ثقوب في "بيت العنكبوت": عناصر الضعف في الكيان الإسرائيلي

مشاركة
* أ.د. وليد عبد الحي 12:49 ص، 10 فبراير 2020

تبدو الأدبيات السياسية العربية الخاصة بـ”إسرائيل” أكثر ميلاً للتركيز على مؤشرات القوة في هذا الكيان السياسي الشاذ، وطبقاً لقاعدة “أعرف عدوك” تبدو أهمية معرفة الثقوب في جدران هذا الكيان السياسي، الذي جلب لهذه المنطقة أعتى موجات عدم الاستقرار منذ قرابة القرن، أمراً ضرورياً، ونسعى في هذا المقال إلى مجرد الإشارة لأهم هذه الثقوب لعلها تكون ضمن التفكير العربي في وضع خططه الاستراتيجية لمواجهة مخططات “إسرائيل” المستقبلية. ومن المؤكد أن هذه الثقوب التي سنستعرضها تباعاً تؤثر على بعضها البعض، فبعضها يوسع الفتق الناجم عن هذه الثقوب، وبعضه قد يضيقه طبقا لنمط التفاعل بين الجانبين.

يمكن رصد أهم هذه الثقوب التي تتردد في أدبيات الكيان الصهيوني بشكل خاص أو الدراسات الاستراتيجية العالمية على النحو التالي:

أولاً: فقدان العمق الاستراتيجي: [1]

يمثل العمق الاستراتيجي المسافة الفاصلة بين حدود الدولة في جهاتها الأربع وبين قلب الدولة Heartland حيث المراكز الحضرية والمنشآت الاستراتيجية للدولة، فكلما كانت المسافة أطول كانت قدرتها على الكر والفر والمناورة أكبر، بينما في حالة فقدان هذا العمق يكون أي انسحاب مهدداً لقلب الدولة، وتشير الجغرافيا الفلسطينية الى أن “إسرائيل” ليس لديها عمق استراتيجي، وتتراوح أبعاد حدودها بين 14 كم (الحد الأدنى) و137 كم (الحد الأقصى)، وهو ما يجعل المناورة على الأرض شبه منعدمة، مما يفرض على “إسرائيل” أن تبقى مستعدة مستقبلاً لحروب ضد خصمٍ متفوِّقٍ عليها عددياً. وهذا يعني أن المعركة، من منظور استراتيجي صهيوني، يجب دائماً أن تدور على أرض الخصم واقتناص أي فرصة لتوسيع العمق الاستراتيجي له. فاحتلال الضفة الغربية والجولان ومنع الجيش المصري للعودة لصحراء سيناء هي سياسات تستهدف توسيع العمق الاستراتيجي من ناحية، والسيطرة على كل ما تنطوي عليه هذه الجغرافيا من موارد القوة المختلفة من ناحية ثانية.

 

ثانياً: الخلل الديموجرافي: [2]

تبدي “إسرائيل” من ناحية المشكلات الديموجرافية قلقاً كبيراً من عدة زوايا أبرزها: تزايد نسبة العرب بشكل قد يحولها على المدى البعيد إلى دولة ثنائية القومية، وتشير الارقام الرسمية الإسرائيلية (تقارير الجيش وهيئات الإحصاء السكاني الإسرائيلي) إلى أن عدد العرب في فلسطين التاريخية حالياً يفوق عدد اليهود بحوالي 300 ألف نسمة، كما أن تزايد نسبة البدو في النقب يثير قلقها الأمني، وهذا يعني أن بقاء الزيادة السكانية في فلسطين لصالح الفلسطينيين يجعل الخيار أمام “إسرائيل” إما القبول بدولة ثنائية القومية (وهو ما يتنافى والمخطط الصهيوني لا سيّما يهودية الدولة)، أو تهجير الفلسطينيين بشتى السبل، وهو ما سيعيد دورة الصراع من جديد.

