ماذا فعلنا كي نمنع تنفيذ صفقة القرن؟

مشاركة
03:27 م، 10 اغسطس 2019

فيصل أبو خضرا

يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الداعم للإحتلال والصهيونية، بشكل حثيث لتنفيذ صفقة القرن من خلال بعض الدول العربية التي هرولت لتنفيذ الصفقة والتطبيع مع الإحتلال، مع بعض التحسينات الهامشية، ومحاولة إقناع السلطة الفلسطينية الشرعية في رام الله، و حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة بقوة السلاح، للمشاركة في تنفيذ هذه الخطة التصفوية. أي أن أميركا وإسرائيل وبعض الدول العربية تعترف بفصيل حماس كحكومة ثانية في فلسطين.

 وبهذا تكون فلسطين التاريخية مقسمة إلى دولة إحتلال اسرائيلية قوية معترف بها من قبل بعض الأطراف العربية، وكيانين فلسطينيين، واحد على مساحة ٤٠ بالمائة من مساحة الضفة، بدون الأغوار، وكيان فلسطيني في غزة على مساحة ٣٦٥ كيلو مترا مربعا.

إن وجود كوشنر في المنطقة مؤخراً جاء في إطار محاولاته تسويق هذه الخطة، ومطالبته بعض الدول العربية للإجتماع في كامب ديفيد، رغم نفي مصادر أمريكية لذلك، ورغم أنه قال بأنه لن يفرض هذه الخطة عليهم ، ولكنه طلب منهم دراستها مع الأوروبيين وإقناع السلطة في رام الله وحماس في غزة بقبولها!

قبل وصول كوشنر وأعضاء طاقمه من الصهاينة إلى المنطقة، قرر نتنياهو أن يهديه بناء ستة آلاف وحدة سكنية إلى المستعمرين الجدد مقابل سبعمائة وحدة فقط لأهل البلاد الحقيقين، وسط معارضة يمينية شرسة، وذلك لإرضاء أمريكا كي تسهل تمرير صفقة العار المعروفة بصفقة القرن. وأمس الأول قام نتنياهو بتدشين ستمائة وخمسين وحدة إستيطانية في مستوطنة بيت إيل في قلب محافظة رام الله، زاعما أن الأراضي المحتلة هي وطن الشعب اليهودي ومهددا بالمزيد من البناء الإستعماري .

كوشنر وغرينبلات لم يريا أي تغيير جوهري في الموقف الأردني والعربي الصلب المؤيد لقيام دولة فلسطينية، وقد أسمعهم الملك عبدلله الثاني نفس الكلام الذي سمعوه سابقاً وهو دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود ١٩٦٧ .

صحيح أن بعض الدول العربية التي سعت إلى التواصل مع إسرائيل، ربما تكون قد حاولت فتح بعض القنوات ظنا منها أنه لربما تقتنع إسرائيل بالميل نحو إجماع العالم ، وحتى أمريكا بوجود رئيسها ترامب، بحل دولتين تعيشان بسلام مع بعضهما البعض، ولكن من الصحيح أيضا القول أن هذه المحاولة أسيء فهمها في تل أبيب وواشنطن، فاليمين الإسرائيلي بقيادة اليهودي الأشكنازي، بنيامين نتنياهو له اجندة إستعمارية خاصة به بعد أن تجاهل جميع القرارات الدولية والإتفاقيات الموقعة، حتى تلك التي وقع عليها، مما يثبت عدم مصداقيته.

ومن نافل القول إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لم تر استقرارا سياسيا في تاريخها وسط استمرار صراعها مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ولذلك نرى بأنها كثيرا ما تلجأ إلى إنتخابات مبكرة فيما تؤيد أقلية بسيطة حكومتها، وأي إنسحاب لحزب من أحزاب اليمين يسقط الحكومة، وهذا ما حصل مرارا ومؤخراً قبل شهور. كما أن إسرائيل تعيش حالة عداء مع الشعوب العربية والإسلامية قاطبة، لأنها لم تتخل عن الإستعمار والعداء بجميع أشكاله للشعب الفلسطيني، ولولا الحماية الأميركية والنفاق الغربي، لما بقيت تعربد في كل محيط الشرق الأوسط .

 والمحصلة دولة مصطنعة مهما نكلت وعربدت وتجبّرت ضد أي شيء أسمه فلسطيني وعربي لن يكتب لها النجاح، والسبب بسيط، فهي دولة لا تريد ألعيش مع جيرانها بسلام بل تسعى للتوسع والهيمنة على حساب الغير.

كما أن إسرائيل تعتمد في بقائها وغطرستها على المعونات العسكرية والمالية الأمريكية، حيث تدفع أمريكا  لها حوالي أربعة مليارات دولار من جيوب الشعب الامريكي سنوياً، إضافة لحماية إسرائيل في المحافل الدولية ووقوفها أمام إرادة المجتمع الدولي دفاعا عن الإستعمار الإسرائيلي، بينما الشعب الأميركي ليس لديه أي فكرة عن حقيقة خطورة سياسة بلاده الخارجية تلك، في دعم إسرائيل، الدولة الوحيدة في العالم التي تُمارس أبشع إستعمار في التاريخ.

