ما الذي يجعل الأشخاص الطبيعيون يفعلون أشياء شريرة؟

أسئلة الأسئلة.. "إستهداف الأطفال"

مشاركة
03:39 م، 23 اغسطس 2019

* منى جويد الغصين

كنت أشاهد جلسات الإستماع التي عقدتها اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي المعنية بفصل أسر المهاجرين في الولايات المتحدة. كان العضو الديمقراطي في اللجنة "تيد ليو "يستجوب رئيس عمليات إنفاذ القانون في مصلحة الجمارك وحماية الحدود "برايان إس. هاستنغز " حول قضية "صوفي" البالغة من العمر 3 سنوات، والتي فصلت عن جدتها عند معبر إل باسو الحدودي في تكساس .

سأل عضو الكونغرس عما إذا كانت صوفي تمثل تهديدًا جرميا أو أمنيًا ورد عليه "هاستينغز" بأنه لا يعرف خلفية القضية!

ثم أعاد عضو الكونغرس صياغة سؤاله وهو يسأل الضابط "إذا كان يعرف أطفالا في الثالثة من أعمارهم يمثلون تهديدات جنائية أو تهديد للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية؟" ،كان الجواب: لا .

لقد دُهشت من الأسئلة والأجوبة !ما نوع هذه الدولة التي من شأنها أن تسمح بحدوث مثل هذه الأمر؟ من ذا الذي يفصل الأطفال عن أسرهم أو يستهدف الأطفال؟ هل هذه هي أمريكا ... بلد الفرص والمساواة والديمقراطية.. بلد المهاجرين.؟؟ هل كانت هذه حالة معزولة ؟ هل كان هاستينغز حاله شاذة ؟ شخص يفتقد التعاطف أو الحس السليم؟ لقد ذهلت إزاء الطريقة والكيفية التي كان يرد فيها على الأسئلة مما جعلني أفكر. كيف وماذا ؟

من المؤكد أن أي شخص عاقل يرى أن الطفل ذو السنوات الثلاث لم يكن بأي حال من الأحوال يمثل تهديداً ؟ هل كان هذا الضابط "شريرًا" أم "غبيًا" ؟ من الذي يستهدف الأطفال في أي مجتمع يعتبر نفسه متحضرًا وديمقراطيًا !؟

كان هناك غضب شديد من الرأي العام ومن وسائل الإعلام إزاء هذا الحادث وغيره الناجمة عن سياسة الرئيس ترامب لفصل العائلات المهاجرة على الحدود وإبعادها .ومع ذلك ، تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشكل متواصل بتجريم الأطفال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بوصفهم "تهديدا أمنيا" لقذفهم جنود الاحتلال بالحجارة  ومع ذلك، فإن الصمت يلف كلا من العالم العربي والمجتمع الدولي؟! ولكن من الذي يوجه له اللوم؟ من المسؤول؟ ما الذي يدفع الشخص العادي لأن يقوم بأفعال شريرة؟

تظهر الإحصاءات والدراسات بإستمرار أن الأشخاص الطيبين عندما يوضعوا في البيئة المناسبة أو السياق الصحيح يمكنهم القيام بأعمال شريرة تولدها بنية من أعلى الهرم. ويعزى سبب ذلك بشكل عام إلى الأنظمة الاستبدادية .

توصل المفكر "حنا آرنت" إلى فكرة "سخافه الشر" وخلص إلى أن "جوهر الحكم الشمولي، وربما طبيعة كل بيروقراطية، هو جعل الموظفين والعاملين في الأجهزة الإدارية من الرجال آلة إدارية وبهذا تجردهم من إنسانيتهم .

ليس لدي أي فكرة عن أي نوع من الرجال برايان س. هاستينغز ؟  لكن من الواضح وجود نظام وبيروقراطية سمحت لهذا الضابط بالتصرف بهذه الطريقة متبعا سياسة الرئيس ترامب. في حين أن هذا الحادثة بالتحديد وقعت بعد إلغاء هذه السياسة ظاهريًا، فقد أثارت سؤالًا حول الكيفية التي يتصرف فيها الأشخاص في السلطة عندما يمكنهم المستوى الأعلى من ذلك ؟

 كان هذا مجرد حادث أعقب حالة أخرى لفتاة صغيرة تبلغ من العمر ثلاث سنوات وسألها ضابط دورية آخر عندما كانت عائلتها تحاول عبور الحدود نفسها عن أي من والديها تختار أن تبقى معه "فطبقا للسياسة المعمول بها يسمح للطفل البقاء مع أحد الوالدين فقط وذلك أثناء النظر في معاملة الهجرة"؟!