ثالثاً: القلق من تحول مواقف الدول الكبرى تجاه “إسرائيل” خصوصاً الولايات المتحدة: [3]

أثار الانسحاب الأمريكي الجزئي من سورية واستقالة رئيس مجلس الأمن القومي جون بولتون John Bolton، واحتمالات الانسحاب من العراق أو تخفيف الالتزامات تجاه المنطقة، لا سيّما بعد الاستقلال النفطي الأمريكي عن الشرق الأوسط، قلقاً إسرائيلياً من مدى ديمومة الالتزام الأمريكي طويل الأمد تجاه “إسرائيل”. ناهيك عن الشعور بأن تخلي الولايات المتحدة عن مساندة الأكراد في مقايضات مع تركيا، قد يكون مؤشراً على توجهات أمريكية جديدة، قد تظهر على المدى البعيد أو المتوسط.

وتدعم الهواجسَ السابقة ما تشير إليه استطلاعات الرأي الحزبي في الولايات المتحدة من أن تأييد الأمريكيين من الحزب الجمهوري لـ”إسرائيل” تراجع بنسبة 13% بينما تراجع التأييد بين الديموقراطيين بنسبة 6% في سنة 2019. وتشكل هذه التراجعات الأعلى منذ 2001، وتتعزز هذه الهواجس الصهيونية ببعض التباين في المواقف الأوروبية قياساً بالمواقف الأمريكية، ناهيك عن الزحف الصيني الهادئ، والسعي الروسي للاتكاء على تحالفات شرق أوسطية لا تراها “إسرائيل” لصالحها بالقدر الكافي.

رابعاً: الشعور بالتحول الهادئ في الرأي العام الدولي: [4]

تشير استطلاعات الرأي العام الدولي، وخصوصاً الغربية منها، أن نسب التعاطف مع “إسرائيل” في مختلف دول العالم بما فيها الولايات المتحدة تعرف اتجاهاً متواصلاً بالتراجع، فهي تقع دائماً منذ سنة 2010 ضمن الدول الخمس الأقل تعاطفاً معها، كما أن نسب التعاطف تتراجع باستمرار. ويتعزز هذا الاتجاه بتراجع موازٍ في نسب التأييد لـ”إسرائيل” في الأمم المتحدة وأغلب وكالاتها المتخصصة؛ وهو ما تكشفه نتائج التصويت على القرارات الدولية التي تعالج موضوعات لها صلة بالصراع العربي الصهيوني.

خامساً: الثقافات الفرعية في “إسرائيل” (عرب، وأشكناز، وصابرا، وسفارديم… علمانيين متدينين…إلخ): [5]

تشير سجلات حقوق الإنسان المختلفة إلى أن اليهود السود ويهود الدول العربية يقعون في مراتب أدنى في بيروقراطية الدولة، كما تتم ممارسات ميدانية عنصرية من المجتمع اليهودي الغربي تجاههم، ناهيك عن التمييز العنصري تجاه العرب واليهود غير الغربيين في الوظائف ونسب البطالة ومستويات الدخل والتزاوج المختلط…إلخ، والدليل على التمييز في الظروف الحياتية هي أن الأثيوبيين من اليهود يمثلون 2% من السكان، لكنهم يشكلون 18% من نسبة سجناء الجرائم المدنية. وإذا كانت الثقافات الفرعية هي مصدر الاضطراب السياسي في أغلب الحروب الأهلية، فإن ذلك يدفع لطرح التساؤل حول حالة “إسرائيل”، فهذه “الدولة” تتألف من خليط قابل للاستغلال ويكفي التأمل في الجوانب التالية:

 

1. الانقسام في المجتمع الإسرائيلي حسب اللون:

هناك 140 ألف أثيوبي “أسود” وصل أغلبهم إلى فلسطين في الفترة 1984-1991. وقد واجه هؤلاء منذ هجرتهم ممارسات عنصرية أدت لقتل 11 منهم على يد البيض اليهود خلال العقدين الماضيين. وتتمثل أبرز مظاهر التمييز ضدهم في:

أ. لا يتم الاعتراف لرجالهم الذين يدرسون الشريعة اليهودية بصفة الحاخام.

ب. 90% من شبابهم عاطلون عن العمل و65% منهم أميون.

ج. نسبة الانحراف بين أطفالهم تعادل ثلاثة أضعاف نسبة الانحراف بين أطفال اليهود البيض.

د. 43% من الإسرائيليين يرفضون الزواج من أثيوبي طبقاً لاستطلاعات رأي إسرائيلية.

