التّسويقُ السّياسيُّ على مِنصّات التّواصل الاجتماعيّ.. بين الافتراضيّة والواقعيّة

مشاركة
عمار جمهور عمار جمهور
10:57 م، 05 ابريل 2019

خلال الفترة الانتقالية لعمل حكومة تسيير الاعمال، برئاسة د. رامي الحمد الله، وإرهاصات تشكيل الحكومة  المقبلة برئاسة د. محمد إشتيّة، تفيض وسائل التواصل الاجتماعي بحوارات جوهرية وحقيقية.

من هنا تبرز أهمية ودور الاتصال السياسي متضمّنًا أدواتِ التّسويق السياسي على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما في التعاطي مع الأزمات الطارئة أو الناشئة؛ فالدّور الوظيفي للاتصال السياسي الحديث ساهم بتقديم "الإعلام الرقمي" كأداة لا يمكن للسياسيين تجاوزها بسهولة، بل يدعونهم "السّياسيين" لإتقان اللعبة واتّخاذ دور استباقي لضمان توجيه الرأي العام، بما تطرحه هي في الأساس، لأنّ النّشر في "الإعلام الرّقمي" لا يخضع، بالضرورة، إلى المراجعة المعروفة في الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، ولأنّ أيّ حدث عابر أو بسيط قد يضر بالسّمعة، فلا بدَّ من بلورة نهج حكوميٍّ مبادرٍ لتشكيل الرأي العام، وتوجيه بوصلته لما تراه مناسبًا، وفقًا لرؤيتها وسياساتها، دون مسّ أو إقصاء للآخر، بل يأتي بناء على معرفة المنطلقات الموضوعية، التي قد تقود إلى خلق رأي عام بشأن ما يدور في خاطر الجمهور. كل هذا يحتاج إلى احترافية عالية ومهنية تامّة، لأنّه لا يتأتّى لنا بتلمّس خرائط تكوين الرأي العام، حول ما يحب الجمهور وما يبغض، دون الدّراية بمخرجات الفعل السياسي؛ لضمان تحقيق الشعبية من "القاعدة" واستمرارها في خدمة القرار السياسي.

اقرأ ايضا: هل يقدم نتنياهو على خطوة الضمّ؟

الأمر الخطير في الاتصال والتسويق السياسي عبر وسائط "الإعلام الرقمي" المتعددة أنّها تعتبر مصدرَ تهديد دائم للحكومة بعد كلّ قرار، فنشطاء التّواصل الاجتماعي يحرصون على اقتناص الأخطاء والثغرات والقرارات الحكومية غير المرضية لمهاجمة أي حكومة، مهما كانت تركيبتها وطبيعة تشكيلها. هذا ماحدث بالفعل في التعاطي ورفض قرار الحكومة بشأن الضّمان الاجتماعي، بالإضافة إلى آثار ما تركته قرارات حكومية أخرى، ما يجعل من التجاهل أو التهميش أو التّصدي لما يثار على منصات التواصل الاجتماعي أمرًا، قد يكون مستحيلاً، وما يدور الآن من حراك سياسي في الجزائر خير دليل على ذلك.

أعتقد، عمليًّا، أنّ على الحكومة المقبلة إعادة النظر في شكل ومضمون البيان الصّحفي الصّادر عقب جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية، الّذي يعدُّ سردًا إعلاميًّا يعبّر عن مواقف الحكومة في جملة من الأحداث التي تتمّ خلال أسبوع كامل، بالإضافة إلى استعراض نتائج وقرارات مجلس الوزراء. وإعادة النّظر في هذا أمر ليس سهلًا، وذلك لطبيعة القضايا المثارة، فالبيان الصّحفي الصادر عن مجلس الوزراء قد لا يتطرّق إلى قضايا خاصة ذات أهمية "سرّية" أو بسبب غياب القرارات الحقيقية الجدية، التي من المرجح أن يكون التطرق إليها لا يلقى اهتمامًا من المواطن ولا تثير شغفه المعرفي.

وقد يكون من الممكن استمرار شكل البيان الصّحفي- بالرّغم من طول حجمه- لمخاطبة وسائل الإعلام ، على أن تتم معالجة القضايا المطروحة فيه بطريقة تنسجم وخصائص وسائل التواصل الاجتماعي لا سيما، تلك التي لا تحتمل عددًا كبيرًا من الكلمات والجمل الفضفاضة، بما يضمن التفاعل المشترك بين الحكومة والمواطن العادي. وقد يكون هذا التفاعل من خلال تسليط الضوء على قرار محدد ابتداءً من جهة التّنسيب مرورًا بوضعه على أجندة جدول أعمال مجلس الوزراء وطبيعة القرار المتّخذ من قبل الحكومة وصولًا إلى تنفيذه من قبل الوزارة أو المؤسسة المكلفة بالتنفيذ بطريقة السّرد الرّقمي من خلال "فيدوجرافيك" أو "إنفوجرافيك" يوضّح للجمهور دورة حياة القرار بطريقة تحمل في ثناياها عنصر أنسنة الحدث بما يساهم في شد انتباه الجمهور في قضية تلامس واقعهم قبل أن يتطرّقوا لحوارها على منصات التواصل الاجتماعي.

اقرأ ايضا: زعماء الدول الثلاث الأكثر تضررا من كورونا، قدّموا مصالحهم الشخصية على مصلحة شعوبهم

هذا الأسلوب أو التكتيك يضمن إلى حد ما أن يبقى الرأي العام عبر منصّات التواصل الاجتماعي متّزنًا وحيويّا وإيجابيّا بعيدًا عن الشائعات أو الادعاءات المطلقة، دون معرفة حقيقية لغياب ثقافة حق الحصول على المعلومة، وأن تكون للحكومة روايتها في القضايا المثارة، وأن يعي السياسي أنّه لا مجال للفرض المطلق لقراراتها أو رؤيتها، فالفضاء الإلكتروني يحتّم حوارًا شفّافًا تشاركيًّا تفاعليًّا إيجابيًّا يقوم على أسس ثابتة، تصبّ في نهاية المطاف للصالح العام ومصلحة المواطن أولًا وأخيرًا، وتجنّب الاستخدام المفرط لأي أداة من أدوات التسويق السّياسي، التي تتّسم بالسرعة الهائلة، وتصل لأكبر عدد من الجمهور، ما قد يقود لخلق حوارات، كان من الممكن تفاديها.