وثائق تكشف: كيف كادت مواجهة مع واشنطن تهدد برنامج إسرائيل النووي.."هآرتس"

مشاركة
صورة تعبيرية صورة تعبيرية
دار الحياة: تل أبيب_هآرتس 03:18 م، 03 مايو 2019

كشفت وثائق سرية نشرت يوم الجمعة، عن مواجهة سياسية حدثت بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الاسرائيلية في العام 1963، حول برنامج اسرائيل النووي.

 

الوثائق التي نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية، مقتطفات منها، اشارت الى "معركة إرادة شديدة" وقعت بين الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي ورئيسي وزراء اسرائيلي الأسبقين، ديفيد بن غوريون وليفي اشكول، بشأن برنامج إسرائيل النووي.

 

وقالت الصحيفة" كانت التوترات غير مرئية لعامة البلدين، ولم يكن سوى عدد قليل من كبار المسؤولين، على جانبي المحيط، مدركين لخطورة الوضع".

 

ونقلت الصحيفة عن يوفال نئمان، المستشار الإسرائيلي رفيع المستوى السابق لشؤون العلوم، قوله قبل 25 عاما إن اشكول اعتبر ان "كينيدي قدم إنذارا حقيقيا لإسرائيل".

 

واضاف نئمان، إن القائد الأسبق لسلاح الجو الاسرائيلي دان تواكوفسكي "أبدى مخاوف جدية من ان كينيدي قد يرسل قوات أمريكية محمولة جوا الى ديمونا ، موطن المفاعل النووي الاسرائيلي".

 

ولفتت الصحيفة الى ان "ما كان على المحك هو مستقبل برنامج إسرائيل النووي".

 

وقالت"كينيدي، الذي كان لديه التزاما استثنائيا قويا بمنع انتشار الأسلحة النووية ، كان مصممًا على بذل قصارى جهده لمنع إسرائيل من إنتاج أسلحة نووية، أما بن غوريون ولاحقا إشكول فكانا مصممان بنفس القدر على إكمال مشروع ديمونا، وبالنسبة لهما ، كانت القدرة النووية بمثابة بوليصة تأمين لا غنى عنها ضد التهديدات الوجودية لإسرائيل".

 

ونشر الارشيف الوطني الاسرائيلي قبل ايام وثائق يعود عمرها الى 50 عاما تكشف تفاصيل المواجهة الاسرائيلية-الأمريكية.

 

وتشمل الوثائق المجموعة الكاملة للرسائل المتبادلة بين القادة كينيدي وبن غوريون وإشكول والعديد من الوثائق الأمريكية ذات الصلة، والتي تم رفع السرية عن بعضها وأصبحت متوفرة فقط في الأشهر الأخيرة.

 

وتتضمن الوثائق تقريرًا كاملاً للمفتشين الأمريكيين الذين زاروا ديمونا في عام 1964، ومذكرات ناقش فيها كبار مسؤولي البيت الأبيض كيفية التعامل مع رئيس الوزراء الاسرائيلي؛ والتقييمات الاستخباراتية التي حللت ما إذا كان المفاعل النووي الإسرائيلي، كما أصر الإسرائيليون، يهدف حقًا الاستخدام السلمي.

 

وفي هذا الصدد فقد لفتت الصحيفة الى أنه "في خريف عام 1960، بعد وقت قصير من انتخاب كينيدي، أصبحت إدارة (الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت) أيزنهاور المنتهية ولايتها، على علم بمفاعل ديمونا الذي بدأته إسرائيل وفرنسا في السر خلال عام 1958".

 

وقالت" أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقديرًا استخباريا خاصًا حدد أنه" يعتبر إنتاج البلوتونيوم للأسلحة غرضًا رئيسيًا واحدًا على الأقل من هذه الجهود"، وعلاوة على ذلك ، فقد توقع التقدير أنه "إذا كان العالم العربي يعتقد أن إسرائيل تمتلك قدرة أسلحة نووية ، فسيؤدي ذلك إلى ذعر، وسيتم توجيه اللوم نحو الولايات المتحدة وفرنسا لدعمهما المفترض للمشروع".

 

واستنادا الى الوثائق، فإنه في إيجاز بالبيت الأبيض في 19 يناير/كانون الثاني 1961 ، عشية تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ، تساءل كينيدي عن الدول التي كانت تسعى للحصول على القنبلة، فأخبره كريستيان هيرتر ، وزير الخارجية الأسبق : إسرائيل والهند، مضيفًا أن مفاعل ديمونا الذي تم اكتشافه حديثًا سيكون قادرًا على إنتاج 90 كيلوجرام من البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة بحلول عام 1963 ، وهو ما يكفي لصنع 10 إلى 15 سلاحًا نوويًا.