ه. لم يتمكن حزب الأثيوبيين السود “أتيد إحاد” من بلوغ نسبة الحسم للدخول في الكنيست.

و. ما تزال بعض المدارس اليهودية ترفض قبول الطلاب اليهود “السود”.

ز. امتناع بنوك الدم الإسرائيلية من قبول تبرعات الدم من اليهود “السود”، وقد استمرت هذه الظاهرة منذ سنة 1996 وتكررت سنة 2006.

هذه الأوضاع هي التي تفسر ما نقلته صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن متظاهر يهودي “أسود” هو آتي آشاتو (وهو من أقارب الشاب “الأسود” سولومون تيكاح الذي قتل سنة 2019)، حين قال “من الصعب أن تكون أسوداً وتشعر بالأمان في إسرائيل…”.

 

2. الخلفيات القومية لليهود:

يشكل اليهود الروس 20% من سكان “إسرائيل”، وقد وصل معظمهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن العشرين، وتزايدت نسبتهم منذ تلك الفترة حتى 2018 بحوالي 5%، مقابل تراجع نسبة اليهود المهاجرين من الولايات المتحدة بمعدل 10% من 1990 إلى 2018. وتشير إحدى الدراسات إلى أن 35% من المهاجرين لـ”إسرائيل” من الاتحاد السوفييتي هم من غير اليهود.

كذلك تعاني “إسرائيل” من عدم استقرار ظاهرة الهجرة المعاكسة (الخروج من “إسرائيل”) والتي فاقت في بعض السنوات عدد القادمين إليها.

ولو قسمنا اليهود في “إسرائيل” طبقاً لخلفياتهم سنجد 68% من الصابرا (الذين ولدوا في فلسطين ولكن أصولهم من خارجها)، و22% جاءوا من أوروبا وأمريكا، و10% من آسيا وإفريقيا وأغلبهم من المغرب، حيث يشكل اليهود المغاربة المجموعة الثانية بعد الروس من حيث العدد.

3. الانقسام في الموقف من الدين:

تشير الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي المعتمدة في الدوائر العلمية إلى أن اليهود في “إسرائيل” منقسمون في موقفهم من الدين على النحو التالي:

ويترتب على هذه المسألة مشكلة تظهر بين الحين والآخر في المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً التوتر حول الموقف من اليهود الأرثوذوكس (8% من اليهود)، بسبب إعفائهم من أداء الخدمة العسكرية الإجبارية. ويمثل التنامي الواضح في نسبة المتدينين الحريديم موضوع قلق للقيادات الإسرائيلية، من حيث احتمال الاحتكاك بينهم وبين الشرائح العلمانية في المجتمع اليهودي، خصوصاً أن الأخيرة ما تزال هي الأكبر.

4. توزيع المراكز القيادية بين النخب:

ويمكن أن ندلل على هذا الجانب من خلال منصب رئيس الوزراء، فمنذ سنة 1948 تولى رئاسة الحكومة 17 فرداً (بعضهم تولاها لأكثر من مرة)، منهم 8 من اليهود الغربيين، و9 من الصابرا، بينما ليس من بينهم أي رئيس وزراء من اليهود الشرقيين.

5. العنصرية تجاه فلسطينيي 1948:

يرفض 75% من اليهود السكن في بناية فيها أحد من العرب، كما يطالب 40% من اليهود بتجريد العرب في فلسطين المحتلة سنة 1948 من كافة حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

سادساً: انعكاسات التحولات في القوى الإقليمية في الشرق الأوسط على الأمن الإسرائيلي: [6]

نظراً لعدم استقرار الدول العربية فإن “إسرائيل” قلقة من أن تحدث تغيرات في دول عربية محورية تقود لعودة الصراع من جديد، فأي تغير باتجاه التيارات الإسلامية أو القومية أو اليسارية المعادية للمشروع الصهيوني، قد يحمل في طياته خطراً كبيراً بعودة الصراع لوتيرته الأولى؛ لا سيّما أن الخبرة التاريخية في المنطقة منذ الصليبيين والاستعمار الغربي وغيرهما تشير إلى أن طرد القوى الأجنبية من المنطقة أمر شبه ثابت في الاتجاه التاريخي للمنطقة. كما ترى “إسرائيل” أن بعض التحولات الإقليمية قد تحول دولة إقليمية من فرصة إلى تحدٍ كما هو حال إيران قبل وبعد ثورتها سنة 1979. كما أن إخراج منظمة التحرير من لبنان أفرز ظهور حزب الله بخطورة أكبر، كما أن الانسحاب من غزة بهدف التخلص من العبء السكاني تحول لعبء أمني… .

