية الاخرى.
  • ترميم آلاف المساكن المتواضعة في المخيمات و الاحياء المزدحمة في مدن غزة و خان يونس و رفح و في المناطق العشوائية كذلك. هذا يعمل على تحسين ظروف السكن و الصحة العامة لعشرات آلاف الاسر في القطاع. الحق في سكن نظيف هو احد الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية المنصوص عليها محليا و دوليا. مثل هذا التدخل في ترميم البيوت سيعيد الحياة للمئات من الشركات الصغيرة و المقاولين و الصنائعية الذين أصبحوا متعطلين بسبب جمود نشاط البناء. كذلك سيعمل على تحسين الصحة العامة و تقليص العنف داخل المنازل .
  • دعم و تشغيل آلاف المشروعات العائلية و الصغيرة جدا التجارية منها و الصناعية و السياحية من خلال المساهمة بنسبة معقولة من الاجور و بما يمثل مساندة تنموية لهذه المشاريع.

بالتأكيد ليس من المنطقي صرف المساعدات الدولية كلها في مجال واحد فقط، بل يجب تطوير خطة تقترح تدخلات متنوعة في ذات الوقت، مثل بناء بعض المدارس و رصف بعض الطرقات و ترميم بضع مئات من المنازل ضمن خطة متنوعة البرامج تطبق على سنوات عديدة. للتأكيد على صلاحية هذه الرؤية:- فإن مشاريع بناء المدارس و رصف الطرق تساهم بنسبة لا تقل عن 30-40 % من إجمالي التكلفة إلى العمالة المباشرة و غير المباشرة. و بحساب بسيط : إن رصف طريق بطول كيلومتر يكلف مليون دولار ، ثلث هذا المبلغ يذهب للعمال. هذا يعني صرف مرتب بقيمة 400 دولار لــ 250 عامل و مهندس لمدة ثلاثة شهور. مثال آخر، إن بناء مدرسة يتكلف مليون دولار، ثلث هذا المبلغ للعمال و المهندسين، يعني دفع مرتب بقيمة 400 دولار لــ 100 عامل و مهندس لمدة تسعة شهور.

يتوجب تعزيز الاثر التنموي لهذه التدخلات من خلال تعزيز الاعتماد على المنتج أو المدخل المحلي مثل: استخدام البلاط المصنع محليا بدل من السيراميك مثلا. كذلك اشتراط تكثيف الاعتماد على العمل و تقليص استخدام الميكنة بقدر الامكان.

وحيث أن قطاع الانشاءات يتقاطع مع عشرات الانشطة الاقتصادية الاخرى ، فإن تفعيل قطاع الانشاءات يساعد كثيرا في تفعيل الانشطة الاقتصادية. حيث ستتمكن الكثير من المشاريع من الازدهار و تحقيق الارباح و من ثم دفع الضرائب فيما بعد.

نقطة مهمة هنا هي أن مثل هذه التدخلات النوعية ضمن خطة متكاملة ستشجع العديد من الحكومات الغربية و المؤسسات الدولية، التي تجد حرجا في التمويل النقدي على التدخل بالمساعدة في دعم مثل هذه التدخلات. وجود هذه الخطة المتكاملة تسحب المبرر من بعض التدخلات الدولية التي تتم في قطاع غزة دون أن تتناسق مع احتياجات السكان الحقيقية.