“من غزة مع الحب”.. معرض الفنانة "ملك مطر" في نيويورك وحكاية العيون الحائرة

مشاركة
ملك مطر ملك مطر
12:39 ص، 22 اغسطس 2019

عبد الحميد صيام

نيويورك كانت المحطة الثالثة في جولة الفنانة الغزية ملك مطر في الولايات المتحدة التي نظمها المتحف الفلسطيني في كناتكت. فبعد عرضها الأول في واشنطن والثاني في مقر المتحف الفلسطيني، وصل معرض الفنانة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها مقر “المركز الثقافي” في شارع كولومبس الشهير في الحي الغربي من أعالي منهاتن.

يكاد الوافدون إلى المعرض لا يصدقون أن هذه الشابة هي التي أبدعت كل هذه اللوحات المتشابكة والمترابطة في موضوع كبير ينطلق من تجربة حرب 2014 بتفاصيلها، حيث عاشت مع عائلتها تحت الحصار فحولت القهر والخوف والحزن إلى إبداع وبدأت تغازل الريشة في رسومات واقعية من بيئتها. وما هي إلا سنوات قليلة وإذا بها تعرض لوحاتها في مشارق الأرض ومغاربها، وتعرض الهم الفلسطيني وتطوف به على شكل لوحات معبرة كما أبلغت الجمهور الذي جاء من نيويورك ونيوجرسي للاستماع لها والاستمتاع بفنها: “من غزة مع الحب-عنوان معرضي الذي جئت به لألتقي بكم حاملة رسالة تعبر عن معاناة أهل غزة بشكل خاص من خلال هذه اللوحات المستمدة أساسا من تجربة الشعب الفلسطيني بشكل عام. فرغم معاناته الطويلة إلا أنه شعب يعيش على الأمل، غني بالمواهب العديدة مثل الفن والكتابة والموسيقى والغناء. ليس صحيحا ما ينقله الإعلام عن فظاظة شعبنا ويأسه وفقدانه للأمل. إنه شعب صبور ومناضل وحضاري وكريم ومحب لوطنه” قالت في مداخلتها أمام الجمهور عند افتتاح المعرض مساء الثامن من آب/أغسطس الحالي.

ملك تستوحي فنها من الغزيات الصابرات المناضلات المتمسكات بوطنهن وكرامتهن، ولا يظهر الدمار والخراب والقذائف والخوف في اللوحات، إلا أنك تقرأ كل ذلك مرة واحدة في تلك النظرات العميقة الحائرة التي تدفن خلفها جبالا من الأسى والحيرة والأسئلة الباحثة عن إجابات غير متوفرة.

فيصل الصالح، مؤسس ومدير المتحف الفلسطيني، رافق ملك مطر في جولتها وقد احتفل بها وبلوحاتها في قاعة العروض في المتحف الفلسطيني في ولاية كناتكت. يقول لـ”القدس العربي” حول الفنانة وفنها: “ملك ترسم لوحات قوية صارخة لوجوه نساء قوية غير معروفة. لديها أسلوب مميز وفريد حيث تنطلق اللوحة من لوحة سابقة لها وتضيف بعدا جديد لتتكون من سلسلة اللوحات حكاية متكاملة لمجموعة نساء يعشن تجارب مختلفة ضمن ظروف متشابهة”. ويضيف “إن استضافة الفنانة ملك مطر من قبل المتحف الفلسطيني لعرض لوحاتها للجمهور الأمريكي يؤكد رسالة المتحف التي إنشئ من أجلها وهي عرض مأساة الشعب الفلسطيني وإنجازاته وحضارته وإبداعاته من خلال الفن الأقرب إلى القلوب والعقول. وملك تشكل نموذجا مشرقا للشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة. الفن يستطيع أن يخترق الحصار وينقل الرسالة إلى العالم”.