 

وحث هيرتر كينيدي على الضغط بشدة من أجل إجراء عمليات تفتيش لديمونة قبل أن تدخل إسرائيل هذه الأسلحة إلى الشرق الأوسط.

 

وتقول صحيفة "هآرتس" إنه "على الرغم من أن كينيدي كانت لديه مجموعة متنوعة من القضايا الصعبة التي يجب معالجتها من البداية - بدءًا من خطط وكالة المخابرات المركزية لغزو كوبا إلى أزمة بشأن لاوس - فإنه وفي غضون أيام من توليه منصبه، بدأ يحث بن غوريون على قبول زيارة أمريكية إلى ديمونا، مصراً أن الزيارة كانت شرطا للعلاقات الدبلوماسية الجيدة".

 

وأضافت "بحلول أبريل/نيسان 1961 - في الوقت الذي كان فيه بن غوريون ، يرأس حكومة انتقالية بعد استقالته من منصبه في 31 يناير/كانون الثاني - أخبر السفير الإسرائيلي في واشنطن أفراهام هارمان الإدارة الأمريكية، أن إسرائيل وافقت على قيام مسؤولين أمريكيين بجولة في ديمونا.

 

وفي 20 مايو/أيار من نفس العام، قام اثنان من علماء لجنة الطاقة الذرية الأمريكية بزيارة الموقع، وأوضح فريق الإدارة أن "الأساس المنطقي التكنولوجي للمشروع هو اكتساب الخبرة في بناء وتشغيل المفاعلات النووية التي يمكن استخدامها في المستقبل لتوليد الطاقة بشكل سلمي".

 

وتابعت الصحيفة في تقريرها: "نعلم من الوثائق الأمريكية ان الفريق كان مقتنعًا بعدم إخفاء أي شيء عنه وأن المفاعل له نطاق وشخصية سلمية سبق وصفها".

 

وقد وضعت هذه الزيارة الأسس لعقد اجتماع بين بن غوريون وكينيدي في نيويورك ، في 31 مايو/أيار 1961.

 

وقالت الصحيفة "كان الأساس المنطقي الذي قدمه بن غوريون لكينيدي خلال ذلك الاجتماع، متسقًا مع ما قاله فريق العلماء الامريكيين الذي زار ديمونا وخلاصته أن المشروع النووي كان هادئًا بطبيعته؛ ويتمحور حول الطاقة والتنمية. ومع ذلك، فإن ما قاله الزعيم الإسرائيلي لكينيدي ترك أيضًا مساحة صغيرة للمناورة لعكس اتجاه مستقبلي حين أسر له خلال الاجتماع: "في الوقت الحاضر، فإن الأغراض الوحيدة هي السلام..لكننا سنرى ما سيحدث في الشرق الأوسط. الأمر لا يعتمد علينا".

 

ولفتت الصحيفة الى أن "الاجتماع ساعد في تنقية الأجواء لبعض الوقت، لكنه لم يزل الشكوك الأمريكية العالقة بشأن نوايا إسرائيل النووية، وابتداء من يونيو/حزيران 1962، بدأ الأمريكيون بمحاولة ترتيب زيارة ثانية إلى ديمونا، لكنهم فشلوا في إحراز تقدم. ولم تتم هذه الزيارة الا في 26 سبتمبر/أيلول 1962، بعد طلبات متكررة على مدار عدة أشهر".

 

واشارت الى ان الزيارة استمرت 40 دقيقة وجاء في نص تقرير الوفد الأمريكي "المفتشون لم يكونوا متأكدين مما إذا كانوا ضيوفًا على علماء، على الرغم من أنه لم يكن لديهم وقت لرؤية المنشاة بأكملها، وعلى الرغم من وجود بعض المباني التي لم يدخلوها، إلا أنهم تمكنوا في النهاية من تأكيد الطبيعة البحثية للمنشاة".

 

وقالت الصحيفة "مهما كانت الشكوك حول القيمة الاستخباراتية النهائية المستقاة من الزيارة الثانية، فقد نقلت وزارة الخارجية الأمريكية استنتاجاتها إلى بلدان أخرى، فبعد أسابيع قليلة من الزيارة الثانية، وعندما بدأت أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر /تشرين الأول 1962، بدأت وزارة الخارجية الأمريكية بإبلاغ حكومات مختارة بهدوء بأن ديمونا كان مشروعًا نوويًا سلميًا".

 

غير انها استدركت أنه" في أوائل عام 1963، عادت المخاوف بشأن ديمونا إلى الظهور، فبحلول أواخر شهر يناير/كانون الثاني، تلقى كينيدي تقديرًا جديدًا من المخابرات الوطنية بعنوان "المشكلة العربية الإسرائيلية"، والذي سلط الضوء على إمكانات مفاعل ديمونة للأسلحة".

 

وخلصت الوكالة الى انه "فيما يتعلق بالإمكانات النووية لإسرائيل، فإن المنشأة ستصبح جاهزة للعمل في وقت لاحق من ذلك العام وبحلول العام التالي، 1964، "إذا تم تشغيلها بأقصى طاقتها لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة، يمكن للمفاعل إنتاج بلوتونيوم كافٍ لسلاح واحد أو إثنين في السنة".

 

وأضافت "بحلول أوائل فبراير/ شباط، كان المسؤولون الأمريكيون يصفون الزيارة الثانية لديمونة بأنها "إخفاق" وحثوا على التفكير الجديد داخل لجنة الطاقة الذرية ووزارة الخارجية، وربما البيت الأبيض حول كيفية مراقبة الولايات المتحدة للمفاعل بشكل فعال ومنهجي. وكان أحد الاستنتاجات مفاده أن "وجود نظام تفتيش فعال يتطلب زيارات نصف سنوية".

 

وفي 25 مارس/آذار 1963، ناقش كينيدي مع رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية آنذاك جون ماكون البرنامج النووي الاسرائيلي وبخاصة مسألة امتلاك اسرائيل قدرات نووية.

 

وفي 2 إبريل/نيسان من ذلك العام، التقى السفير الأمريكي لدى اسرائيل مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بن غوريون وقدم الطلب الأمريكي "بالقيام بزيارات نصف سنوية لديمونة ـ ربما في مايو /أيار ونوفمبر/تشرين الثاني، مع إمكانية الوصول الكامل الى كافة أجزاء المنشاة، وأجاب بن غوريون، المتفاجئ على ما يبدو ، بالقول إن القضية يجب تأجيلها إلى ما بعد عيد الفصح ، الذي انتهى ذلك العام في 15 أبريل/نيسان".

 

تردد بن غوريون في الرد، وقرر في الوقت ذاته عدم الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وقالت الصحيفة: "حظي بن غوريون بفرصة لتغيير الموضوع، في 17 أبريل/نيسان 1963، حين وقعت مصر وسوريا والعراق على إعلان "الاتحاد العربي"، الذي دعا إلى اتحاد عسكري من أجل "تحرير فلسطين".

 

لم يكن هذا الخطاب جديداً في ذلك الوقت، وليس من الواضح ما إذا كان بن غوريون رأى الإعلان بمثابة تهديد وجودي حقيقي لإسرائيل، ومع ذلك، فقد منحه فرصة ذهبية ليجادل بأن إسرائيل كانت تواجه ذلك التهديد تمامًا، ومن ثم، يعني ذلك ضمنيًا، أن إسرائيل لها ما يبررها في جهودها للحصول على "بوليصة تأمين" لوجودها، أي المفاعل النووي.

 

وأضافت: "لكن كينيدي كان مصمما على عدم السماح لبن غوريون بتغيير الموضوع، وفي 4 مايو/أيار، أجاب رئيس الوزراء مؤكداً له أنه بينما "نراقب عن كثب التطورات الحالية في العالم العربي، فإن ديث الزعيم الإسرائيلي عن خطورة إعلان الاتحاد العربي كان مبالغًا فيه".

 

وأصر كينيدي على طلب الزيارة نصف السنوية لمنشاة ديمونا.

 

وفي 5 يوليو/تموز بعد 10 ايام من تسلم ليفي اشكول رئاسة الوزراء في اسرائيل تسلم رسالة من كينيدي يجدد فيه طلبه والا فإن ازمة بين البلدين ستنشأ.

 

وفي 19 أغسطس/آب، بعد ستة أسابيع من المشاورات التي أسفرت عن ثمانية مسودات مختلفة على الأقل، سلم اشكول الى السفير الأمريكي في اسرائيل رده الخطي على مطالب كينيدي.

 

الرد بدأ بتكرار تأكيدات بن غوريون السابقة بأن هدف ديمونا كان سلميًا، وفيما يتعلق بطلب كينيدي، كتب اشكول أنه بالنظر إلى العلاقة الخاصة بين البلدين، فقد قرر السماح بزيارات منتظمة لممثلي الولايات المتحدة إلى موقع ديمونا.

 

وتمت الزيارة الأولى بسرية تامة في اواسط يناير/كانون الثاني 1964، بعد شهرين من اغتيال كنيدي.

 

كانت هذه الزيارة هي واحدة من 6 زيارات قام بها مفتشون أمريكيون الى ديمونا مرة سنويا في الفترة ما بين 1964-1969