سابعاً: “مشاعية” التكنولوجيا قد تجعل التنظيمات الصغيرة قادرة على إنتاج أسلحة متطورة أو غير تقليدية: [7]

منذ فترة طويلة نبه كثير من الباحثين إلى أن “مشاعية” التكنولوجيا والمعرفة التقنية وتوافر وسائل التواصل الإلكتروني قد تنتهي إلى قدرة تنظيمات سياسية على التسلح بقدرات عسكرية غير تقليدية. وهو أمر سيجعل مفهوم التوازن في موضع شك كبير، وتخشى “إسرائيل” أن تمتد هذه الظاهرة إلى المنطقة الشرق أوسطية مستقبلاً.

ثامناً: إنهاء الاحتكار النووي في الشرق الاوسط: [8]

تبدي “إسرائيل” رغبة عارمة في إبقاء احتكارها لملكية الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ولديها هواجس من التوافق الدولي في مرحلة لاحقة على إخلاء هذه المنطقة من السلاح النووي، وكل من الأمرين يشكل نقطة قلق. ففي الأول الخوف من إيران أو من مصر (في فترة لاحقة) أو غيرها من الدول العربية لا سيّما مع احتمال تعاون جهات خارجية مثل كوريا الشمالية مع توجه شرق أوسطي كهذا، والثاني قد يقود لضغوط ضمن ظروف معينة إلى العمل على إخلاء المنطقة من السلاح النووي مما يؤثر سلباً على “إسرائيل”.

تاسعاً: الخوف من انعكاسات العولمة والنزعة العلمانية على الهوية اليهودية للمجتمع الإسرائيلي: [9]

تأسست الدولة اليهودية على أساس الأسطورة الدينية، وترتب على ذلك جعل البعد الديني في البناء الفكري الصهيوني ركناً مهماً، لكن تنامي النزعة العلمانية بدأ يوجِد ردات فعل في قطاعات من المجتمع تعتبرها المؤسسة العسكرية تأثيرات سلبية على المجتمع والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في التخطيط الاستراتيجي للتفاعل مع التحولات الدولية والعلمية. ففي كانون الثاني/ يناير، أعلن رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي غادي أيزنكوت أنه سيُزيل وحدة عمرها 15 عاماً مكرسة لـ”الوعي اليهودي”، وهي الإدارة المسؤولة عن تقديم الخدمات الدينية داخل صفوفها ويشرف عليها الحاخامات. وقد أثار فرع التوعية اليهودية بشكل دوري انتقادات من داخل الجيش وخارجه على حد سواء لدفعه إلى أجندة أيديولوجية ويمينية ودينية. ويشعر بعض الإسرائيليين العلمانيين بالقلق من أن كثرة المتدينين في الجيش، قد تؤدي إلى تساؤل الجنود عن من يجب أن يطيعوه: “ضابطهم أو الله”؟!. وكانت دراسة مفصلة أجرتها مجلة وزارة الدفاع معاراتشوت، أظهرت أنه بحلول سنة 2008، ارتفعت نسبة طلاب الضباط الدينيين الوطنيين عشرة أضعاف إلى 26% من 2.5% سنة 1990، وهي زيادة تقلق العلمانيين منهم.

عاشراً: التباينات الطبقية: [10]

تحتل “إسرائيل” طبقاً لمقياس جيني Gini، الذي يقيس الفروق الطبقية ومستوى عدالة توزيع الثروة، المرتبة 104 بين 176 دولة بمقياس 42.8 نقطة.

وطبقاً لأرقام المراكز الإسرائيلية والبنك الدولي والسي آي ايه، يتوزع الدخل في “إسرائيل” على النحو التالي:

1. الطبقة العليا العليا (الفئة الأولى من الأغنياء) (10% من السكان)، تسيطر على 27.7% من الدخل.