ولدت ملك مطر في عائلة غزية عام 2000 وكان عمرها 14 عاما عندما شنت إسرائيل عملية “الجرف الصامد” على قطاع غزة صيف 2014 والتي استمرت 51 يوما هدمت فيها البيوت ودمرت البنى التحتية وقتلت أكثر من 2300 مواطن من بينهم 551 طفلا. لم تكن صغيرة لتنسى ولا كبيرة لتحلل. ظلت أسيرة داخل البيت خلال الحرب الظالمة، فبدأت تتسلى بريشتها لتقيس المسافات الزمنية بين غارة وأخرى بمقدار ما تنجز من التعبير عن أفكارها على الورق.

* ممكن نتعرف على الفنانة؟

** بداياتي الفنية كانت خلال حرب 2014 عندما كان عمري 14 سنة. بدأت وأنا تحت الحصار والقصف أكتب بالألوان المائية المتوفرة لدينا. بعد الحرب بدت أطور نفسي أكثر وأتابع وأدرس الفن. كنت أتشاور كثيرا مع خالي الذي يدرس الفنون في الجامعة. أحسست بالموهبة وكان لدي الوقت فبدأت أرسم كهواية ثم وجدت أنني قادرة على تطوير نفسي فبدأت أتابع أكثر وأتعلم. بعد سنة عملت أول معرض لي في غزة في بيت الصحافة. وكان هناك إقبال كبير على لوحات طفلة في الخامسة عشرة. بدأت أضع لوحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي وبدأ الناس يتعرفون علي.

* إذن انطلقت من المحلية إلى العالمية في وقت قصير؟

** صحيح. بدأت أعرض لوحاتي على صفحتي على فيسبوك وانستغرام. ثم بدأ الناس يتعرفون علي ويسألونني عن لوحاتي ومعانيها. بدأت أتلقى الدعوات للمشاركة في معارض. وبالفعل شاركت في نحو 40 معرضا دوليا وعربيا. كنت أتلقى العديد من التعليقات الإيجابية والمشجعة فواصلت المشوار وبدأت أحسن أدائي وأعرض لوحاتي للبيع واستطعت في سن السادسة عشرة أن أعفي عائلتي من مصاريفي وأستقل ماليا.

* حدثينا أكثر عن المعارض التي شاركت بها.

** أول معرض كان لي في القدس عام 2016 مع عدد من الفنانات الفلسطينيات، وقد عرضت هذه المجموعة مرتين. ثم انطلقت نحو باريس ولندن. في الولايات المتحدة شاركت لوحاتي في 13 معرضا متنقلا في عدد من الولايات الأمريكية لكني لم أحصل على تأشيرة فجاءت لوحاتي من دوني. وشاركت كذلك في معارض في فرنسا وتركيا وبريطانيا والهند وكوستا ريكا ومحطتي المقبلة ستكون باريس في نهاية العام وألمانيا في آذار/مارس المقبل. وقد عرضت في الولايات المتحدة مرتين وهذه هي المرة الثالثة. وأقمت معرضا في مبنى ريبيرن هاوس التابع لـ “مجلس النواب” تحت عنوان “فن تحت الحصار”.

* ألاحظ أن هناك تطورا في الفن في غزة وخاصة الرسم. قد يبدو أن هناك علاقة جدلية بين الفن والقهر، وواحدهما يعزز الآخر. ما رأيك هل هناك علاقة واضحة بين ظروف الحصار في غزة وتطور الفن؟

** نعم هذا صحيح. الفن في غزة تطور كثيرا في السنوات الأخيرة. ومشكلة الفنانين أنهم محاصرون لا يستطيعون عرض لوحاتهم في الخارج. وحتى من تتاح له فرصة العرض في الخارج تقوم سلطات الاحتلال بتفتيش اللوحات وتمنع مشاركة أي لوحة قد تظهر بشاعة الاحتلال. لكن ظروف حياة الفنانين القاسية هي التي تدفع بهم إلى التعبير عن همومهم عن طريق الفن. سبب آخر هو التوعية. أصبح هناك وعي أكبر بدور الفن في النضال. فما توصله اللوحة قد تعجز وسائل أخرى عن إيصاله، فالأمريكي أو الأوروبي الذي يشاهد لوحة من غزة قد تثير لديه حب الاستطلاع ويريد أن يعرف ما وراؤها، فبدل أن يرى أو يسمع عن المعاناة من خلال اللوحة يبدأ في البحث عن الذين يعانون. الشعب في غزة مثقف وواع ويقدر الفن ودوره ولا يكاد يمر يوم من دون أن يكون هناك افتتاح لمعرض جديد أو ظهور فنان وخاصة بين النساء.