 هل يمكنك أن تتخيل سؤال فتاة عمرها 3 سنوات تريد أن تكون مع والدتها أو والدها؟

تجري مناقشة هذه الحوادث وتُطرح أسئلة ، لكن ماذا عن محمد عليان الطفل الفلسطيني الصغير ذو السنوات الثلاث والذي تم استدعاؤه لاستجوابه من قبل الشرطة الاسرائيلية لإلقائه الحجارة؟ أم قيس فراس عبيد ذو السنوات الست، الذي ألقى علبة عصير على ضباط إسرائيليين؟ أم تيم إدريس (7 سنوات) ، الذي كان في المدرسة عندما جاء الجنود الإسرائيليون لأخذ شقيقه زين البالغ من العمر 9 سنوات لإلقائه الحجارة وإحتجازه لمدة ساعة في قاعدة عسكرية؟

يتعرض الأطفال الفلسطينيون يوميًا للإصابة أو الاعتقال أو الاحتجاز أو السجن.

يقول" عارف جابر" الناشط في مجال حقوق الإنسان : "أصبح اعتقال الأطفال أمرًا طبيعيًا". في حين أن هناك العديد من التقارير والإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والتي تشير إلى زيادة حالات اعتقال الأطفال وملاحقتهم والتحقيق معهم في مراكز الإعتقال العسكرية الإسرائيلية، ولم يقم المجتمع الدولي بعمل أي شيء بينما تستخدم الولايات المتحدة بإستمرار سلطة الفيتو في الأمم المتحدة لوقف أي نقد أو إدانة لإسرائيل.

ومع ذلك ، فإن لجنة حقوق الطفل، وهي لجنة من الخبراء القانونيين المستقلين الذين عينتهم الأمم المتحدة، تقول إن "الأطفال الفلسطينيين يتعرضون بشكل منهجي للعنف البدني واللفظي والإذلال والقيود المؤلمة وتغطية الرأس والوجه بكيس، مهددة بالقتل، والعنف البدني، والإعتداء الجنسي عليهم أو على أفراد أسرهم، وفرض قيود على الوصول إلى المرحاض والطعام والمياه ؟!

​بالنسبة لي هذا لا يتعلق بالسياسة بحد ذاتها أو ما إذا كنت تؤيد إسرائيل ؟ أو سياسة الإدارة الأمريكية الخاصة بالهجرة.؟ إنه يتعلق بالإنسانية. فأي نوع من المجتمع أو العالم، نريد أن نعيش فيه إذا قبلنا بأن تسود هذه السياسات التي تسمح باستهداف الأطفال بحيث يصبح أمرا طبيعيا؟

وهذا يدفع الى طرح عدد من الأسئلة: من المسؤول؟ من سيتم محاسبته؟ هل الجنود والضباط بصفتهم الفردية الذين يعتقلون هؤلاء الأطفال أو يحتجزونهم أو يضربونهم بدون تعاطف أو إنسانية على ما يبدو؟ هل هم الشر؟ هل نحن الذين نشاهد هذه الفظائع ولا نفعل شيئًا؟ هل هؤلاء الذين في القمة هم الذين يضعون السياسات أم البيئة؟

أظهر البروفيسور "فيليب زيمباردو" بوضوح في دراسته عن سجن ستانفورد أنه إذا كانت القوة في القمة تخلق جواً من الفساد الأخلاقي والشيطاني، يصبح الأشخاص العاديون قادرين على الشر المخيف. وإذا كنا لا نتحدث ونلقي الضوء، فإننا نصبح جزءًا من الثقافة التي تعمل على تطبيع ظروف الشر ، لقد أجرى الدراسة على أشخاص أصحاء عاديين قام بتقسيمهم إلى مجموعات. لقد وضعهم في المواقف التي أطاع فيها جزء من المجموعة السلطة وألحق الأذى بزملائهم. تم تخلي عن الدراسة لاحقًا عندما تقدم أحد المتطوعين، وتحدث عن الضرر الذي وقع. ومع ذلك، فإن ما أظهرته الدراسة بأغلبية ساحقة هو كيف يمكن لأي شخص أن يلجأ إلى السلوك الشرير إذا خلقته سلطة المؤسسة أو سمحت به . كما أظهر أيضًا قوة الصوت الذي تحدث ضد الأذى الذي حدث، ورغم ذلك فقد تم إخضاع الدارسة لقيود أكاديمية صارمة

لذلك، يجب أن يكون السؤال المطلوب هو لماذا يتم كتم الصوت عندما نرى هذه السياسات والفظائع التي تلحق بالأطفال ؟

يمكن أن تبدأ السياسات بشكل متدرج حتى لو كانت مثيرة للجدل .