2. الطبقة العليا العليا (الفئة الثانية من الأغنياء) (20% من السكان)، تسيطر على 44.2% من الدخل.

3. الطبقة السفلى السفلى (الفئة الأولى من الفقراء) (أدنى 10% من السكان)، لهم 1.9% من الدخل.

4. الطبقة السفلى السفلى (الفئة الثانية من الفقراء) (أدنى 20% من السكان)، لهم 5.20% من الدخل.

5. الطبقة الوسطى (60% من السكان)، لهم 50.6% من الدخل.

وتقع “إسرائيل” قياساً للدول الغربية في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في سوء توزيع الدخل، مع الإشارة إلى أن هذه الفروق الطبقية تتزايد في “إسرائيل” منذ 2009، وهو ما يعني التآكل في الطبقة الوسطى التي تعد الأهم في التوازن الاجتماعي طبقاً لكل دراسات علم الاجتماع السياسي.

حادي عشر: دولة احتلال وهو نموذج ينقرض: [11]

تظهر المؤشرات الكمية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أن المناطق المحتلة من قوى أجنبية في العالم تراجعت بشكل متواصل على النحو التالي:

السنة عدد المناطق
1959 77
1979 15
1999 10
2020 8

ذلك يعني أن “إسرائيل” مفارقة للاتجاه العالمي الذي يميل نحو التحلل التدريجي من ظاهرة الاحتلال للآخرين التي هي ظاهرة قديمة.

ثاني عشر: تزايد نسب الفساد في المجتمع الإسرائيلي: [12]

على الرغم من التذبذب في معدلات الفساد في “إسرائيل”، فإن الاتجاه العام يميل بقدر ما إلى التزايد خلال الفترة الأخيرة. فقد تزايد معدل الفساد خلال الفترة 2011-2019 بحوالي 3 نقاط، وتقع “إسرائيل” في مرتبة متأخرة قياساً لبقية الدول الغربية الصناعية؛ فهي تحتل المرتبة 24 بين 35 دولة صناعية، والمرتبة 34 بين 180 دولة. والملاحظ في هذا الجانب تزايد ظهور كبار المسؤولين الإسرائيليين في قوائم الفساد (رئيس، ورؤساء وزراء، وأعضاء كنيست، وعسكريون،…إلخ)، ناهيك عن أن آخر استطلاع رأي عام أجراه المعهد الديموقراطي الإسرائيلي سنة 2019، يشير إلى أن حوالي 82% من المجتمع الإسرائيلي يظنون أن الفساد منتشر في الإدارات الإسرائيلية.

ثالث عشر: غياب القيادات الكارزمية من المجتمع الإسرائيلي: [13]

يكشف تكرار الانتخابات في سنة واحدة، وعدم القدرة على تشكيل حكومة على أن دور القائد الذي تلتف حوله الجموع في “إسرائيل” لم يعد قائماً، فالقيادات التاريخية الكارزمية (وايزمان، أو بن جوريون، أو بيريز، أو شارون…) لم تعد حاضرة بالقوة إياها. وترى بعض الدراسات الأمريكية أن الميل التدريجي للقيادات الإسرائيلية الحالية نحو السياسات الشعبوية يهدد مستوى الحريات السياسية في بيئة المجتمع الإسرائيلي.

رابع عشر: التكدس الحضري: [14]

تعد “إسرائيل” من ضمن الدول الأعلى بين دول العالم في الكثافة السكانية، حيث تصل نسبتها إلى 416 فرد في الكيلومتر المربع الواحد، وتحتل المرتبة 30 في الكثافة السكانية بين دول العالم. ويرى البروفيسور آلون تال من جامعة تل أبيب أن “إسرائيل” في طريقها لكارثة بيئية واجتماعية، ولتدهور نوعية الحياة، بسبب الكثافة السكانية التي تصل إلى حد الاختناق؛ إذ إن 92.3% من سكان “إسرائيل” يعيشون في المدن. ويرى القادة الإسرائيليون أن هناك مخاطر أمنية من التكدس الحضري، لأن ذلك يجعل الكتلة البشرية الأكبر من السكان عرضة للتهديد.

