أرى تحت الرماد وميض جمرٍ…

مشاركة
صورة تعبيرية صورة تعبيرية
بقلم: عماد شقورة 09:58 م، 16 مايو 2019

في اواخر ايام العصر الأموي كتب نصر بن سيّار الى الخليفة الاموي الاخير، مروان بن محمد، يحذره من ابو مسلم الخراساني:

أرى تحت الرماد وميضَ جمرٍ

ويوشك ان يكونَ له ضِرامُ

فإن النّارَ بالعيدان تُذكى

وإن الحرب أولُها الكلامُ

وقع ما حذّر منه ابن سيّار، وانتهى عهد وعصر بني أُمية على يد الخراساني، وبدأ العصر العبّاسي.

اليوم، ونحن نتابع التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وفي الخليج العربي خاصة، وما يقابلها من تحرشات إيرانية، نرى «تحت الرماد وميض جمرٍ».. ولكنني لا ارى اقترابا لأن «يكون له ضِرامُ». هذا الجمر آيِل الى رماد تذروه الرياح. وكل الكلام الأمريكي والإيراني الذي تتسابق الفضائيات ووكالات الانباء على بثّه ونشره هذه الايام، هو «جعجعة» بلا طحين. وكل الاستعراضات الأمريكية، من تحريك حاملات الطائرات، وتقريب القاذفات الاستراتيجية، والحديث عن ارسال 120 الف جندي امريكي الى المنطقة، كما كل مناورات إيران وميليشياتها والتحرشات، هي مجرد «قعقعة» لسلاح لن يستخدم في حربٍ لن تنشب اصلاً.

اذن ماذا يكمن وراء ما تشهده منطقتنا من احداث؟. وما هي الاهداف التي يريد احرازها كل واحد من الاطراف الفاعلة فيها؟.

بداية، يجدر بنا تأكيد وتسجيل ان الأطراف الفاعلة في هذا الصراع ثلاثة: أمريكا، إيران وإسرائيل. هي فهد وذئب وثعلب. وثلاثتها حيوانات مفترسة.

ثم، يجدر بنا تأكيد وتسجيل أن الاطراف المراقبة في هذا الصراع ثلاثة ايضا: اوروبا، روسيا والصين.

يبقى للعرب، وخاصة السعودية ودول الخليج، دور واحد وحيد فقط: دور الطريدة، الفريسة، والتي ليست غزالاً، وانما هي اقرب لبقرة وحش حلوب، اقرب من كونها مجرّد نعامة.

لم تُخفِ امريكا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حرصها على حلْب «بقرة الوحش»، حليب أسوَد وحليب شفّاف: نفط وغاز شبه الجزيرة العربية، [وقبلت ان تكون «بريطانيا العظمى» شريكتها ووكيلتها. وظل ذلك الحال قائما حتى ارتكبت بريطانيا، (انطوني ايدن)، خطأها وخطيئتها بالتحالف مع فرنسا، (غي موليه)، وإسرائيل، (دافيد بن غوريون)، في العدوان الثلاثي على مصر، (جمال عبد الناصر)، ردا على قرار تأميم قناة السويس].

اقتنصت أمريكا، (دوايت آيزنهاور)، الفرصة، حيث أمرت، بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي، (نيكيتا خروتشيف)، بوقف فوري للعدوان، ثم بإصدار الأمر لإسرائيل بالانسحاب من شبه جزيرة سيناء المصرية، ومن قطاع غزة الفلسطيني الفلسطيني، (تحت «الادارة المصرية»)، وانحسر بذلك ظل «التاج» البريطاني عن كل ما هو شرق السويس، وخاصة ما كان يعرف بـ«الامارات المتصالحة» على الشاطئ الغربي للخليج العربي.

منذ ذلك التاريخ، اصبحت أمريكا الـ «راعي»، (ولا بدّ للرّاعي من مواشٍ ورعيّة) الوحيد لشبه الجزيرة العربية، واصبحت إسرائيل، (ليفي اشكول، وكل من تلاه في المنصب، من غولدا مئير، بدايةً، ونهايةً ببنيامين نتنياهو، وكل من بينهما: اسحق رابين، ومناحيم بيغن، واسحق شامير، ورابين مرة اخرى، ثم فاصلة اسمها شمعون بيرس، وصولا الى بنيامين نتنياهو، في تجربته الفاشلة الاولى، وايهود براك، وصولا الى اريئيل شارون، وايهود اولمرت، والعودة الى «ملك بني إسرائيل» نتنياهو)، هي الأداة الأمريكية، وفي ظلها تمت «انتصارات إسرائيل» في حزيران/يونيو 1967، وحماية إسرائيل من استمرار احرازات حرب تشرين الأول 1973. وما نشهده هذه الايام، ليس اكثر من استمرار لهذا السيناريو الأعوج، حيث يطبِق «الفهد» الامريكي على جهتين، ويطبق الذئب الإيراني على جهة الشاطئ الغربي للخليج الذي يريده، بكامله فارسيا. وحيث يلعب «الثعلب» الإسرائيلي بين الفهد والذئب، محتفظا بالجهة الشرقية، وطامعا بنصيبه، (بالمليارات)، من حصة امريكا، ومناورا ومحرضا بين الفهد الامريكي والذئب الإيراني.