لقد إتخذت القيادة الفلسطينية قرارا بوقف العمل بالإتفاقات الموقعة مع المحتل العنصري الذي إنتهك ونسف كافة الإتفاقيات الموقعة، وهذا القرار الذي رحبت به وتبنته كافة الفصائل ينسجم مع ما يرتكبه الإحتلال ويبدو سهلا على الورق، وصحيح أن هذا القرار يضر بالإحتلال ولكنه قد يجعل بعض جوانب الحياة الفلسطينية أصعب، ويضعنا أمام مفترق طرق ومرحلة حاسمة. ولهذا أعتقد أن علينا دراسة كل إتفاقية على حدة بجميع أبعادها السياسية والأمنية والإقتصادية قبل التنفيذ. وعلى سبيل المثال يمكن التركيز بداية على مقاطعة جميع البضائع الاسرائيلية وتشجيع المنتوجات الوطنية في كافة الأراضي المحتلة وخصوصا في القدس المحتلة، مع تبني ودعم خيار الانتفاضة الشعبية السلمية، ليشكل ذلك رداً على هذا الإحتلال وعلى صفقة العار الأميركية، فشعبنا لم يعد يرى أي أمل في استجابة أميركا والإحتلال لأي حل سلمي عادل وشامل، وهو يعاني يوميا من سياسة إسرائيل، التي تعربد يوميا ليس فقط في فلسطين بل أيضاً بإعتداءاتها المتكررة على جيرانها جميعاً.

إن كوشنر وشلته من الصهاينة لم ولن يجدوا أي دعم فلسطيني أو عربي أو أوروبي أو عالمي لخطة لا تلتزم بالقرارات الدولية، وعلى أمريكا وغيرها أن يحفظوا الدرس جيدا، وينفذوا قرارات الشرعية الدولية وما وقعوا عليه ، لأن الشعب الفلسطيني صبر وناضل منذ أكثر من مائة عام بدءا بنضاله ضد المستعمر البريطاني الإشكنازي والصهيونية ودولة الإحتلال الإسرائيلي، ولم يمل ولن يمل لأن حقه في أرضه فلسطين ثابت و جذوره راسخة، وليس فقط على حدود ١٩٦٧م ولكن على حدوده الطبيعية من النهر الى البحر ومن الناقور إلى رفح، وإن موافقة منظمة التحرير على تقاسم أرض فلسطين لدولتين جاء لوقف سفك الدماء وسعيا وراء السلام، وسط موازين وقرارات دولية ظالمة أجحفت بحقوق شعبنا، ولكن الإحتلال الإشكنازي بدعم الولايات المتحدة الأمريكية الذي توِّج برئيس أمريكي وضع نفسة حامي الظلم والإستهتار بالقيم الأمريكية التي تعلمناها في الجامعات الأميركية، وبالقيم الإنسانية والعالمية وبالقيم الدينية، هذا الاحتلال توهم أنه قادر على تصفية القضية الفلسطينية والهيمنة على كل المنطقة العربية بتشجيع ودعم حليفه ترامب.

ومع الأسف، ففي الوقت الذي تسابق فيه إسرائيل الزمن لتوسيع مستعمراتها وترسيخ إحتلالها لجميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967 ولتهويد القدس، فإننا مازلنا في خانة إصدار البيانات والتنديد والإستنكار بدون أي فعل جدي، فلسطيني أو عربي أو إسلامي، يردع هذا الإحتلال ويوقف هذا التمدد الإستعماري. 

وأول الأسباب الرئيسية أننا منقسمين بين الضفة وغزة بطريقة مخزية، كما أن هناك غياب لموقف عربي- إسلامي جدي فيما تقوم بعض دول العالم بمجاراة السياسة الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني.

لذلك يتوجب أن نكون في تحرك سياسي ودبلوماسي دائم وعلى دبلوماسيي وسياسيي فلسطين، كل  حسب مركزه أن لا ينددوا ويستنكروا فقط بل أن يتحركوا بشكل فاعل في كافة العواصم العالمية وخاصة  الإوروبية حتى تتخذ هذه الدول مواقف جدية، عقابية ضد المحتل.

أما مناشدة العالم من رام الله أو من غزة بإنقاذنا، فهذا وحده لا يكفي، ولا يصل الى مستوى خطورة .

الأعمال البربرية التي تقوم بها إسرائيل ولا إلى مستوى المواقف الطلوبة لمواجهة ذلك. فالعالم لا يمكن أن يتحرك دون أن يسمع صوتا فلسطينياً موحداً ومدوّياً شعبياً ورسمياً في مواجهة هذا الإحتلال أولاً وفي مطالبة العالم ثانياً للوقوف إلى جانب نضالنا العادل.

 ولهذا نقول مجدداً أن شعبنا الفلسطيني بكل فئاته يطالب حركتي "فتح" و"حماس"  وكافة الفصائل الوطنية بإنهاء هذا الإنفصال المعيب وعودة قطاع غزة هاشم لحضن الوطن، والتقدم معاً وسوياً لمواجهة هذه المؤامرة الكبرى على قضيتنا الوطنية وكي يسمع العالم أجمع صوت فلسطين الحقيقي المناضل من أجل التحرير والعودة وإقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس... والله المستعان

*عضو المجلس الوطني الفلسطيني