إلى أين يتجه الحراك في الجزائر والسودان؟

مشاركة
أ. امحمد-مالكي أ. امحمد-مالكي
بقلم: امحمد مالكي 12:42 ص، 23 ابريل 2019

 

لم يُسفر الحراك المستمر في كل من السودان والجزائر عن أية صورة واضحة ونهائية لما سيكون عليه المستقبل السياسي في هذين البلدين، كما لم يعكس أي مؤشر عن تراجع  قوته، أو  فتور جذوته، فمواطنو  البلدين مازالوا مستمرين في التعبير عن مطالبهم، وإصرارهم من أجل كتابة صفحة جديدة في تاريخهم، لم ينل التعب ولا الوهن من عزائمهم، بل زادتهم الأيام اقتناعاً بأن الحق في جانبهم، وعمّق الإيمان في نفوسهم فضيلة أن التغيير نحو الأحسن يحتاج إلى كلفة، لم يترددوا جميعا في التعبير عن استعدادهم من أجل تجملها والتغلب عليها.

اقرأ ايضا: حكاية الانتخابات من طقطق إلى السلام عليكم

 

ولئن تطور الحراك في كل من السودان والجزائر  بشكل شبه متماثل ـ من حيث السلمية، والدعوة  إلى إعادة بناء شرعية السلطة ومؤسسات الدولة، والكشف عن الفساد والعزم على محاسبة رموزه، وفتح الباب أما المشاركة الحرة والإرادية للمواطنين، وتعاقب النخب النزيهة على السلطة ـ فإن ثمة مسارات تبدو حتى الآن متباينة بين البلدين، لعل أبرزها مدى قدرة قوى الحراك على رسم مسافة بينها وبين الجيش، وحجم الحضور الخارجي، وتحديدا الإقليمي العربي، في التأثير على اتجاه الحراك، وطبيعة قوى الحراك المدني، من أحزاب وجمعيات، على بلورة تصورات واضحة لإرساء أسس الانتقال السياسي الديمقراطي وآلياته.

 

ففي السودان يبدو الجيش مترددا بين إفساح المجال للقوى المدنية بالتوافق على طبيعة المرحلة الانتقالية وتصفية الإرث السياسي الثقيل للنظام المخلوع، وهو تردد مشدود إلى عقود من الهيمنة، تارة بالانقلاب على الشرعية المدنية، وطورا بالسيطرة باسم الإسلام والتحالف مع حركاته، قبل التمرد عليها.

 

وفي الجزائر كشف الحراك الجديد (2019) عن حقيقة استمرار المؤسسة العسكرية قوة مؤثرة في حظوظ التغيير وآفاقه، إذ على الرغم من التراجع النسبي لهذه المؤسسة نهاية العشرية السوداء ووصول "بوتفليقة" إلى سدة الحكم (1999)، وأساساً سعيه خلال ولايته الأولى إلى تقليم أظافر الجيش وخلق قوى موازية داخل هرم السلطة، أي أجهزة الأمن والمخابرات، ولاحقا رجال الأعمال وأصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي من عائلته ومحيطه الأوسع، فقد تبين أن الجيش الذي تماهى مع الدولة منذ أوفاق "أيفيان" والإعلان عن الاستقلال (1962) مازال هو القوة الأولى والأخيرة.

 

وإن شهد هو الآخر تشققاً في بنيته الداخلية، بين أعمدته القديمة ـ  وهي أقلية كمياً، لكن محتكِرة للامتيازات، وأغلبية شابة ليس لها في المزايا ومراكمة الأموال نصيب ـ وهو التشقق الذي في مُكنه التأثير على استمرار الجيش متحكماً في مآل الحراك في الجزائر، ولربما سيكون لهذه الأغلبية من الشباب التي ليس لها وزر في ما آلت إليه أوضاع الجزائر، حس الشعور أكثر بمطالب الحراك والتفاعل الإيجابي والعميق معه. 

 

يختلف حراك السودان في عُلو جرعة التعبير عن نظرة المواطنين لمؤسسة الجيش، ودرجة الاحتراز من سلوكها، بل والدعوة إلى فك الارتباط بها، وإيقاف الحوار معها، وهو ما لم يصله الحراك الجزائري بعد، ربما لاستمرار اقتناع الجزائريين بأن جيشهم وطني، وأن له مشروعية التحدث والدفاع عن مطالبهم الوطنية، على الرغم من وعي نخبهم السياسية، وشرائح مجتمعية واسعة  طبيعةَ العلاقة الدقيقة والملتبسة بين الجيش والمؤسسات المدنية في مجتمعات مركبة، كما هو حال الجزائر.

 

لذلك، سيضع الحراك، إن حافظ على زخمه، وسلميته، واستماتته، مؤسسةَ الجيش أمام المحك، وربما سيعقد حظوظ مرور الجزائر إلى انتقال سياسي سلس وحقيقي.

 

كما أن نجاح الحراك السوداني في إعادة بناء شرعية السلطة والدولة على أساس مدني، منفصل عن هيمنة الجيش، مرتبط بشكل عميق بمدى وفاء الجيش بوعوده في إعادة الشرعية للمواطنين  واختياراتهم الحرة والإرادية، وهو رهين كذلك بقدرة السودان على التخلص من التأثير الإقليمي العربي، لاسيما من قبل ثلاث دول، هي تحديدا: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية.

 

بخلاف السودان، لا تبدو الجزائر حتى الآن، وفي حدود ما هو ظاهر، أنها عُرضة للتأثير الإقليمي العربي، كما أن الحراك عكَس بدرجه عالية رفضَه المطلق للتدخل الخارجي منذ الأسبوع الأول من التظاهر، لاسيما من قبل فرنسا وروسيا، والقوى الغربية التي لها مصالح مع النظام القائم.

 

ومع ذلك، يصعب الاقتناع بشكل مطلق ونهائي بابتعاد فرنسا عن التحولات الجارية في الجزائر، التي شكلت ومازالت دائرة حيوية لسياستها المتوسطية والمغاربية.

 

نؤكد مرة أخرى أن صورة الحراك في كل من السودان والجزائر ما زالت رمادية، وأن معالمها لم تكتمل بعد، وأن القادم من الأيام سيكون أكثر دقة وحساسية بالنسبة لقوى الحراك والأطراف المناظرة له، لاسيما الجيش.

 

ونميل إلى الظن بأن استمرار الوضع على ما هو عليه لن يكون مجديا للجميع، وأن النجاح في صيغة توافقية واقعية وممكنة التنفيذ  ستجنب البلدين معا الآفاق غير مضمونة النتائج، أي الاصطدام، ولربما العنف والعنف المتبادل، وإن كانت كل المؤشرات تؤكد على أنه خيار غير وارد وغير مجد، وسيدخل البلدين معا والمنطقة ككل مداراً لا تعرف  مآلاتهعلى وجه اليقين.

 

اقرأ ايضا: الحاجة نفيسة.. "توكتك" إلى القدس!

إن الحكمة والبصيرة والتبصر  تقضي بأن تُسمعَ أصوات الناس ونداءات الشعوب، التي هي أولا وقبل كل شيء نداءات المستقبل  وضرورات العيش المشترك.