خامس عشر: الحساسية تجاه خسائر العنصر البشري في المعارك الحربية: [15]

تشير ردود الفعل الإسرائيلية تجاه خسائرها البشرية إلى عدم قدرتها على مواجهة خسائر عالية، ويسير الميجور جنرال اليعازر شتيرن Alazar Stern إلى أن أحد دوافع “إسرائيل” لإدارة الحرب مع حزب الله بشكل متردد هو الخوف من الخسائر البشرية، وأضاف إن الحساسية من الخسائر البشرية كان أمراً ملفتاً للنظر في حرب 2006. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت على ذلك في الماضي، وكان صانعو القرار في عملية أوسلو، وخصوصاً إسحق رابين، مدفوعين أيضاً بمثل هذه المشاعر التي يشاركهم فيها المجتمع الإسرائيلي. وكانت حركة الأمهات الأربعة التي دعت إلى الانسحاب أحادي الجانب من جنوب لبنان أحد العوامل التي أدت إلى قرار الحكومة في أيار/ مايو 2000 بالانسحاب. ويفسر هذا القلق نتائج دراسات إسرائيلية أجراها المعهد الديموقراطي الإسرائيلي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، إذ تشير إلى أن 90% من الإسرائيليين يوافقون على قتل المدنيين الفلسطينيين إذا كان في ذلك تأمين للجندي الإسرائيلي.

سادس عشر: القلق من الصورة الذهنية لليهودي في الذهن العربي: [16]

طبقاً لاستطلاعات الرأي العام العربي، فإن معارضة الاعتراف بـ”إسرائيل” تزايدت من 84% سنة 2011 إلى 87% سنة 2018، كما أن الاتجاه العام يشير إلى تزايد مستمر طيلة هذه الفترة. وعلى الرغم من التوجهات الرسمية العربية، فإن الطرف الإسرائيلي ما يزال يرى أن نسبة عالية للغاية من المجتمع العربي تنظر لـ”إسرائيل” على أنها هي الأخطر على الأمن العربي.

سابع عشر: المكانة الدينية لفلسطين: [17]

تدل أغلب المؤشرات في العالم على اتساع قاعدة الحركات الدينية في العالم خلال الفترة منذ عقد السبعينيات من القرن العشرين. كما أن دراسات علم الاجتماع السياسي تشير إلى أن النزاعات ذات البعد الديني تكون أكثر حدة وأكثر صعوبة في الوصول لتسوية. وتحدد أحد الدراسات عناصر التصادم في الحالة الفلسطينية من الزاوية الدينية في ثلاثة أبعاد: تباين قانون الحرب والسلام بين الإسلام واليهودية، وعدم قابلية الدين الإسلامي لحق أي جهة في السيادة على مساجد أو مراكز دينية لها قداستها في الدين الإسلامي، ومركزية المكانة الدينية للقدس. ويرى الخبراء الإسرائيليون أن هذه العقبات تجعل من تنامي الحركات الدينية في المدى المنظور أكثر خطورة على قبول العرب والمسلمين بالوضع الحالي.

ثامن عشر: مستوى الاستقرار السياسي: [18]

يدل تتبع المقاييس الدولية أن مستوى الاستقرار السياسي في “إسرائيل” ما زال سالباً، فطبقاً لمقياس كوفمان للاستقرار السياسي الذي يتراوح بين +2.5 إلى –2.5، فإن “إسرائيل” سجلت -0.88، واحتلت في الترتيب العالمي المرتبة 161 من بين 195 دولة، وفي مقياس آخر احتلت المرتبة 146 من بين 163 دولة. أما في الحريات المدنية، فقد احتلت “إسرائيل” المرتبة 101 من بين 167 دولة بمعدل 5.88 من عشرة، أما العنف المدني فقد سجلت “إسرائيل” 4 نقاط على مقياس من 7 درجات (حيث 7 تمثل الأعلى في العنف المدني).

الخلاصة: تشير المؤشرات السابقة إلى أن في “بيت العنكبوت” ثقوب كثيرة تنتظر من يستغلها، ولا بدّ من إدراجها في بلورة رؤية استراتيجية متكاملة في إطار الصراع مع هذا الكيان الشاذ.

 

باحث أكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة اليرموك الأردنية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"