حقيقة ما قاله البنك الدولي عن الفقر

مشاركة
الدكتور زياد بهاء الدين الدكتور زياد بهاء الدين
بقلم:الدكتور زياد بهاء الدين 12:36 م، 12 مايو 2019

أثار تصريح منسوب إلى البنك الدولي الأسبوع الماضي، بأن نسبة الفقر بين المصريين قد ارتفعت من ٢٤% عام ٢٠١٠ إلى ٣٠% عام ٢٠١٥ ثم قفزت إلى ٦٠% عام ٢٠١٩، عاصفة من الذهول والانتقاد على صفحات التواصل الاجتماعي. والمذهل طبعا في التصريح أن تحدث هذه القفزة الأخيرة التي تضاعفت فيها نسبة الفقراء في مصر حتى قاربت ثلثي السكان خلال السنوات الأربع التي جرى فيها تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي برعاية صندوق النقد والبنك الدوليين، وأن تثور هذه العاصفة قبل زيارة رئيس البنك الدولي لمصر بأيام قليلة. 
لولا أن الرقم المشار اليه ليس صحيحا، وأن البنك الدولي لم يصرح بذلك على وجه الدقة.
والواقع أن البنك الدولي أصدر يوم الثلاثاء الماضي بيانا أعلن فيه عن مد اتفاق التعاون مع مصر لمدة سنتين إضافيتين تأتيان بعد نهاية برنامج الإصلاح الاقتصادي المنفذ خلال السنوات الأربع الماضية. وقد أشار البيان إلى التحسن الذى طرأ في المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري نتيجة لتطبيق البرنامج وعلى رأسها زيادة معدل النمو، وزيادة الصادرات، وبدء انخفاض معدل التضخم، وارتفاع الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي. 
ولكن ما أثار الخلط أن البيان تضمن أنه برغم النتائج المهمة التي تحققت إلا أنه ــ والترجمة التالية من عندي ــ «المزيد من الجهود لا تزال مطلوبة من أجل الإسراع بعملية الدمج الاقتصادي واستيعاب قوة العمل الآخذة في النمو، اذ حوالى ٦٠% من شعب مصر يعانى إما من الفقر أو مهدد به (either poor or vulnerable) وعدم المساواة يتزايد، وقد كان معدل الفقر قريبا من ٣٠٪؜ عام ٢٠١٥ بعد أن ارتفع من ٢٤٪؜ عام ٢٠١٠... بالإضافة إلى الاختلافات الجغرافية الصارخة والتي تتراوح من ٧٪؜ في محافظة بورسعيد إلى ٦٦٪؜ في بعض محافظات الصعيد». 
نسبة الفقر إذن لم ترتفع من ٣٠ إلى ٦٠ ٪؜ على نحو ما شاع على صفحات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، وهذا يستحق التوضيح لكى يكون في الحوار جدية ومصداقية. والغريب أن إعلامنا الرسمي حينما يجد مدحا في الحكومة وأدائها يبرزه ويحتفى به أحيانا بمبالغة وتضخيم، ولكن حينما ينتشر خبر غير دقيق على هذا النحو فإنه لا يجد في جعبته إلا التجاهل بدلا من البحث في أصل الموضوع والتدقيق والرد عليه بما يحترم ذكاء الناس.
ومع ذلك فإن كان ما نُقل عن البنك الدولي ليس صحيحا، فإن ما جاء فيه بالفعل يستحق التوقف والتفكير، وألخصه في النقاط الأربع التالية:
أولا) أن تطبيق برنامج الإصلاح ‏الاقتصادي ‏قد حقق بالفعل نتائج إيجابية على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكلية، وهذا في حد ذاته جيد للغاية ولا داعى للاستهانة به.
ثانيا) أن البرنامج مع ذلك لم يحقق تحسنا في معيشة المواطنين بل عرضهم لغلاء شديد وتدهور في الخدمات العامة على نحو اثر على المجتمع كله وبخاصة طبقته الوسطى، وذلك بسبب عدم نمو الاستثمار في المجالات الإنتاجية، وبالتالي عدم استحداث فرص عمل مستدامة ولا زيادة كافية في الدخول. 
ثالثا) أن عدم تغيير المسار الحالي لكى يكون اكثر شمولا وعدالة وتحقيقا لاحتياجات الناس لا يعنى فقط استمرار معدل الفقر الحالي، بل يهدد أيضا نسبة لا يستهان بها من المواطنين لا يعتبرون اليوم فقراء ولكن لا يعتبرون أيضا متجاوزين لخطر الوقوع في دائرة الفقر لأن ظروفهم الحالية لا تمنحهم الحماية والطمأنينة الكافيين. 
رابعا) أن الفجوة الاجتماعية الأكبر لا تزال بين المناطق المختلفة في مصر. وللأسف فإن الصعيد، برغم كل الهيئات التي تشكلت واللجان التي انعقدت والقروض التي أبرمت، لا يزال في مكان مختلف تماما ليس فقط من حيث الدخول ولكن أيضا في كل مؤشرات التنمية البشرية وفى مستوى الخدمات العامة، وهذه يجب أن الأولوية المطلقة لأي برامج اقتصادية تالية.
البنك الدولي ليس مالكا للحقيقة ولا محتكرا لها، ولكن التعليق على ما جاء ببياناته وتصريحاته يحتاج قدرا من الدقة والتمحيص لكي لا نندفع وراء كل ما يبدو إيجابيا وننفر من كل ما نعتقده مسيئا. والأهم من ذلك أن نحدد أولوياتنا القومية بأنفسنا وبما يحقق صالح غالبية المواطنين. وفى الوقت الحالي فإن الأولوية هي إطلاق طاقات الاستثمار الإنتاجي المعطلة، وزيادة فرص العمل المستدام، ووضع العدالة الاجتماعية في الصدارة.