هذا عن أمريكا. فماذا عن إيران؟.

إيران ليست عدوا لأمريكا. إيران منافس لأمريكا في الهيمنة على شبه الجزيرة العربية.. «البقرة الحلوب». إيران ليست عدوا لإسرائيل، وكيلة امريكا الحالية. إيران منافسة لإسرائيل على ود أمريكا ومشاركتها، لأخذ ما تعتقده حقها في حليب بقرة شبه الجزيرة العربية، حليبها الأسود (النفط) والشفاف (الغاز) ايضا.

لا أقصد رمي قنبلة صوتية. لكن لا بد لي من كشف ما قد لا يعرفه كثيرون، ليس في العالم العربي فقط، بل وفي العالم اجمع، فأقول:

ـ اوراق النقد الأمريكية هي: الدولار، الدولارين، الخمسة دولارات، العشرة دولارات، العشرين دولارا، الخمسين دولارا، المئة دولار، الألف دولار.

الأهم بين جميع هذه الاوراق هي ورقة المئة دولار. هذه الورقة، وبعد ان الغت الادارات المالية في العالم، من صندوق النقد الدولي، وغيره من المؤسسات العالمية ذات العلاقة، ضرورة وجود تغطية ذهبية لما يتم طبعه من اوراق النقد الأمريكية، اصبحت هي المهيمن، ربما الوحيد، على اسواق العملات والصرف.

هذه الورقة، ورقة المئة دولار امريكي، لم تكن تطبع إلا في امريكا، وهي صعبة، شبه مستحيلة، التزوير.

بعد هزيمة «ثورة مصدّق» على شاه إيران، محمد رضى بهلوي، في مطلع خمسينيات القرن الماضي، (بمساعدة أمريكية حاسمة لشاه إيران)، وبعد تزايد استيراد امريكا للنفط الإيراني، وشحن ملايين، وربما مليارات الدولارات الى إيران الشاه محمد رضى بهلوي، ارتكبت الادارة الأمريكية، في حينه، حماقة تخصيص إيران، دون غيرها من دول العالم، طباعة واصدار ورقة المئة دولار (القديمة)، أعطت أمريكا لإيران الورق والحبر واسرار التقنية لطباعة واصدار ورقة المئة دولار، وطبعا، تحت اشراف امريكي.

في هذه الاثناء حصل تطوران مفاجئان، لحقهما تطور ثالث حاسم:

ـ التطور الأول كان استيلاء إيران الشاه محمد رضى بهلوي على ثلاث جزر في الخليج العربي تابعة لأبو ظبي: طنب الكبرى، طنب الصغرى، وجزيرة ابو موسى.

ـ تلا ذلك استيلاء آية الله روح الله الخميني على مقاليد السلطة والحكم في إيران.

وكان من بين ما استولى عليه النظام الجديد: جزر ابو ظبي الثلاث، وكذلك: أدوات وأجهزة وأوراق واحبار ومعادلات تركيب واصدار ورقة المئة دولار الأمريكية.

ـ يقول بعض العارفين: ظلّت امريكا مترددة في معالجة هذه القضية. إلغاء ورقة المئة دولار (القديمة) يكلف الخزانة الأمريكية ما لا طاقة لها بتحمله. لكن استمرار إيران، (في ظل حكم آية الله الخميني، وورثته ايضاً)، في اصدار ما بين ثلاثة الى اربعة مليارات دولار سنويا، من ورقة المئة دولار، أمر غير معقول وغير مقبول. وفي عهد الرئيس الامريكي السابق، باراك اوباما، تم حسم هذه القضية، وتم اصدار ورقة مئة دولار امريكي جديدة، على امل ان تلغي مفعول امكانية اصدار إيران اوراقا نقدية اميركية دون حساب. إسرائيل: تصطاد في كل مياه عَكِرة. وإن لم تكن المياه عكرة، تسعى لتعكيرها. أخيرا: ماذا عن العرب؟ وتحديدا: عن عرب الجزيرة والخليج؟.

لا بديل عن ضامن للمستقبل العربي.لا بديل عن مصر، كقاعدة حقيقية للهرم العربي. لا أتحدث هنا عن مصر (السيسي). أتحدث هنا عن شعب مصر، وعن أهل مصر.