قراءة في نتائج مفاوضات واشنطن حول سد النهضة

مشاركة
05:51 م، 12 نوفمبر 2019

*  اللواء محمد إبراهيم

من المؤكد أن الاجتماعات التي تمت مؤخرًا في واشنطن بين كلٍّ من مصر وإثيوبيا والسودان حول أزمة سد النهضة، برعاية أمريكية ومشاركة من جانب البنك الدولي، تمثل مرحلة جديدة تمامًا في معالجة هذه الأزمة بحيث يمكن اعتبارها علامة فارقة بين مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى، تبدأ منذ توقيع اتفاق إعلان المبادئ في مارس 2015 وحتى خطاب الرئيس “عبدالفتاح السيسي” في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي. أما المرحلة الثانية (الراهنة) فتبدأ منذ صدور تصريح البيت الأبيض حول الأزمة في الأسبوع الأول من أكتوبر الماضي وما تلاه من لقاء الرئيس “السيسي” مع رئيس الوزراء الإثيوبي في مدينة سوتشي الروسية على هامش القمة الإفريقية-الروسية، ثم بدء مرحلة الوساطة الحالية.

ولا شك أن مصر قد نجحت بشكل كبير في إحداث اختراق حقيقي في مفاوضات سد النهضة، وذلك من خلال نقل معالجة أزمة السد من إطار التفاوض المتعثر والمطول دون أية نتائج، إلى إطار أكثر إيجابية وحيوية، وهو إطار الوساطة الدولية التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًّا ومؤثرًا في حل هذه الأزمة، خاصة أن كافة الأطراف قد قبلت هذه الوساطة وبدأت في التعامل معها بصورة موضوعية، وهو الأمر الذي انعكس في البيان المشترك الصادر عن الاجتماعات التي عقدت في واشنطن في السادس من نوفمبر الجاري.

اقرأ ايضا: والأخيرة: حول بيان الأزهر عن الحجاب

وفي إطار تقييمنا لهذا البيان المشترك، يمكن القول إن هناك خمس نقاط إيجابية تُحسب لصالح مصر، ولا تمثل في الوقت نفسه إضرارًا بمواقف الأطراف الأخرى. ويمكن الإشارة إلى هذه النقاط فيما يلي:

النقطة الأولى: إعادة إحياء مرجعية “إعلان المبادئ” الموقّع في الخرطوم في الثالث والعشرين من مارس 2015، والتأكيد على ما تضمنه من مبادئ مهمة من بينها تبادل المنافع المشتركة، وعدم التسبب في أية أضرار، ومسألة أمان السد، والتعاون في الملء الأول وإدارة السد، وكذا تسوية أية خلافات قد تنشأ حتى في المراحل القادمة بطريقة سلمية وبوسائل متعددة وفرها لنا المبدأ العاشر من إعلان المبادئ وهي (التوفيق، الوساطة، اجتماعات رئاسية).

النقطة الثانية: إلزام الدول الثلاث بالعمل من أجل التوصل إلى اتفاق شامل ودائم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، مع تأسيس آلية واضحة لتنفيذ هذا الالتزام وفقًا لإعلان المبادئ.

النقطة الثالثة: تحديد واضح -لأول مرة- للسقف الزمني للمفاوضات بشكل تفصيلي حتى لا تستمر هذه المفاوضات دون جدوى كما كان الوضع من قبل، حيث تم تحديد موعد 15 يناير 2020 كحد أقصى للتوصل للاتفاق النهائي بين الأطراف الثلاثة، وهو ما يعني أنه من المفترض بحلول هذا التوقيت -إذا سارت الأمور بشكل جيد وفي إطار النوايا الحسنة والثقة المتبادلة- أن يتم حل مشكلة السد تمامًا.

النقطة الرابعة: بلورة جدول زمني شديد الوضوح يجمع بين المفاوضات، سواء على المستوى الفني أو على المستوى السياسي والفني معًا، وذلك من خلال النص على عقد أربعة اجتماعات عاجلة بين وزراء الري في الدول الثلاث، ثم عقد لقاءين على مستوى وزراء الخارجية والري في واشنطن من أجل تقييم سير عملية التفاوض، وهو ما يشير إلى أن هناك آلية تقييم مستمرة لهذه المفاوضات قد تم بناؤها من أجل الوقوف على مدى ما تحققه المفاوضات من نتائج.

