ألمانيا وحلفاؤها يسعون إلى وضع ليبيا تحت سيطرتهم

على غرار مؤتمر الكونغو في برلين الذي شرع احتلال أوروبا للقارة الأفريقية

مشاركة
حفتر / السراج حفتر / السراج
واشنطن-محمد دلبح 02:20 ص، 19 يناير 2020

يبدا غدا الأحد في برلين بدعوة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ، اجتماع يضم رؤساء الدول وكبار المسؤولين في الدول الأوروبية والولايات المتحدة لتحديد مصير ليبيا الغنية بمواردها وثراوتها النفطية وموقعها الجغرافي، كمدخل لتحديد مصير القارة الأأفريقية، كما سيحضر الاجتماع ممثلون عن روسيا والصين وأهم القوى الإقليمية ، بما في ذلك مصر والجزائر وتركيا ، إلى جانب زعماء الفصائل المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا بمن فيهم رئيس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس فايز السراج وقائد مليشيا ما يسمى الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر. و ممثلون عن الاتحاد الأفريقي.

ويذكر اجتماع برلين في شكله ومكانه، مؤتمر الكونغو سيئ السمعة ، الذي عقد أيضًا في برلين من 15 تشرين ثاني/نوفمبر 1884 إلى 26 شباط/فبراير 1885، بدعوة من المستشار الألماني آنذاك بسمارك، والذي أسفر عن صدور "القانون العام لمؤتمر برلين" الذي تبناه ممثلو الولايات المتحدة والإمبراطورية العثمانية والقوى الأوروبية وروسيا. الذي دعا إلى تقسيم أفريقيا إلى مستعمرات وزاد في نهاية المطاف من حدة التوترات بين القوى الإمبريالية ، وبلغت ذروتها بالمذابح الجماعية للحرب العالمية الأولى التي بدأت في آب/أغسطس 1914.حتى قبل مؤتمر الكونغو ، كان التدافع لغزو أفريقيا على قدم وساق. فقد احتلت فرنسا الجزائر في عام 1830 و تونس في عام 1881، وغينيا في عام 1884، وغزت القوات البريطانية مصر 1882، التي كانت في ذلك الوقت جزءًا رسميًا من الإمبراطورية العثمانية. واحتلت إيطاليا أجزاء من إريتريا في عامي 1870 و 1882. وفي نيسان/أبريل 1884، ضم الرايخ الألماني جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا) ، وانتقل إلى توغو والكاميرون في تموز/ يوليو من نفس العام.

اقرأ ايضا: هاشتاغ بسكم تطبيع.. غضب شعبي قطري لإستضافة طبيبة إسرائيلية في مؤتمر بالدوحة

ولم تمر سوى بضع سنوات على مؤتمر الكونغو حتى تمكنت القوى الاستعمارية الأوروبية من احتلال كامل القارة الأفريقية تقريبا ، فقد احتلت بلجيكا الكونغو فيما احتلت فرنسا معظم الصحراء والساحل سيطرت ألمانيا على شرق إفريق (تنزانيا وبوروندي ورواندا اليوم ، وكذلك جزء من موزمبيق)و غزت بريطانيا السودان بسحقها الثورة المهدية في عام 1899. وتلا ذلك إخضاع بريطانيا لجنوب إفريقيا في حرب البوير الثانية (1899 إلى 1902) ، وتقسيم المغرب بين فرنسا وإسبانيا وغزو إيطاليا لليبيا في عام 1912. وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تابعت القوى الكبرى مصالحها الإمبريالية المفترسة تحت ستار "الدبلوماسية" و "السلام". واليوم ، تتصرف بشكل أكثر عراقة لتحقيق نفس الأهداف.

ويبدو أن أهمية ليبيا الإستراتيجية هي السبب وراء رغبة الكثير من الأطراف في المشاركة في مؤتمر برلين. فإلى جانب ثروتها النفطية فإن السيطرة على ليبيا يعني السيطرة على أهم طرق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وبالتالي يصبح شريكًا لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي.

