السياسة الخارجية الأميركية والاستراتيجيات الكبرى

مشاركة
الكاتب: هال براندز الكاتب: هال براندز
بقلم: هال براندز ـ بلومبيرغ 05:45 م، 27 ابريل 2019

تعمّ حالة من الجدل العميق أوساط السياسة الخارجية في الولايات المتحدة بشأن الاستراتيجية الكبرى التي ينبغي على حكومة البلاد اعتمادها، في عصر التنافس الدولي المتسارع والمحتدم. ولكن ماذا لو أن الولايات المتحدة، المنقسمة على ذاتها داخلياً بسبب النزعات الشعبوية، والاستقطاب السياسي الشديد، وخيبة الأمل المتفشية، قد فقدت المقدرة الحقيقية على اعتماد أي استراتيجية على الإطلاق؟

تحوم أمارات هذا التكهن القاتم في آفاق السياسة الخارجية الأميركية مع تصارع راهن بين الأكاديميين ومحللي السياسات حول منطلقات رئاسة السيد دونالد ترمب لحكومة البلاد. ورغم توافر ما يكفي من الأسباب الوجيهة المثيرة للقلق، فمن المبكر للغاية تماماً الإعلان عن أفول نجم التسيد الأميركي على مسرح الشؤون الدولية حتى الآن.

وكان آخر استعراض لأطروحة «لقد فات الأوان» من طرف دانيال دريزنر الأستاذ بجامعة تافتس الأميركية. والذي قال في مقالة مفعمة بالاستفزاز، رافقتها مقالة أخرى على مدونته الشخصية، إن المشكلة تكمن حقيقة في أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية لا تتعلق بأن القوة والنفوذ الأميركي آخذ في التآكل والتراجع، بل في أن أسس وأصول الحكم في الولايات المتحدة قد انهارت تماماً.

وفقدت «الفقاعة»، اقتباساً من المصطلح الذي استعان به بن رودس مستشار باراك أوباما الأسبق، مصداقيتها إثر الحروب التي لا طائل من ورائها والتي شُنت رغماً عن إرادة الشعب الأميركي في كلٍّ من العراق وأفغانستان. واستُعيض عن اتفاق الآراء الحزبية الأميركية القديم بشأن التفاعل الأميركي على الصعيد العالمي بالتركيز على تكثيف الاستقطاب السياسي الذي يسفر عن اهتزازات سياسية شديدة الوقع كلما انتحى البيت الأبيض بسياساته ذات اليمين أو ذات اليسار. وتكشَّف الواقع عن قدر عظيم من اللا مبالاة لدى الشعب الأميركي في الشؤون الخارجية منذ نهاية حقبة الحرب الباردة حتى اليوم.

 

ونتيجةُ ذلك فقدان السياسة الخارجية الأميركية قاعدة المصداقية والرسوخ في المواقف المتخَذة في الوقت الذي يحتاج العالم بأسره، وبإلحاح، إلى يد قوية، وصارمة، وغير مرتعشة تدير الدفة وتقود الركب. ومن شأن الجمود والتقليد أن يحفظ النظام العالمي على نكهته الأميركية لبرهة من الزمن، طالت أم قَصُرت، فمن شأن فقدان البلدان الثقة بالولايات المتحدة بمرور الوقت أن يُفضي إلى انهيار النظام بأسره في خاتمة المطاف.

 

وأحمل في طيات نفسي قدراً لا بأس به من التعاطف مع هذه النظرية. ففي كتابنا الأخير المعنون «دروس المأساة»، طرحت، رفقة الزميل تشارلز إيدل، فكرة أن النجاح الأميركي في خلق هذا العالم اللطيف المزدهر سهّلت على المواطن الأميركي التغافل عن الأهمية القصوى للانتشار والتفاعل الخارجي العميق في المقام الأول. ولا جدال في أن نهاية حقبة الحرب الباردة قد صعّبت الأمور كثيراً على المواطنين الأميركيين في تفهم وإدراك الغاية الأميركية من عقد التحالفات وإقامة الشراكات وغير ذلك من الالتزامات الخارجية ذات الأولوية. في الانتخابات الرئاسية الأميركية كافة تقريباً منذ عام 1992، وفي واقع الأمر، تخير المواطن الأميركي المرشح الرئاسي الذي تعهد إبان حملته بسياسة أكثر تحفظاً وتقيداً إزاء الشؤون العالمية عن المرشح الذي تعهد بمزيد من النشاط في نفس المجال. ووفقاً لاستطلاع رأي أُجري في عام 2016 بواسطة مركز (بيو) للأبحاث، اعتقدت نسبة قياسية من المواطنين الأميركيين، بلغت 57%، أنه ينبغي على حكومة البلاد إيلاء المزيد من الاهتمام للشؤون الداخلية وإفساح المجال للبلدان الأخرى للاهتمام بشؤونها سواء بسواء. أما بالنسبة إلى «فقاعة بن رودس» وسوء التقدير الكبير الذي لازمها، فليس من قبيل المصادفة أن آخر رئيسين للولايات المتحدة الأميركية –الديمقراطي أوباما والجمهوري ترمب– قد وجدا أنه من المربـح للغاية على الصعيد السياسي استغلال النخبة السياسية الخارجية كأداة قوية لإنجاز المرامي وتحقيق الغايات.

 

أخيراً، ورغم أن درجة الاستقطاب السياسي الراهنة مبالَغٌ فيها في بعض الأحيان، فإن المشكلة في طريقها للتفاقم. وهناك إشارات غير خافية على أحد بشأن التدهور الواضح في إجماع الآراء على الصعيد الدولي، وإنْ استمر هذا التدهور على منواله الحالي فسوف يؤدي إلى عواقب وآثار وخيمة على مقدرة الولايات المتحدة المحافظة على وحدة النظام العالمي الذي شيّدته.

 

ومن حسن الطالع، أنه لا تزال هناك ثلاثة أسباب رئيسية تبرر أنه من السابق لأوانه كثيراً الوصول إلى حقيقة أن الأوان قد فات.

 

وخضعت الأسس السياسية للسياسة الخارجية الأميركية لغير اختبار في الماضي، ولقد تمكنت من اجتياز جُلّ الضغوط الشديدة التي كانت أسوأ بكثير من تلك التي نعاينها اليوم. ففي منتصف سبعينات القرن الماضي، عصفت حرب فيتنام بمصداقية نخبة السياسة الخارجية الأميركية تماماً –وكانت النخبة الأفضل والأرقى وقتذاك– وربما بصورة هي أكثر شمولاً وعمقاً مما تمخضت عنه سياسات حرب العراق أو أفغانستان راهناً. وكان الاستقطاب السياسي على أشده حينذاك، وربما انتهج مسارات اتسمت بالعنف في بعض الأحيان، وكان اعتماد سياسة خارجية وسطية من المحال تماماً. ووقعت الإرادة والالتزام السياسي الأميركي في هوّة الشكوك العميقة، ورغم كل شيء كانت الصدمات التي أسفرت عنها حرب فيتنام إلى زوال. وبات إجماع الآراء بشأن الحرب الباردة يفرض نفسه فرضاً على واقع الأحداث، وذلك في ظل السلوكيات العدائية التي اعتمدها الكرملين إبان الاتحاد السوفياتي والتي ذكّرت المواطن الأميركي بأهمية التنافس العالمي ما بين القوتين العظميين آنذاك.

 

ويتصل المعنى ذاته بداعٍ آخر من دواعي التفاؤل، إذ يمكن للمرء الآن الوقوف على الخطوط العريضة لإجماع جديد للآراء في أفق الأحداث. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بذل الساسة قصارى جهدهم لإقناع الرأي العام الأميركي بأن هناك تهديدات قوية تستلزم وحدة النظام العالمي خلف القيادة الأميركية لمواجهتها وهزيمتها. بيد أن هذه التهديدات باتت أكثر سرعة في الإعلان عن ذاتها اليوم، في صورة السلوكيات العدوانية التي تعتمدها القوى الاستبدادية العدائية في غير موضع من عالم اليوم.

 

أسفر التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عن رغبة حزبية قوية للتنافس مع ومجابهة الكرملين، على النحو الواضح في تأييد تعزيز دفاعات حلف شمال الأطلسي وإلزام موسكو بالمزيد من الضغوط الاقتصادية المنهكة. ربما نعتبر السيد ترمب، وبعضاً من جماعته المقربين، من الموالين بصورة أو بأخرى لفلاديمير بوتين، ولكن الأمر لا يتجاوز ذلك بقليل أو كثير.