إنصافاً لامرأة فلسطينية مناضلة وعظيمة

مشاركة
السيدة ناهدة التاجي الفاروقي "أم فهمي" السيدة ناهدة التاجي الفاروقي "أم فهمي"
04:55 م، 05 نوفمبر 2019

* جيهان فاروق الحسيني

 

 

بينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحتفي باليوم الوطني للمرأة الفلسطينية في 26 تشرين أول أكتوبر 2019، استذكرت والدتي السيدة ناهدة التاجي الفاروقي (أم فهمي الحسيني) رحمها الله، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو المكتب التنفيذي للهلال الأحمر الفلسطيني والتي كانت واحدة من أبرز أعضائه المؤسسين، حيث شاركت مع كل من الدكتور فتحي عرفات والأخ زكي الحموي (أبو عماد) وكل من السيدات مفيدة الدباغ وعلوية الحسيني وخديجة عرفات ، وفطوم العمري "رحمهم الله جميعاً"، في تأسيس هذا الصرح الوطني المتميز.

فلقد وضعت اللبنة الأولى لهذه المؤسسة العريقة في شقة صغيرة في شارع دمشق بحي مصر الجديدة في مدينة القاهرة عام 1968م إلى أن أصبح صرحاً كبيراً يؤدي خدماته الصحية والاجتماعية في المخيمات الفلسطينية وفي الوطن وفي عواصم عربية عديدة.

كانت والدتي (أم فهمي) مناضلة من طراز فريد فعملت في العمل الخيري والإنساني منذ سنوات طويلة، لذلك أكتب عنها اليوم من باب الإنصاف لها ولتاريخها النضالي المشرف، وأتذكر كيف كانت تتابع أحوال الجرحى في المستشفيات وكذلك حفظ التراث الفلسطيني .

فبعد تأسيس الهلال عام 1968 كانت تذهب إلى التجمعات الفلسطينية في حي عين شمس وتتنقل بين النساء الفلسطينيات حاملة خيوط DMC وأقمشه (الكانفاه) وكافة لوازم التطريز وتتابع بنفسها اختيار الألوان وتشرف على المشغولات من أثواب ومفارش وشالات ... إلخ.

وبعد عام 1974م أصبحت تذهب بين الحين والآخر إلى مخيم كندا في رفح وإلى مدينة العريش للغرض ذاته، وكان بيتها مفتوحاً دائماً لهؤلاء السيدات، فلقد كانت بمثابة الأم والأخت لهن.
"أم فهمي" كانت تشرف بنفسها على تنظيم وإقامة معارض التراث الفلسطيني في أوروبا مع زميلتها ورفيقة دربها السيدة وجدان صيام (أم الوليد) والتي كانت مسئولة عن الهلال في لبنان لسنوات طويلة .

واستذكر أّنَّ بدايات تنظيم المعارض التراثية كان في مقر الهلال الأحمر الفلسطيني بحي مصر الجديدة وكان المعرض يفتتح رسمياً بتشريف مصري رسمي، من قرينة الرئيس المصري أنور السادات السيدة جيهان السادات والتي من خلالها حصل الهلال على إستثناء بإقامة مستشفى بإسم الهلال الأحمر الفلسطيني في القاهرة، وبالفعل تم بناء مستشفى فلسطين وسجل بإسم الهلال ولا يزال يعمل حتى يومنا هذا .

بالرغم من أن أم فهمي كانت متطوعة في الهلال الأحمر الفلسطيني ، لكنها لم تكن تكل ولا تمل، فلقد كانت تعتبر الهلال بمثابة إبنها الخامس، لذلك كانت تعمل بحب وشغف شديدين وبلا ضجيج أو إعلام أو مقابل.

ومع مرور الوقت توسع الهلال وزادت الأعباء والمهام التي أصبحت تقوم بها (أم فهمي) سواء في الإشراف على إنشاء العيادات التابعة للهلال أو مركز رعاية الطفولة أو معهد التمريض أو مركز  تدريب وتأهيل المعاقين، الذى أسسته الدكتورة الأسترالية "جين كالدر"، ورغم مغادرة (الدكتورة كالدر ) القاهرة إلى غزة وإغلاق كافة هذه المؤسسات، لكن أم فهمي حرصت على أن يظل  مركز  تدريب وتأهيل المعاقين مستمرًا  في تقديم خدماته ، فأنشأت مع أولياء أمور الأطفال من الذين كانوا يترددون على المركز "جمعية الغد المشرق" لذوي الاحتياجات الخاصة، وانتقل فريق عمل المركز المدرب بكامله إلى جمعية الغد المشرق والذي مازال يعمل  في تلك الجمعية التي أصبحت اليوم واحدة من أنجح وأبرز الجمعيات في هذا المجال في مصر .

نشاط والدتي "أم فهمي" لم يقتصر على المركز الرئيسي للهلال الأحمر في مصر، فلقد امتد إلى سوريا ولبنان وكذلك اليونان، فلقد كانت موجودة أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م ، ولابد أن أذكر هنا  "الأخت هدلا الأيوبي " رحمها الله، مسؤولة العلاقات العامة في الهلال الأحمر الفلسطيني، والتي ظلت في لبنان لم تغادرها حتى النهاية، وكذلك كانت "أم فهمي" موجودة خلال حصار طرابلس وقبل مغادرة القوات الفلسطينية عام 1983.

أكتب ذلك إنصافا لوالدتي ولنضالها الطويل ولمسيرتها الخيرة دون تحيز وبكل موضوعية لعلي أوفيها جزءًا من حقها أو إنصفها في زمن النسيان ؟!

لقد لفت انتباهي أنه لم يتم ذكر اسم "أم فهمي" من بين السيدات الجليلات اللواتي إحتفت بهن منظمة التحرير الفلسطينية في اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، والتقصير كان واضحاً ليس فقط تجاهها ، ولكن تجاه الكثير الكثير من زميلاتها ومن رائدات العمل الوطني والاجتماعي، ممن تركن بصماتهن في مختلف المجالات. فأمي ليست المرأة الوحيدة التي لم يتم ذكرها في هذه الإحتفاليه بل هناك سيدات مناضلات من ذوات السيرة والمسيرة الوطنية الممتدة والمشهودة، كان لهن دوراً فاعلاً أثرى الحركة النسائية الوطنية الفلسطينية، وعزز مكانة المرأة في المجتمع الفلسطيني، وأذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر : فاطمة برناوي، وسميرة أبو غزالة، وليلى خالد، هند الحسيني (أم جبر الوشاح)، سعاد أبو السعود..وغيرهن الكثيرات، وجميعهن نماذج مشرفة لن يذهبن من ذاكرتنا، لقد حملوا الراية وأدوا الرسالة بأمانه وعزم وإخلاص، فهن ملهمات وقدوة للأجيال المعاصرة والمستقبلية.

وأخيرا لم أكتب هذا المقال للوفاء بذكرى أمي فحسب والتي هي أغلى الناس وأعزهم على نفسي، بل إفتخارا بمسيرتها الوطنية وإنصافًا لها ولجموع المناضلات في الحركة النسائية الفلسطينيه .إنصافاً لامرأة فلسطينية مناضلة وعظيمة.

 

 

 

 

 

 

صحافية وكاتبة من أسرة دار الحياة