بررت سياسة فصل العائلات المهاجرة وإبعاد الأطفال عن الوالدين في الولايات المتحدة من قبل ضباط الدوريات كرادع لوقف تدفق المهاجرين!  سمحت لضباط الدورية بالتصرف خارج قواعدهم أو ضميرهم. لكنها لم تتوقف عند هذا الحد. الأمر يزداد سوءًا.

لا توفر محاكم الهجرة في الولايات المتحدة محامًيا مدفوع الأجرة تعينه لتمثيل الأطفال الذين دخلوا بشكل غير قانوني، لذا كانت هناك حالات من المتوقع أن يمثل فيها الأطفال بعمر سنتين ! عندما تم الطعن في هذا القانون الغبي من قبل دعوى مدنية بحجة أن جميع الأطفال يجب أن يكون لديهم تمثيل قانوني، فقد جادل مساعد كبير قضاة الهجرة جاك إتش ويل بأنه قام بتعليم أفراد بأعمار 3 و 43 سنة قانون الهجرة وقال إن ذلك "يستغرق الكثير من الوقت وكثيرًا من الصبر. إنها ليست الأكثر كفاءة ولكن يمكن تنفيذها" ؟! هذا يأتي من قاضٍ في الولايات المتحدة يقوم بتدريب قضاة آخرين، لذلك ليس من المستغرب عدم إدانة الولايات المتحدة لإجراءات إسرائيل تجاه الأطفال الفلسطينيين.

لقد تم إقرارها من المستوى الأعلى بأن الأطفال "المهاجرين" لن يعاملوا بنفس الحقوق التي يعامل بها الأطفال الأمريكيين. يتعمق هذا أكثر عندما يكون لديك رئيس يبرر سياسته بلغة حارقة في إشارة إلى المهاجرين "كمجرمين" وكمغتصبين "، مما يخلق ثقافة تنبثق من المستوى الأعلى أن من الجيد الإشارة إلى المهاجرين كذلك .

من النادر أن يبدأ الشر بإنفجار كبير. غالبًا ما يغزو مجتمعنا بشيء بسيط مثل البيروقراطية. بدأت إسرائيل قمعها للفلسطينيين من خلال إستهداف الذكور البالغين كتهديدات أمنية، وبعد أن سادت تلك السياسة في الساحة الدولية بدأت تستهدف الأطفال. بدأ الأمر ببيروقراطية الدولة ، وفصل الأطفال المرضى عن والديهم من خلال رفض منح تأشيرات الخروج أو الدخول إلى الوالد الذي يرافق الطفل. كان الانتقال إلى الاستهداف الأكثر غدراً على أساس التهديدات "الأمنية" سلسًا تقريبًا.

في مناسبة نادرة تم تسليط الضوء على قضية في وسائل الإعلام الدولية مثل قتل أربعة أطفال يلعبون على الشاطئ في غزة في يونيو 2014 من قبل طائرة عسكرية إسرائيلية مسيرة كان من الممكن أن تنفيها إسرائيل لو لم يشاهدها صحفيون. توفي أبناء العمومة: إسماعيل بحر (تسعة أعوام) وعيد بحر (10 أعوام) وزكريا بحر (10 أعوام) محمد بحر (11 عامًا) أثناء اللعب على الشاطئ

كان الرد الإسرائيلي الذي يمكن التنبؤ به والذي نقبله كقاعدة، هو أنهم اعتقدوا خطأ أن الأطفال هم مقاتلين في حركة حماس مما جعلهم هدفا "مشروعا"!!