* أنت في الجامعة في سنتك الثانية، ما هي الخطوة التالية؟

** مشروعي الأول هو كتاب أوثق فيه رحلتي الفنية من 2014. كثير من لوحاتي أصبحت أغلفة لكتب. أريد أن أجمع بعض أعمالي الفنية وأضعها في كتاب واحد. هذا هو مشروعي الأول أروي فيه حكاياتي ومعاناتي وما شاهدته خلال سنوات الحصار. عندي عدد من الدعوات لمعارض خاصة في فرنسا وألمانيا وهناك دعوات أخرى لعدد من المعارض المشتركة مع فنانين آخرين.

* كيف تصنفين فنك وإلى أي المدارس تنتمين؟

** لو أردت أن أصنف فني لقلت إنني أنتمي للمدرسة التعبيرية الرمزية. التعبيرية انتهت بعد الحرب العالمية الثانية وجاءت التعبيرية الرمزية امتدادا لها. المدرسة التعبيرية الرمزية تعني أن هناك إضافة للوحة تفصح عن نفسها في اللمسات، في عمق النظرة، في الرسالة غير المنطوقة. لكن بشكل عام أنا لست مقيدة بمدرسة واحدة، بعض رسوماتي ينتمي للمدرسة الواقعية أو الانطباعية. لدي رسالة وأريد أن أوصلها للمتلقي، فلوحاتي تعبر عما في داخلي من أيام الحصار. أستفيد من كل المدارس الفنية وما زلت في طور التعلم لكن قلبي يرف أكثر للتعبيرية الرمزية.

* ألاحظ أنك تركزين على الوجه بشكل عام وخاصة الأنثى.  ماذا تريدين أن تقولي؟ كأنّ الرجل غائب، لماذا؟

** التعبير أكثر وضوحا يكون عادة في وجه المرأة، فهي أكثر كشفا لمشاعرها، الحيرة والخوف والأمل، من خلال تعابير الوجه وخاصة العيون. الرجل أقدر على كتم مشاعره. من مراقبة نساء حارتنا كنت ألاحظ قسمات الوجه وما تحمله من هموم. كنت أرى الحزن والفرح والانتظار والضياع – كل المشاعر تبدو أوضح في وجه المرأة. وكوني امرأة وأهتم بحقوقها لذا ليس مستغربا أن أركز على المرأة. وبعيدا عن الاحتلال وما يفرضه من اضطهاد على المرأة والرجل معا فالمرأة أيضا تعاني من ضغط التقاليد والعادات المتوارثة-بالإضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال والحصار عليها هناك قيود إضافية تفرضها التقاليد والعادات.

* ألاحظ أن لوحاتك تخلو من لقطات وتعابير تشير إلى الاحتلال وقيوده ومظاهره بشكل مباشر. كيف لي لو كنت أجنبيا أن أعرف تفاصيل معاناة الناس في غزة وما يجري هناك من خلال لوحاتك؟

** بداية هناك وسائل عديدة لنقل المعاناة والقتل والهدم والأشلاء والدمار، والوصول إلى هذه المعلومات سهل. دور الفنان ليس هذا، الفنان لا ينقل للناس صورا فوتوغرافية عما يجري، بل يحول هذه المشاهد القاسية إلى تعابير فيها نوع من الأمل، فيها ألم دفين يحاول أن يظهر من خلال نظرات العيون أو تقاسيم الحزن على الوجه. هناك مصور ينقل الصورة كما هي وهناك فنان يختزن الصور في مخيلته ويعبر عنها بطريقته الإبداعية.

 

كاتب متخصص في شؤون الامم المتحدة محاضر في جامعةً رتغرز