النقطة الخامسة: أن الوساطة الدولية المكونة من كل من الولايات المتحدة والبنك الدولي أيًّا كان مسماها (وسيط، مشارك، مراقب) سوف تتواصل حتى انتهاء المفاوضات، وستكون حاضرة في كافة المراحل التفاوضية، سواء كانت فنية أم سياسية. وفي هذا المجال نشير إلى أن إثيوبيا كانت رافضة لفترة طويلة لوساطة البنك الدولي.

وفيما يتعلق بعملية الوساطة، هناك مجموعة من المحدِّدات المهمة من الضروري توضيحها فيما يلي:

– أن التجربة المصرية مع الوساطة الأمريكية تُعد تجربة ناجحة، وهو ما تحقق في معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية الموقعة في مارس 1979، وكذا مفاوضات طابا التي تم استردادها من خلال التحكيم الدولي في مارس 1989 وبوساطة أمريكية استمرت خمس سنوات.

– أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” قد تدخل بنفسه في هذه المفاوضات رغم تعرضه لبعض المشكلات الداخلية، وتواصل مع الرئيس “السيسي”، واستقبل وزراء خارجية الدول الثلاث، وأكد أن الاجتماعات تمت في أجواء إيجابية، الأمر الذي يعكس حرص “ترامب” على إعطاء زخم قوي لهذه المفاوضات.

– أن كافة المواقف الأمريكية تشير حتى الآن إلى أن الولايات المتحدة على قناعة بالمعادلة والرؤية المصرية لحل هذه الأزمة، والتي تقوم على أساس حق الإثيوبيين في التنمية الاقتصادية من خلال بناء السد، ولكن دون أن يجور ذلك على حقوق مصر المائية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن أزمة سد النهضة بكافة جوانبها قد دخلت في منعطف شديد الأهمية يمكن أن أُطلق عليه معركة الأمتار الأخيرة، وهو ما يتطلب أن نتحرك خلال المرحلة القادمة على أربعة محاور أساسية كما يلي:

– المحور الأول: الاستمرار في دعم المفاوض المصري من خلال تأكيد الثقة الكاملة في قدرة قيادتنا السياسية برئاسة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” على الوصول إلى حلٍّ مُرْضٍ يحقق مصالح كافة الأطراف بما يؤدي إلى إنجاز التنمية في إثيوبيا ودون الإضرار بمصر، ويحافظ على حقوقنا المائية التاريخية، وهذا الأمر يُمثّل خطًّا أحمر بالنسبة لنا.

– المحور الثاني: أهمية مواصلة متابعتنا الدقيقة والجادة والتقييمية لكل جولة قادمة من جولات التفاوض حتى تكون تحركاتنا على أرضية صلبة واضحة، ولا نفاجأ بمواقف ليست في الحسبان. وفي هذا الشأن تتمثل قناعتي بأن المفاوض المصري قد استوعب الدروس المستفادة من مراحل التفاوض السابقة التي استمرت عدة سنوات. ومن الضروري هنا أن تكون لنا رؤانا وخياراتنا حتى نستطيع فرض موقفنا العادل وإقناع الجميع به، سواء من الوسطاء أو الجانبين الإثيوبي والسوداني.

– المحور الثالث: أهمية المعالجة الإعلامية الموضوعية والهادئة لعملية التفاوض ونتائجها المعلنة، وعدم استباق الأحداث من أجل إيجاد البيئة المناسبة التي تخدم المفاوض المصري، وتضع الصورة الحقيقية أمام الرأي العام دون إثارة أو مبالغة إعلامية قد تؤثر سلبًا على مناخ المفاوضات.– المحور الرابع: مواصلة دعم علاقتنا الثنائية مع إثيوبيا، والحرص على ألا تؤدي هذه الأزمة إلى توتير هذه العلاقة التي تشمل مجالات متعددة، وسوف يكون نتاج مفاوضات سد النهضة أحد جوانب تطوير هذه العلاقة مستقبلًا من خلال التنمية وتبادل المصالح المشتركة، خاصة أن الواقع يؤكد أن الرئيس “السيسي” وهو يترأس الاتحاد الإفريقي يعتبر أشد حرصًا على دعم الاستقرار والتنمية في القارة الإفريقية، وحل النزاعات بين دول القارة، وبالتالي سيكون سيادته أكثر الداعمين للتوصل إلى حل سياسي لهذه الأزمة الناشبة بين مصر وإثيوبيا حتى يكون حلها نموذجًا للتعاون والتنمية على مستوى القارة كلها، ودعمًا لاستقرارها وقدرتها على أن تتبوأ مكانتها التي تستحقها، وهو ما تحرص عليه مصر بقوة من خلال رئاستها الحالية للاتحاد الإفريقي.

 

*  عضو الهيئة الاستشارية للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجي