البغدادي بين منبر الخلافة ومضافة الاستنزاف

مشاركة
الكاتب: ياسر أبوغليون الكاتب: ياسر أبوغليون
بقلم: ياسر أبوغليون 05:55 م، 04 مايو 2019

 

ليومنا هذا مر التنظيم بثلاث مراحل انتقالية متتابعة هي العمل السري ثم انتقل لمفهوم الدولة ولكنه سرعان ما عاد للمربع الأول ممثلا باستنزاف العدو الذي يشمل كل مقدراته العسكرية والاقتصادية واللوجستية واستلهام النمط المفضل لتنظيم القاعدة المبني على الكرّ والفرّ.

اقرأ ايضا: (المحلل الشرعي وملك اليمين) بين قوسين

 

ومن باب الموضوعية فإنه يفترض التفريق بين الدولةو الاستنزاف سواء القبلي أم البعدي ، ففي حين كان سقف التوقعات عاليا في جامع النوري سعيا للوصول لدولة الواقع  فقد ظهر خلافا لما آلت إليه الأحوال من تموضع القيادة في مضافة البغدادي والوعد بالثأر لقتلاه وأسراه، ووضوح الإيحاء بالوعيد فالرسالة هنا مضمونها ها قد تفرغت لكم، ففي حين تستغرق إدارة الدولة الوقت والجهد فإن العمل العسكري أسهل بكثير، كما يمكن اعتبار افتراش الأرض برفقة بعض مساعديه ممن غطوا وجوههم، كإجراء أمني احترازي لئلا تصل أية معلومات تغري صاحبها بنيل مكافأة 25 مليون دولار، بصورة تنبئ بأن الذي حدث هو فقط تأجيل مشروع الحلم الكبير و عودته لحجمه الذي سبق عام 2013، وهذا بفعل الغطاء الجوي للتحالف الدولي ، وترتب على ذلك ظهور استراتيجية الانتشار الصحراوي من شمال تدمر إلى ريف دير الزور الغربي، والتي سعى التحالف الدولي للتخلص منها عبر صور الأقمار الصناعية وطائرات المراقبة ذات القدرة على الرصد الليلي في الصحراء، وهي وفق ما يرى مختصون تهدف  لإنهاء السيطرة الليلية، و محاولة فرض نوع من الانتشار الأمني الليلي .

 

     وفي الوقت الذي يراد فيه عرض المشهد بكل جاذبية بإظهار اللحية الطويلة البيضاء وقد صبغ الحناء بعضها والجلباب الأسود والسترة البنيةوغطاء الرأس، فإن الرجل بدا أكبر عمرا وأكثر سمنة، ولكن بنبرة من التحدي فحواها لازلت على قيد الحياة، وفي هذا جراءة عالية في الظهور ودفعة معنوية للرفاق، ومن السذاجة تسطيح الاحتياطات الأمنية لهكذا تنظيم، فليس مقصده كما يبدو وفق التقديرات بناء حالة إعجاب بالقيادة، بل الطموح لإزالة الصورة التي يرسمها الإعلام لشخصه من خليفة جامع النوري في الموصل على جغرافيا بامتداد بريطانيا إلى طريد العمل السري تحت الارض.

 

   في الواقع تبدو فكرة الخلافة والدولة هي عنوان تجليات الموصل، بينما تمازجت المرحلة الآنية بعنصر الانتقام في سيريلانكا والانتشار كما في ظهور ولاية نفطاي في تايلند.

 

      ومن هنا يأتي الاستعراض بالسلاح الشخصي الكلاشنكوف والحرص على الظهور بمظهر المقاتل الأنيق كابن لادن في تورا بورا،و إظهار قمة التحدي بنشر ملفات الولايات التي تتبع له واختيار التوقيت المحمل بتفسيرات شتى تتقاطع مع شهر رمضان الكريم، وما يعنيه من دلالات الصمود في الأدبيات الجهادية.

 

ولعل نبؤات ما بعد منبر جامع النوري كانت تتمحور في البحث عن الاعتراف الدولي، أما الآن فمن الواضح السعي لافتتاح فروع جديدة في بوركينافاسو ومالي وتايلاند ولربما تركيا، وإن كان هذا ليس مؤكدا، ولقد نشر التسجيل في لحظة حرجة محملا بالتحدي حين قال ”معركتنا اليوم هي معركة استنزاف ومطاولة للعدو وعليهم أن يعلموا أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة وأن الله عز وجل أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر، ومن هنا يكاد يجمع المراقبون على أن غض النظر عن اتساع نفوذ طالبان سيستمر طالما كان على حساب تنظيم الدولة، والذي على الرغم من فقدانه المتكرر لقيادات صفوفه الأولى والثانية ، فإن لديه القدرة على التعويض واستجلاب أعضاء جدد ممن يلتحقون بكوادر التنظيم بفعل الدعاية والظلم والفساد، وخير شاهد على هذا ما يبديه التسجيل من كون القيادات التي تجلس برفقة البغدادي هي من قيادات الصف الثالث مع ما تعنيه من فوارق العمر والخبرة.