 غرقت جريمة قتل الأطفال في البعد الإسرائيلي الفلسطيني للصراع مع وفاة الأطفال. لقد غمرت الصرخة في عوالم السياسة التي لا تتسم بالإنسانية وتميز ضد الأطفال الفلسطينيين الذين يُنظر إليهم على أنهم مجرد ضمان للصراع. ومع ذلك، لو كان الأطفال إسرائيليين أو أمريكيين قُتلوا في ظروف مماثلة ، لكانت عواقب ذلك ضد المسؤولين عن الهجوم بلا هوادة. لقد بدأنا عملية تطبيع الشاذ عن طريق التفريق بين الأطفال وفقًا لجنسهم أو عرقهم لأننا قبلنا مبدأ أن ليس كل الأطفال متساوين إما بموجب القانون أو السياسة. 2800 طفل قتلوا أو شوهوا على يد القوات الإسرائيلية في عام 2018 وفقًا للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس !!

هم مجرد أرقام. لا أحد مسؤول؟؟

الشر لا يدوم فقط من خلال سياسات من المستوى الأعلى تسمح للجنود أو الضباط أو القضاة بالتصرف والتفكير بطرق لا يمكن الدفاع عنها ولكن أيضًا من جانبنا نحن الذين نبقى صامتين. نقوم بترشيده بطريقة ما ويصبح هو المعيار لأن أولئك الموجودين في القمة ، الرؤساء ، رئيس الوزراء ، الحكام وضعوا سياسات تجعل التغاضى عن إختيار بعض الأطفال كأهداف أمر مقبول، ونحن نقبل تلك السياسات طالما نحن صامتين .

قال ستانلي ميلغرام ، عالم الفيزياء بجامعة ييل ، إن العملية التي بدأناها بفقدان الحالة الطبيعية وتبدأ بـ 15 فولتًا من الكهرباء في إشارة إلى تجربته، حيث بدأ الأشخاص العاديون في ممارسة التعذيب بإستخدام فولتات كهربائية كانت في البداية غير مؤذية وإرتفعت في النهاية إلى 450 ، مما أدى إلى الوفاة. كانت تجربة ميلغرام المبنية على طاعة شخصيات السلطة عبارة عن سلسلة من تجارب علم النفس الاجتماعي حيث إضطر جزء من المجموعة إلى الإمتثال للأوامر حتى لو كانت تتعارض مع ضميرهم الطبيعي. مرة أخرى ، أثبتت التجربة أنه إذا كانت تلك الثقافة في القمة فالأغلبية ستعمل على إدامة التعذيب

في الواقع ، عندما أجاب رئيس هيئة إنفاذ القانون الأمريكية لأول مرة بأنه لا يعرف ما إذا كانت صوفي الصغيرة تمثل تهديدًا إجراميًا أو أمنيًا ، فإن الضابط كان مجرد ترسا في عجلة القيادة يتصرف بطريقة سمحت له الدولة بذلك. لقد منحته ترخيصًا بفصل طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات عن أسرته. لا يكمن الخطر في اتباع النظام فحسب، بل في الثقافة الكامنة التي تتكاثر عندما تكون هناك سياسات غير إنسانية تبرر للفرد بأن إجراءاتهم مقبولة.

إنني أشك في أن الجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار مؤخراً على عبد الرحمن ياسر شتيوي (10 أعوام) على رأسه باستخدام الذخيرة الحية رأى طفلاً خائفًا بسبب ثقافة إسرائيل المتمثلة في شيطنة الفلسطينيين .

ليس أي من هذه الحالات (ضد الأطفال) مقبولة من الناحية الإنسانية . سواء كان ذلك في أمريكا أو في أي مكان آخر .

ولكن في فلسطين المحتلة، فإن السياسة والإستراتيجية المتعمدة لإيذاء الأطفال أو قتلهم ليس له أي تأثير يذكر في العالم الخارجي أو بين أوساط معظم الإسرائيليين لأن سياسة إسرائيل الثابتة كانت ومازالت تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم. فلا توجد محاسبة، فالسياسة أصبحت هي العامل الحاسم وهي المعيار بدلاً من مسألة الشر .

لقد أظهر لنا التاريخ بمرور الوقت أن الشر في التمييز نادراً ما يتوقف عند الهدف الأولي، وببقائنا هادئين، أصبحنا جزءًا من النظام الذي يتغاضى عنه .

في النهاية، علينا أن نقرر أي نوع من العالم نريد أن نعيش فيه؟ على الرغم من أن أطفالا مهاجرين وفلسطينيين هم الآن مستهدفون فإنه إذا لم نتكلم ولم نفصح علنا عن موقفنا فقد يكون أطفالك هم الهدف التالي.

 

*  كـاتبة فلسطــينية

monasheaves@yahoo.com