ويرى الباحث الألماني جوهانيس ستيرن أن ألمانيا تسعى من خلال احتضانها لمؤتمر برلين لعب دور الوسيط النزيه في الآزمة الليبية ومحاولة إعادة الإستقرار إلى ليبيا، لكنها رغم أنها لم تشارك في الحرب العدوانية التي شنها حلف الناتو على ليبيا في عام 2011 إلا أنها كانت أكثر عدوانية في مشاركتها في أفريقيا منذ ظهورها في السياسة الخارجية في 2013-2014. فألمانيا تشارك بنحو ألف جندي منتشرين إلى جانب القوات الفرنسية في مالي، وتحتفظ بقاعدة عسكرية في النيجر المجاورة. وفي آذار/مارس الماضي قامت ألمانيا بتحديث "المبادئ التوجيهية للسياسة (الألمانية) تجاه إفريقيا" ، والتي تم اعتمادها لأول مرة في أيار/مايو 2014. وتثير هذه المراجعة "الأهمية المتزايدة لإفريقيا لألمانيا وأوروبا" ، والتي ترجع، من بين أمور أخرى، إلى الزيادة في دينامية الاقتصاديات الأفريقية و "الموارد الطبيعية الغنية" لأفريقيا. لذا دعت حكومة ميركل إلى تعزيز "التزام ألمانيا بسياسة الأمن والسياسة والتنمية في أفريقيا بطريقة مستهدفة" ، للعمل "مبكرًا وسريعًا وحاسمًا وبشكل كبير" و "نشر مجموعة كاملة من الموارد التي تتيحها كافة الأجهزة الألمانية." وتسعى القوى الوروبية الأخرى إلى تحقيق أهداف مماثلة في القارة الأفريقية حيث تزيد من تدخلها العسكري والسياسي في القارة. فقد زادت فرنسا بشكل مكثف مشاركتها في منطقة الساحل، كما تصعد الولايات المتحدة تدخلها في إفريقيا، خاصةً لكبح النفوذ الروسي والصيني.

لقد مضت تسع سنوات على العدوان الغربي على ليبيا بقيادة حلف الناتو الذي دمر الجزء الأكبر من البنية التحتية في ليبيا، وخلف الآلاف من القتلى والجرحى وما زالت تتعرض ليبيا لمؤامرات القوى الاستعمارية الغربية وقوى إقليمية التي بدأت تتقاتل فيما بينها من أجل السيطرة على الغنائم من خلال أطراف ليبية محلية تتلقى دعمها العسكري والسياسي لتزيد من المخاطر التي تتعرض لها البلاد. فقد دخلت فرنسا منذ العام الماضي في تحالف مع روسيا مصر والإمارات العربية المتحدة لدعم حفتر، بينما عملت إيطاليا وقطر بشكل وثيق مع حكومة السراج الانتقالية المعترف بها دوليًا. وبدأت تركيا منذ الخامس من الشهر الجاري في إرسال جنود إلى طرابلس لتعزيز قوات حكومة السراج ضد هجوم حفتر العسكري. وقد انتقدت القوات الداعمة لحفتر القرار التركي كما انتقدت ألمانيا والولايات المتحدة ذلك. وتسعى برلين إلى زيادة نفوذها في ليبيا من خلال استخدام اتصالاتها مع كل فصائل الحرب الأهلية الليبية لجمعهم للتحاور.

اقرأ ايضا: إيران: مستعدون للتراجع عن إجراءاتنا النووية إذا قدمت أوروبا مكاسب اقتصادية ملموسة

ويرى مراقبون وجود العديد من الدلائل خلف الكواليس على أن ألمانيا والاتحاد الأوروبي يستعدان لتدخل عسكري شامل. إذ لم يستبعد جوزيف بوريل مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي التدخل العسكري للاتحاد الأوروبي في ليبيا. وقال في مقابلة مع دير شبيغل نشرت يوم السابع عشر من الشهر الجاري (يوم الجمعة) "من الأهمية بمكان أن نؤكد على مصالحنا بقوة أكبر ، وإذا لزم الأمر باللجوء إلى القوة." واضاف "إذا كان هناك وقف لإطلاق النار في ليبيا ، فيجب أن يكون الاتحاد الأوروبي مستعدًا للمساعدة في تنفيذ ومراقبة وقف إطلاق النار هذا - ربما مع الجنود أيضًا ، على سبيل المثال كجزء من مهمة الاتحاد الأوروبي". ولم يترك بوريل أي شك في أن هذه العملية العسكرية يمكن أن تمتد بسرعة لتشمل أجزاء كبيرة من شمال إفريقيا ولتعزيز المصالح الأوروبية بقوة ضد روسيا والصين والولايات المتحدة. وقال إن "الوضع في الساحل ليس أفضل، بل على العكس. في العام الماضي ، قُتل 1500 جندي في الحرب ضد الإرهابيين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وحدها. " واضاف إن المنطقة بأكملها هي" برميل بارود ".لكن أوروبا لديها "العديد من الفرص لممارسة القوة. علينا فقط امتلاك ذلك. أنا لا أتحدث عن القوة العسكرية، على الأقل ليست هي فقط. بالكاد بدا العام الجديد ، ويبدو كما لو أن هناك أزمات فقط في كل مكان. لذلك ، يجب أن نعرف ما هي أهدافنا. ويجب أن نكون مستعدين ، إذا لزم الأمر، للدفاع عن هذه الأهداف حتى لو كانت تتعارض مع أهداف حلفائنا ".