   يعترف التنظيم وفق هذا التسجيل بانتهاء معركة الباغوز على الرغم من ضآلة الحيز الجغرافي ووحشية التحالف وأسطورة الثبات، بحيث أصبحت أيقونة للتقليد والاحتذاء وتقليدها بتعميم التجربةكما حصل في بيجي والموصل وسرت.

وقد طرح كثير من المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية وجهات نظر بأبعاد جغرافية وفكرية، تتعلق بمآلات الظهور النشط في العديد من البؤر  وتحولات الذئاب المنفردة لآلاف من عناصر التنظيم المنتشرين تحت مناطق سيطرة قسد في سوريا ، مما يكشف عن ماهية بناء الأساليب هنا، والتي تقوم على المناورة والانكماش في المناطق الجبلية الوعرة، والحذر من الاختراقات الأمنية ، وتفعيل عنصر الدعاية الإعلامية، والاستعانة بسلسلة جبال وعرة جدا تقلل من استخدام الآليات العسكرية ، وتوفر القدرة على الاختفاء والتنقل الآمن بين عدة مناطق .

 

والخلاصة من الواضح أن التنظيم متواجد على الأرض في جيوبه، ويعمل على استثمار تداعيات القهر والاستبداد والتهميش السياسي ، ويوظفالفلتان الأمني والخلايا النائمةوفرق الاغتيالات والاختطاف و التفجيرات، و يقوم بتوزيع المنشورات الورقية وزراعة الألغام و نثر الذئاب المنفردة في البادية المترامية الأطراف.

 

المصطلحات والمؤشرات الجديدة

برزت مصطلحات لغوية جديدة من مثل مصطلح أمة الصليب ومقابله مصطلح أمة الإسلام ، ومصطلح جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ومصطلح مناجزة الصليب، ومصطلح امتلاك زمام المبادرة، فنلاحظ هنا انتقاء الكلمات بدقةوفصاحة وجزالة ألفاظ ومثالها : ناجزوا طاغوت كبت أثلجت يعطوا الدنية، لها مابعدها، الحنق، والمطاولة والاستنزاف وطاغوت السودان.

 

وبرز للسطح التقاطع مع الربيع العربي مما يعطي مشروعية فكرة المعارضة، فورد في التسجيل ما استبدلوا طاغوتاً إلا وحلّ مكانه طاغوت آخر أشد جرماً وفتكاً، كما جاء الدعاء على صورة نسأل الله أن يكون لها ما بعدها بشاكلة غير معتادة، وأشاد بالإعلاميين عبر مصطلح فرسان الإعلام، والإشادة هنا بالدفاع لا الهجوم وفي هذا نقطة حول ملحوظة.

 

والابرز في هذا التسجيل المبالغة في بث المؤشرات على مواكبة ومعاصرة التسجيل لنهاية ابريل 2019 وهي :

انتخابات الصهاينة وتفجيرات سيريلانكا وبيعة بوركينافاسو ومالي، وانشقاق بعض الجنود على القوات الأفغانية الحكومية،والزلفي، والإشارة لسقوط عمر البشير وبوتفليقة.

كما يتضح في التسجيل مقدار الكراهية لأمريكيا وأوروبا بالفرح أن من بين القتلى أمريكيون وأوروبيون.

وتتجلى في التسجيل نبؤات القادم التي تتمحور حول تعميم تجربة الباغوز على أنه لها ما بعدها، والاستفادة من الغباء السياسي الأمريكي بمحاصرة الاخوان المسلمين وشيطنتهم.

تحليل التسجيل : صورة عن قرب

سطحية تحليلات بعض ممن يزعمون أنهم متخصصون في الحركات الجهادية توضح التخبط الذي يلازمهم، ومن ذلك تناول مفهوم القيادة كما لو كانت أنظمة دكتاتورية سرعان ما ستنهار بسقوط الرجل الأول، متناسين أن هذا ليس من عقيدة ولا أدبيات التنظيم،. كما إن الاستدلالات غير المنطقية التي تربط بين ظهور غطاء الرأس المسمى بالشماغ في اللهجة المحلية لشرق سوريا وغرب العراق كدلالة على الجغرافيا استدلالات غير منطقية وساذجة، وقياسا عليها إصدار أحكام من خلال ثقل الملابس الشتوية، وكأنها الفيصل في تحديد الجغرافيا التي تم فيها التسجيل، وكما هو معلوم تشتد البرودة في المناطق الصحراوية، ناهيك عن التغيرات المناخية التي تجتاح المنطقة، فلم نعد نفرق بين صيف أو شتاء.

وشاهدنا تحليلات عديدة تبني أحكامها على نوعية

التصوير وزواياه ونوعية الكاميرا سواء كانت احترافية ام غير ذلك، وتم تناول المونتاج من نفس المنظار فإن كان تقليديا غير احترافي فذلك دليل على أن مكان التصوير في سوريا ! والشاهد في ذلك أن موضع الجلوس المسمى بالمجلس العربي ونوعية قماشه الظاهر في التسجيل من المتعارف عليه انتشاره في شرق سوريا.